حقق الباحث الفلسطيني إسماعيل راضي إسماعيل فخيدة إنجازًا بحثيًا في مجال الرياضيات التطبيقية والإحصاء الحيوي، بتطوير إطار استدلالي جديد يحمل اسم «FWKC»، يهدف إلى معالجة مشكلات إحصائية تواجه الباحثين عند تقييم مدى توافق نتائج الفحوص التشخيصية، ولا سيما في الدراسات التي تعتمد على أعداد محدودة من المرضى أو بيانات تتفاوت فيها نسب الحالات المرضية والسليمة.
ونُشرت الدراسة في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026، في المجلة العلمية الدولية المحكمة «BMC Medical Research Methodology»، التابعة لمجموعة النشر العالمية «Springer Nature»، بعنوان «إطار استدلالي للعينات المحدودة لمعامل كابا الموزون في دراسات الاتفاق التشخيصي الثنائي».
وأظهرت نتائج البحث أن إحدى طرق بناء فترات الثقة ضمن الإطار الجديد حققت متوسط تغطية إحصائية بلغ 97.7% في محاكاة اعتمدت على عينات من 30 حالة، مقارنة بمستويات أقل سجلتها بعض الطرق التقليدية، مع الإشارة إلى أن هذا التحسن ترافق مع فترات ثقة أوسع.
ويمثل البحث مساهمة فلسطينية في تطوير أدوات التحليل الإحصائي المستخدمة في الدراسات الطبية، من خلال الجمع بين البرهان الرياضي والنمذجة الاحتمالية وتقنيات التعلم الآلي والمحاكاة الحاسوبية.
ما الابتكار الذي طوره الباحث الفلسطيني إسماعيل فخيدة؟
يركز الابتكار على مشكلة أساسية في الأبحاث الطبية تتمثل في كيفية قياس درجة الاتفاق بين نتائج فحص تشخيصي ومرجع طبي معتمد، ومدى الثقة في النتائج الإحصائية المستخلصة من هذا الاتفاق.
فعندما يرغب باحث في تقييم اختبار للكشف عن مرض معين، لا يكفي معرفة عدد المرات التي أعطى فيها الفحص نتيجة مطابقة للتشخيص المرجعي، بل يجب أيضًا تحديد مقدار الاتفاق الذي قد يحدث بمحض المصادفة، وتأثير الأخطاء المحتملة في تفسير النتائج.
ولهذا الغرض، يستخدم الباحثون معاملًا إحصائيًا يُعرف باسم «كابا الموزون» (Weighted Kappa)، الذي يسمح بقياس الاتفاق مع إعطاء أوزان مختلفة لأنواع الأخطاء التشخيصية.
وتظهر المشكلة بصورة أوضح عندما تكون الدراسة صغيرة، أو يكون عدد المصابين بالمرض قليلًا مقارنة بغير المصابين، إذ قد تصبح التقديرات الإحصائية غير مستقرة، ويصعب تحديد هامش الخطأ بصورة موثوقة.
وجاء إطار «FWKC»، وهو اختصار لعبارة «Finite-Sample Weighted Kappa Coefficient»، لتوفير أساليب استدلالية تساعد على تقدير معامل الاتفاق وبناء فترات الثقة في ظل هذه الظروف.
ولا يقدم الإطار فحصًا طبيًا جديدًا أو وسيلة لتشخيص الأمراض مباشرة، وإنما يطور الأدوات الرياضية التي يستخدمها الباحثون لتفسير نتائج الفحوص وتقييم مدى موثوقيتها.
كيف يمكن أن يؤثر النموذج في الدراسات الطبية؟
تكمن أهمية الإطار الجديد في قدرته المحتملة على مساعدة الباحثين في التمييز بين النتائج التي تبدو دقيقة ظاهريًا والنتائج التي تدعمها أدلة إحصائية كافية.
فعلى سبيل المثال، قد تُظهر دراسة صغيرة توافقًا مرتفعًا بين اختبار طبي وتشخيص مرجعي، لكن هذا التوافق لا يعني بالضرورة أن النتيجة ستكون مستقرة عند تكرار الدراسة على مجموعة أخرى من المرضى.
وتزداد المشكلة عندما تكون غالبية أفراد العينة من غير المصابين بالمرض، أو عندما يكون عدد النتائج الإيجابية محدودًا للغاية.
في مثل هذه الحالات، يمكن أن تؤدي بعض الطرق الإحصائية إلى بناء فترات ثقة ضيقة أكثر مما ينبغي، ما قد يعطي انطباعًا مبالغًا فيه عن دقة النتيجة.
ويسعى النموذج الجديد إلى تقليل هذا النوع من الأخطاء، من خلال إدراج مصادر متعددة لعدم اليقين في عمليات الحساب.
وقال فخيدة، في تصريحات لصحيفة «الأيام»، إن فكرة الابتكار جاءت استجابة لحاجة في البحث العلمي، موضحًا أن تقييم الفحوص التشخيصية يصبح أكثر تعقيدًا عندما تكون العينات صغيرة أو غير متوازنة.
وأشار إلى أن الهدف يتمثل في توفير أدوات تساعد الباحثين على تجنب الاستنتاجات الإحصائية المضللة، وتحسين الأساس الذي تُبنى عليه القرارات البحثية والطبية.
دمج الرياضيات والذكاء الاصطناعي في إطار واحد
يعتمد إطار «FWKC» على مجموعة من الأساليب الرياضية والحاسوبية التي تتكامل لمعالجة البيانات وتقدير درجة الاتفاق بين النتائج التشخيصية.
وتشمل هذه الأساليب النمذجة الإحصائية البايزية، التي تستخدم التوزيعات الاحتمالية لتقدير عدم اليقين، وتقنية «الغابات العشوائية» (Random Forest)، وهي إحدى طرق التعلم الآلي المستخدمة لتحليل البيانات واستخلاص الأنماط الإحصائية.
كما يوظف النموذج إعادة أخذ العينات المعروفة باسم «Bootstrap»، وهي تقنية تسمح بتقييم مدى تغير النتائج عند تكرار التحليل باستخدام عينات مشتقة من البيانات المتاحة.
ويجمع الإطار بين هذه المكونات في سلسلة من العمليات الحسابية لتقدير معامل الاتفاق وحدود عدم اليقين المرتبطة به.
وأوضح فخيدة أنه سعى إلى الجمع بين الاشتقاقات الرياضية النظرية والأساليب الحاسوبية الحديثة، بما يسمح بتحويل النتائج العلمية إلى أدوات قابلة للتطبيق في تحليل البيانات.
وتنبع أهمية هذا الدمج من أن دراسة موثوقية الفحوص لا تتطلب تقديرًا رقميًا واحدًا فحسب، وإنما تحتاج أيضًا إلى تحديد مدى احتمال تغير ذلك التقدير نتيجة محدودية العينة أو اختلاف توزيع الحالات.
دراسة شملت 243 سيناريو أساسيًا و162 اختبارًا إضافيًا
خضع الإطار الجديد لسلسلة واسعة من التجارب الحاسوبية، صُممت لاختبار أدائه في ظروف مختلفة من حيث حجم العينة وانتشار المرض والأوزان النسبية للأخطاء التشخيصية.
وشملت الدراسة 243 سيناريو أساسيًا، باستخدام عينات تضم 30 أو 50 أو 100 حالة، مع تغيير نسب انتشار الظاهرة المدروسة وأوزان الأخطاء.
وأُجري 120 تكرارًا مستقلًا للبيانات في كل سيناريو، بما مجموعه 29160 مجموعة بيانات ضمن مرحلة المحاكاة الرئيسية.
كما تضمنت الدراسة 162 سيناريو إضافيًا لاختبار المتانة تحت ست آليات مختلفة لتوليد البيانات، إلى جانب 34 تنويعًا في تحليلات الحساسية، للتحقق من مدى تأثر النتائج باختلاف الافتراضات والإعدادات الحسابية.
واستخدم الباحث أيضًا بيانات منشورة سابقًا من دراسات طبية حقيقية، بينها بيانات مرتبطة بتشخيص مرض الشريان التاجي، و14 جدولًا إحصائيًا منشورًا عن اختبار «AUDIT-C» المستخدم في تقييم أنماط استهلاك الكحول غير الصحي.
وساعدت هذه التطبيقات على مقارنة مخرجات الإطار الجديد بنتائج وطرق إحصائية معروفة.
ماذا تعني نتيجة 97.7% التي حققها النموذج؟
من أبرز نتائج الدراسة تحقيق إحدى الطرق المستخدمة ضمن الإطار الجديد متوسط تغطية إحصائية بلغ 97.7% عند اختبارها على عينات تضم 30 حالة.
وتشير «التغطية الإحصائية» إلى نسبة المرات التي تحتوي فيها فترة الثقة المحسوبة على القيمة الحقيقية المفترضة في اختبارات المحاكاة.
وبعبارة مبسطة، إذا كان الباحث يبني فترات ثقة بمستوى اسمي يبلغ 95%، فإن الهدف أن تحتوي هذه الفترات على القيمة الصحيحة في نحو 95 من كل 100 تجربة مماثلة.
وأظهرت الدراسة أن الطريقة التي وسّعت فترات الثقة داخل إطار «FWKC» بلغت متوسط تغطية قدره 97.7% في سيناريوهات العينات الصغيرة، مقابل 91.8% لطريقة التحويل الرياضي المباشر، و89.2% لطريقة «والد» التقليدية، وفق المقارنة الأساسية عند حجم عينة يبلغ 30 حالة.
كما حققت الطريقة الجديدة تغطية لا تقل عن 90% في 79 سيناريو من أصل 81 سيناريو اختُبرت عند حجم العينة نفسه.
لكن هذه النتيجة لا تعني أن النموذج يشخص الأمراض بدقة 97.7%، أو أنه يتفوق على جميع الطرق الإحصائية في مختلف الظروف؛ إذ تتعلق النسبة بموثوقية فترات الثقة في تجارب المحاكاة، وليس بحساسية الفحص الطبي أو قدرته على اكتشاف المرض.
وأوضحت الدراسة أن زيادة التغطية جاءت مقابل اتساع فترات الثقة، وهو ما يمثل مفاضلة بين تقليل خطر التقليل من عدم اليقين والمحافظة على دقة نطاق التقدير.
ماذا كشفت المقارنة مع الطرق الإحصائية التقليدية؟
أظهرت نتائج البحث أن أداء الطرق الإحصائية يختلف بحسب حجم العينة وطبيعة البيانات والغرض من التحليل.
ففي الاختبارات الرئيسية، كانت طريقة التحويل الرياضي المعتمدة على «Fisher-z» أكثر توازنًا من حيث معايرة فترات الثقة والتكلفة الحسابية، ما دفع الباحث إلى التوصية بها خيارًا أساسيًا في التحليلات الروتينية.
أما طريقة فترات الثقة الموسعة ضمن «FWKC»، فأظهرت قدرة أفضل على تجنب الانخفاض الحاد في التغطية الإحصائية في بعض ظروف العينات الصغيرة والبيانات غير المتوازنة.
وفي اختبارات المتانة الإضافية البالغ عددها 162 سيناريو، حققت هذه الطريقة متوسط تغطية قدره 95.5% بين الحالات التي اكتمل تحليلها بنجاح.
لكنها أنتجت فترات ثقة أوسع من الطريقة المحولة، ما يعني أن استخدامها ينبغي أن يرتبط بطبيعة الدراسة والمخاطر المترتبة على الاستنتاجات غير الدقيقة.
وفي جانب تقدير القيمة الإحصائية نفسها، حقق مكوّن «الغابات العشوائية» أقل متوسط للخطأ التربيعي الجذري بين المكونات التي جرت مقارنتها في مجموعة اختبارات المتانة.
وتشير هذه النتائج إلى أن القيمة العلمية للإطار تتمثل في توضيح حدود أداء الأساليب المختلفة، وتقديم خيارات أكثر ملاءمة للباحثين، وليس استبدال جميع الطرق الإحصائية المعروفة بطريقة واحدة.
أهمية الدراسة في الأبحاث الطبية والتشخيصية
يمكن الاستفادة من المنهجية التي طورها فخيدة في دراسات تقارن اختبارات تشخيصية بمعايير مرجعية، خصوصًا عندما يكون حجم العينة محدودًا.
وتشمل الاستخدامات البحثية المحتملة تقييم وسائل الكشف عن الأمراض، ومقارنة نتائج الاختبارات الثنائية، ودراسة مدى تأثير الأخطاء التشخيصية المختلفة في تقدير الاتفاق.
فعلى سبيل المثال، قد تختلف العواقب الطبية لنتيجة سلبية خاطئة، تشير إلى عدم إصابة مريض رغم وجود المرض، عن العواقب المرتبطة بنتيجة إيجابية خاطئة لشخص غير مصاب.
ولهذا يُتيح معامل «كابا الموزون» إعطاء أهمية نسبية مختلفة لهذه الأخطاء، بحسب سياق الدراسة وهدفها.
ويمكن أن يكون هذا النوع من التحليل مفيدًا في الأبحاث السريرية والوبائية، وفي تطوير أدوات تقييم الفحوص، مع ضرورة إخضاع أي تطبيق جديد للتحقق المناسب قبل الاعتماد عليه في قرارات طبية فعلية.
ولا تمثل الدراسة تجربة سريرية على مرضى جدد؛ إذ اعتمدت على بيانات محاكاة وجداول إحصائية مجمعة منشورة سابقًا، وليس على إجراء فحوص أو تدخلات طبية جديدة.
من جامعة غرناطة إلى نابلس.. حضور فلسطيني في البحث العلمي
أُدرج اسم إسماعيل راضي إسماعيل فخيدة في الدراسة بصفته باحثًا مرتبطًا بقسم الإحصاء الحيوي في كلية الطب بجامعة غرناطة الإسبانية، إلى جانب المعهد العالمي للبحوث التطبيقية والصحية في نابلس بفلسطين.
وتؤكد بيانات المجلة أن فخيدة هو الباحث الذي أعد الدراسة، وشارك في صياغة إطارها الرياضي وتصميم تجارب المحاكاة وتنفيذ التحليلات والتحقق من النتائج.
وكان البحث قد قُدم إلى المجلة في 13 مارس/آذار 2026، قبل قبوله للنشر في 14 أكتوبر/تشرين الأول، ثم نشره إلكترونيًا في 16 أكتوبر من العام نفسه.
ويضيف هذا العمل مساهمة فلسطينية موثقة في مجال الإحصاء الحيوي، الذي يشكل عنصرًا أساسيًا في تصميم الدراسات الطبية وتحليل نتائجها وتفسيرها.
إتاحة الدراسة والبرمجيات مجانًا للباحثين
حرص فخيدة على نشر دراسته بنظام الوصول المفتوح، ما يتيح للباحثين والمهتمين قراءتها مجانًا عبر الموقع الرسمي للمجلة العلمية.
كما نشر الشيفرة البرمجية الخاصة بالإطار الجديد على منصة «GitHub»، إلى جانب ملفات البيانات وإرشادات تشغيل التحليلات باستخدام لغة البرمجة الإحصائية «R».
وتتضمن المواد المنشورة مكونات النمذجة البايزية، وتقنيات التعلم الآلي، وإعادة أخذ العينات، وإعدادات المحاكاة والتحقق، ما يتيح للباحثين الاطلاع على المنهجية ومحاولة إعادة إنتاج نتائجها.
وتُعد هذه الخطوة مهمة في مجال البحث العلمي، لأن نشر الشيفرة وبيانات التحليل يعزز الشفافية ويسمح للمختصين باختبار النموذج ومقارنته بطرق أخرى.
ومع ذلك، تؤكد الدراسة الحاجة إلى إعادة التحقق المستقل من النتائج، وتوسيع الاختبارات مستقبلًا لتشمل أنماطًا إضافية من البيانات والظروف البحثية.
مساهمة فلسطينية في تطوير أدوات البحث العلمي
يمثل نشر إطار «FWKC» إضافة علمية في مجال الإحصاء الرياضي التطبيقي، من خلال معالجة واحدة من المشكلات التي تواجه الدراسات الطبية المعتمدة على عينات صغيرة.
وتبرز أهمية العمل في أنه يجمع بين الأساس الرياضي والتجارب الحاسوبية والتطبيقات المستمدة من بيانات طبية منشورة، مع إتاحة أدواته للمجتمع العلمي بصورة مفتوحة.
وأكد فخيدة، في حديثه لصحيفة «الأيام»، أن نشر الدراسة وإتاحة الشيفرة البرمجية يعكسان رغبته في تقديم مساهمة علمية يمكن أن يستفيد منها الباحثون في فلسطين والعالم.
وفي حين تؤكد نتائج الدراسة إمكان تحسين بعض جوانب الاستدلال الإحصائي، فإن تطبيق المنهجية على نطاق أوسع سيظل مرتبطًا بنتائج دراسات مستقلة إضافية، وطبيعة البيانات المستخدمة، ومدى الحاجة إلى حماية التقديرات من عدم اليقين في العينات الصغيرة.
ويُبرز البحث بذلك قدرة الباحثين الفلسطينيين على المشاركة في تطوير المعرفة الرياضية والطبية عالميًا، وتقديم أدوات علمية قابلة للفحص والتطوير والاستفادة منها في بحوث مستقبلية.