ثورة أكتوبر العظمى.. ثورة الإنسانية

محمد علوش
محمد علوش

بقلم: محمد علوش*

لم تكن ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى عام 1917 مجرد حدث سياسي أطاح بالنظام القيصري وأعاد تشكيل الدولة الروسية، أو تحول في موازين القوى الدولية، بل كانت لحظة فارقة في التاريخ الإنساني، أعلنت فيها الطبقة العاملة والفلاحون وسائر الكادحين أن التاريخ ليس قدراً تصنعه النخب الحاكمة، وأن الشعوب ليست أدوات في صراعات السلطة والثروة، وأن الإنسان لا يمكن اختزاله في قيمته داخل سوق رأس المال.

لقد دشّنت أكتوبر مرحلة جديدة في الوعي السياسي والاجتماعي العالمي، وطرحت إمكانية انتقال السلطة والثروة من أيدي الطبقات المالكة إلى أيدي القوى المنتجة، وفتحت أفقاً مغايراً لتنظيم المجتمع على أسس العدالة الاجتماعية والتحرر من الاستغلال.

تكمن الأهمية التاريخية لثورة أكتوبر في أنها لم تقتصر على تغيير نظام الحكم في روسيا، بل أحدثت تحولاً عميقاً في الفكر السياسي العالمي، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة السلطة ووظيفتها، ومن يملك الثروة، ولصالح من تدار مقدرات المجتمعات، فقد نقلت الاشتراكية من فضاء التنظير الفكري والسياسي إلى ميدان التجربة التاريخية، وأثبتت أن البدائل الاجتماعية ليست مجرد تصورات نظرية، بل إمكانات قابلة للتحقق بفعل التنظيم الشعبي والإرادة السياسية والوعي الطبقي.

ولم يقتصر أثر أكتوبر على حدود التجربة الروسية، بل امتد إلى مختلف القارات، حيث ألهمت حركات التحرر الوطني وقوى اليسار والحركات العمالية والنقابية، وعززت نضالات الشعوب ضد الاستعمار والتمييز والاستغلال، كما أسهمت في ترسيخ قضايا التحرر والاستقلال والسيادة الوطنية، وتعميق القناعة بأن تحرر الإنسان لا ينفصل عن تحرر الشعوب، وأن الاستقلال السياسي يظل منقوصاً ما لم يستند إلى أسس العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والحق في التنمية المستقلة.

لقد حملت أكتوبر رسالة أممية تجاوزت الحدود القومية والجغرافية، مفادها أن مصالح العمال والكادحين والشعوب المضطهدة تلتقي في مواجهة منظومات الاستغلال والهيمنة، ومن هنا، لم تكن الأممية مجرد شعار للتضامن، بل تعبيراً عن وحدة المصالح الإنسانية في مواجهة نظام عالمي يقوم على تفاوت القوة والثروة، ويعيد إنتاج التبعية والاستغلال بأشكال متعددة.

ومن الإنصاف التاريخي ألا تقرأ تجربة أكتوبر بمعزل عن تناقضاتها وإخفاقاتها والتحولات التي شهدتها الدولة السوفييتية لاحقاً، أو أن تتحول إلى نموذج مغلق خارج دائرة النقد والمراجعة، فالتجارب الكبرى تُقاس أيضاً بقدرتها على استخلاص الدروس، والتمييز بين المبادئ الإنسانية التي انطلقت منها والممارسات والسياسات التي أفرزتها ظروف تاريخية محددة، وإن الوفاء الحقيقي لإرث أكتوبر لا يكون باستنساخ الماضي، بل باستعادة جوهره التحرري، وتجديد الفكر الاشتراكي على قاعدة الديمقراطية والتعددية والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان، وربط النظرية بمصالح الناس وتطلعاتهم المتجددة.

