قناة الجزيرة 30 عاماً شمس الإعلام الفضائي.. وما خفي أعظم

غسان مصطفى الشامي
غسان مصطفى الشامي

قلم: د. غسان مصطفى الشامي
[email protected]
قبل ثلاثين عاماً، وتحديداً في الأول من نوفمبر عام 1996م، انطلقت من العاصمة القطرية الدوحة الغرّاء شرارة قناة إعلامية عربية غيّرت وجه الإعلام الفضائي العربي، حيث لم تكن قناة الجزيرة قناة فضائية جديدة تُضاف إلى قمر عربسات، بل كانت تمثّل ميلاد عصر إعلامي جديد لم يعهده ويشهده المشاهد والمستمع في الوطن العربي الكبير.
لقد كسرت قناة الجزيرة وهي تعبر اليوم العقد الثالث من عمرها احتكار الصوت الواحد، وفتحت النوافذ السياسية المغلقة، بل مثّل ظهورها آنذاك طفرة قوية في عالم الإعلام العربي الذي كان أسيراً للخطاب الرسمي البارد.
انطلقت الجزيرة من شاشة صغيرة تبث لست ساعات في اليوم، ثم امتدت أكثر فأكثر حتى أصبحت قناة إخبارية تبث نشراتها وبرامجها الإخبارية والسياسية على مدار الساعة. بدأت حكاية قناة الجزيرة بطاقم إعلامي وفني وميداني لا يتجاوز المئة وخمسين صحفياً وفنياً، معظمهم قادمون من تجربة قناة بي بي سي العربية البريطانية، لكن الجزيرة حملت شعاراً أصبح دستوراً إعلامياً شامخاً "الرأي والرأي الآخر"، هذا الشعار كان بمثابة زلزال مفاهيمي في عالم الإعلام الفضائي ثم الإعلام الرقمي.
لقد عملت قناة الجزيرة في سنواتها الأولى (1996-2001) ضمن خط تحرير صحفي ونهج مختلف، وسياسة إعلامية يمكن تسميتها"صدمة الحرية"، وأطلقت القناة سلسلة برامج مثل "الاتجاه المعاكس" و"الشريعة والحياة" للقرضاوي، و"بلا حدود"، ولم تكن مجرد برامج حوارية، بل كانت مدارس إعلامية متنقلة لتدريب المواطن العربي على الجدل والنقاش وقبول الاختلاف والرأي والرأي الآخر، بل ودفعت قناة الجزيرة ثمن هذه الحريات مبكراً بإغلاق مكاتبها في عدة عواصم عربية وسحب سفراء، لكن هذا الثمن كان هو نفسه شهادة اعتمادها الجماهيري والعالمي، حيث جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحرب على أفغانستان لتمنح الجزيرة جواز سفرها العالمي، عندما انفردت ببث خطابات بن لادن وصور الحرب من كابول، وجدت كبرى شبكات العالم مثل CNN, CBS News وغيرها مضطرة لنقل الصورة عن قناة الجزيرة، ثم جاءت حرب العراق عام 2003، حيث رسّخت الجزيرة حضورها ببثها من بغداد تحت القصف، في وقت انسحبت فيه كثير من الشبكات. في هذه المرحلة أدركت إدارة القناة أن الرسالة أكبر من قناة واحدة، فبدأ التوسع الاستراتيجي للقناة عام 2005م عبر إطلاق قناة الجزيرة الإنجليزية، لتخاطب العالم بلغته وتكسر احتكار رواية CNN وBBC، ثم في عام 2006 إطلاق الجزيرة الوثائقية، وفي عام 2007م تم تأسيس مركز الجزيرة للدراسات والبحوث ليتحول الإعلام إلى فكر وسياسات إعلامية تحرّك الشعوب المظلومة.
ولم تعد قناة الجزيرة مع ثورات الربيع العربي (2011-2021)، مجرد ناقل للخبر، بل أصبحت فاعلاً حقيقياً في صناعته، نقلت شعار "الشعب يريد" الذي رُفع في الميادين، وكانت كاميرا الجزيرة هي من جعله أيقونة عالمية، حيث حققت القناة أعلى نسب مشاهدة في تاريخها، لكنها دخلت في ذات الوقت أصعب اختباراتها الأخلاقية والمهنية، وقد اتُهمت من قبل خصوم الثورات بالانحياز، ومن قبل أنصارها بالتراجع أحياناً، بل وكانت تلك المرحلة هي ذروة النفوذ وذروة الاستهداف في آن واحد، وبلغ الاستهداف ذروته بمحاولة فرض إغلاقها ضمن شروط حصار قطر عام 2017، وهو ما فشل وأعطى القناة مناعة رمزية إضافية.
وفي ظل التطور الكبير والسريع في الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، التي تنمو رويداً رويداً، ظن الكثيرون أن عصر الفضائيات انتهى، وأن شمس قناة الجزيرة ستأفل أمام شمس تيك توك وتويتر وإنستغرام، لكن ما حدث كان العكس تماماً، حيث أدركت الجزيرة مبكراً أن المعركة في حسم المشاهد لم تعد على طبق الاستقبال الفضائي، بل على شاشة الهاتف الذكي، عندها أطلقت قناة الجزيرة AJ+ عام 2014 لتخاطب جيل الألفية بلغة الفيديو القصير (الريل) والقصص الإخبارية البصرية، بل وحققت ملايين المشاهدات، ثم تحوّل موقع الجزيرة الإلكتروني إلى منصة إخبارية رقمية متكاملة، وأصبحت منصاتها على فيسبوك وإنستغرام ويوتيوب وتويتر هي الأكثر متابعة عربياً، بأكثر من 200 مليون متابع.
لم تستطع المنصات الرقمية أن تؤثر على شمس الجزيرة، بل إن الجزيرة أصبحت صيحة كبيرة ومتطورة في فضاءات الإعلام الرقمي، فهي لم تعد تنتظر المشاهد في الساعة الثامنة لنشرة الأخبار، بل ذهبت إليه في كل مكان: في الإشعار العاجل، في البث الحي على هاتفه، في بودكاست، وفي سلسلة وثائقيات أخرى منها "المتحري"، وبرامج الصحافة الاستقصائية ( ما خفي أعظم).
اليوم تقف قناة الجزيرة بعد 30 عاما على قمة جبل شيدته بجهدها المتواصل وعملها الإعلامي الدؤوب وإرادة الصحفيين والإعلاميين والإداريين العاملين في القناة؛ وأصبحت في مواجهة تحدي الذكاء الاصطناعي AI والتزييف البصري، لتبذل جهداً كبيراً في كيفية المحافظة على مصداقيتها في عصر يمكن فيه تزوير صورة وفيديو وصوت بدقة مرعبة.
إن المسار الجديد لقناة الجزيرة لن يكون في إضافة قناة إعلامية إخبارية متخصصة جديدة، بل في التحول من "قناة بث" إلى "منظومة إعلامية معرفية متكاملة"، والمستقبل للقناة ليس في أن تكون الأكبر، بل أن تكون الأذكى والأسرع والأعمق دقة، وأن تستخدم الذكاء الاصطناعي لا ليحل محل الصحفي، بل لتمكينه من كشف الحقائق وسبر أغوار القضايا والقصص والتحقيقات الصحفية الميدانية.
اليوم أصبحت الجزيرة هذا الصرح الإعلامي العربي الدولي الشامخ والكبير الذي يضم القامات العربية الإعلامية المتميزة، مهمتها واسعة تتمثل في أن تقول للمشاهد العربي وللعالم: من حقك أن تفهم، وسط ضجيج هائل من المعلومات المضللة والكاذبة والهادفة إلى إضاعة العقول والجوارح.