وفي عالم اليوم، حيث تتسع الفجوة بين الثروة والفقر، وتتعاظم سلطة الاحتكارات والشركات العابرة للقوميات، وتستخدم القوة العسكرية والاقتصادية والمالية لإخضاع الدول والشعوب، تكتسب رسالة أكتوبر أهمية متجددة، فالإمبريالية المعاصرة، بأدواتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، لا تسعى إلى السيطرة على الموارد والأسواق فحسب، بل تعمل على إعادة إنتاج نظام دولي غير متكافئ، تفرض فيه إرادة القوى الكبرى على حساب سيادة الدول وحق الشعوب في اختيار مساراتها التنموية والسياسية، والحروب والنزاعات وسياسات الحصار والعقوبات والتدخلات الخارجية ليست ظواهر منفصلة عن هذا النظام، بل تعبيرات عن صراعات المصالح والنفوذ في عالم لا تزال تحكمه معادلات القوة.

ومن هنا، فإن استعادة المعنى الإنساني لثورة أكتوبر تقتضي مواجهة الإمبريالية بوصفها منظومة للهيمنة والاستغلال، لا مجرد سياسات عابرة، والعمل من أجل نظام دولي أكثر توازناً وعدالة، يقوم على احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وصون سيادة الدول، ورفض ازدواجية المعايير، وإقرار حق الشعوب في تقرير مصيرها، بعيداً عن منطق الإملاء والتبعية ونهب الثروات.

وتتجلى هذه الرسالة بوضوح في واقع الشعب الفلسطيني، الذي يواجه استعماراً استيطانياً إحلالياً يسعى إلى مصادرة أرضه وحقوقه الوطنية وتصفية قضيته، وإن النضال الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال وتقرير المصير، وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، يشكل جزءاً أصيلاً من نضال الشعوب من أجل التحرر والكرامة الإنسانية، ففلسطين ليست قضية شعب يواجه الاحتلال وحده، بل هي اختبار حقيقي لصدقية النظام الدولي، ولمدى التزامه بمبادئ العدالة والحرية وحقوق الإنسان حين تصطدم هذه المبادئ بمصالح القوى المهيمنة، ومن هذا المنطلق، فإن التضامن مع فلسطين ليس موقفاً سياسياً فحسب، بل تعبير عن انحياز أخلاقي وإنساني إلى حق شعب في الحرية والحياة وتقرير المصير.

إن التحدي الذي يواجه قوى اليسار والتقدم والديمقراطية اليوم لا يكمن في استحضار رمزية أكتوبر وحدها، بل في قدرتها على تحويل إرثها الفكري والنضالي إلى مشروع سياسي واجتماعي معاصر، يستجيب للتحولات العميقة في بنية الاقتصاد العالمي، وتغير طبيعة علاقات الإنتاج والعمل، واتساع الاقتصاد الرقمي، وتراجع الضمانات الاجتماعية، وتصاعد النزعات القومية المتطرفة والفاشية الجديدة، وهذا يتطلب يساراً متجدداً يمتلك رؤية نقدية مستقلة، ويجمع بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية، والتحرر الوطني والتحرر الاقتصادي، والنضال من أجل الحقوق الفردية والجماعية، وبناء مجتمعات تكفل المساواة وتكافؤ الفرص.

إن ثورة أكتوبر العظمى لم تكن ملكاً لبلد أو حزب أو جيل بعينه؛ لقد أصبحت جزءاً من الذاكرة النضالية للإنسانية، بما أثارته من أسئلة تاريخية حول السلطة والثروة والعدالة والحرية، وقد تتغير أشكال الصراع وأدواته، لكن جوهر المعركة بين قوى الاستغلال وقوى التحرر يظل حاضراً، ما دامت هناك شعوب تناضل من أجل حقوقها، وعمال يواجهون الاستغلال، وأناس يرفضون أن يكون الفقر والتهميش والحروب قدراً محتوماً.

إن أكتوبر ليست مجرد ذكرى نستعيدها، بل فكرة تحررية تتجدد بقدر ما تتجدد معاناة الإنسان ونضاله من أجل عالم أكثر عدلاً، إنها تذكير بأن التاريخ لا يصنع بإرادة الأقوياء وحدهم، وأن الشعوب، حين تمتلك الوعي والتنظيم والإرادة، قادرة على تغيير مساراته، وتلك هي رسالتها الإنسانية والأممية التي لا تزال حية، أن تكون الثروة في خدمة الإنسان، وأن تكون السلطة تعبيراً عن إرادة الشعوب، وأن تكون الحرية والعدالة والسلام حقوقاً للجميع، لا امتيازات تحتكرها قلة.

 

  • أمين سر المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت