المصالحة والمسؤولية التاريخية / مصطفى إبراهيم

بقلم: مصطفى إبراهيم

 


الضجيج الإعلامي المثار هذه الأيام حول إتمام المصالحة والتفاؤل الذي يبديه الطرفين وتشكيل لجان المصالحة وبدء أعمالها، وما صاحب ذلك من استهجان الناس بعدم اعترف المتخاصمين بالمسؤولية التاريخية والأخلاقية والقانونية عما وصلت إليه القضية الوطنية الفلسطينية جراء الانقسام وتدميره النسيج الاجتماعي.


 


والطريقة التي تم فيها تشكيل اللجان بشكل فصائلي بحت، استثني منها الشخصيات الوطنية والمستقلة الوازنة ومؤسسات المجتمع المدني خاصة مؤسسات حقوق الإنسان، بما في ذلك التشكيل الغريب للإطار القيادي لمنظمة التحرير من شخصيات رأسمالية، فرضت علينا ولا تمثل أطياف الشعب الفلسطيني.


 


وتسابق الفصائل على وضع ممثلين لها في كل لجنة في طريقة معيبة للفلسطينيين ونضالهم، وكل همهم أن يكونوا ممثلين في لجان لمضيعة الوقت والثرثرة، وبعضهم كان جزء من تعزيز الانقسام، في حين غيبوا عن اللقاءات الثنائية التي جرت في غرف مغلقة بين الرئيس محمود عباس وخالد مشعل بعيدا عن شراكة الكل الفلسطيني.


لقد أبدى الناس دهشتهم للضجيج الإعلامي المثار هذه الأيام حول لجان المصالحة والبدء في عقد اجتماعاتها تحضيرا لفض الخصومات الاجتماعية والبحث في ملف الحريات العامة والمعتقلين السياسيين والاختلاف إذا ما كان هناك اعتداء على حال حقوق الإنسان ووجود معتقلين سياسيين من عدمه.


 


وفي ظل الضجيج الإعلامي أيضا فاجأتنا الأنباء عن اللقاء الذي عقد في عمان بين إسحاق مولخو وصائب عريقات في طريقة اعتبرت إهانة للفلسطينيين بعد إتمام المصالحة واعتقاد الناس بان ملف إنهاء الانقسام هو الأولوية على كل الأولويات.


 


هل يعقل الذهاب إلى عمان والاستيطان مستمر وتهويد القدس والاحتلال ماض في مشاريعه و مخططاته ونحن نبحث في اللجان، والضجيج الإعلامي مستمر حول هل هناك معتقلين سياسيين أم لا؟



ومن الغريب والمريب ان ينبري أعضاء اللجان عبر وسائل الإعلام للحديث عن تشكيل اللجان وما تم بحثه، عدا عن التفاهمات حول من يتولى رئاسة اللجان وتوزيع المهام والمناصب، وترك المشكلات الحقيقية والحياتية ليشغلوا الناس بالتصريحات الإعلامية.


 


هل تكون هذه هي موضوعات المناقشة في حالنا والواقع الذي نحياه، وعلينا مواجهة التحديات الجسام ما بين استمرار الانقسام والاحتلال وإعادة تعريف ماهية المشروع الوطني الفلسطيني وبناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس الشراكة؟ والبدء فورا في تطبيق إجراءات بناء الثقة، نشكل اللجان للدراسة والبحث إذا ما كان هناك اعتداءات على الحريات وحقوق الإنسان؟


 


وبدلا من العمل فورا في تطبيق بنود الاتفاق في ظل استمرار الاحتلال والعدوان والحصار، والأوضاع السيئة وانتشار البطالة والفقر، وبدلا من العمل الفوري على إعادة الاعتبار للقضية واستعادة الوحدة لتعزيز عوامل صمود وقوة الناس لاستمرارهم في الكفاح والنضال على طريق نيل حقوقهم الوطنية في الحرية والاستقلال والعودة.


 


وبدلا من أن تقوم الفصائل بحث الناس على استعادة عافيتهم وقوتهم والاحتشاد واستجماع القوى لأجل الضغط على طرفي الانقسام وردم الهوة والتأسيس لمجتمع قوي متسامح ومتصالح في انطلاقه لبناء المستقبل الذي يليق بالفلسطينيين، الفصائل فرحة بما سمح لها من المشاركة في لجان المصالحة ويتحدثون بأمور لا تشكل أي أولوية في حياة الناس الذين يعانون الأمرين وتهدر كرامتهم وتواقون للتخلص من الانقسام وتركته الثقيلة.


 


فالأولوية هي الاعتراف بالمسؤولية التاريخية من قبل طرفي الانقسام وعدم تبرأة أنفسهما من السبب في الانقسام وتبعاته، والجدية في تطبيق بنود الاتفاق لإتمام المصالحة والوفاق الحقيقي القائم على الشراكة، وعدم تضييع الوقت في عقد اجتماعات اللجان وبحث المبحوث.


 


وضرورة تمثيل مؤسسات حقوق الإنسان في لجنة الحريات كمؤسسات مستقلة ومهنية، وهي من تتابع حال حقوق الإنسان، كذلك البعد عن تعيين الوزراء والوظائف العليا في الحكومة المقبلة بشكل فصائلي وعشائري قائم على المحاصصة، وعلى الفصائل ان نعترف بمسؤولياتها الأخلاقية في مساهمتها في تشتيت الناس وإشغالهم بأمور لا تعبر عن مصلحتهم الوطنية وإعادة النظر في تشكيل الإطار القيادي لمنظمة التحرير بإضافة شخصيات وطنية مهنية ومستقلة لها حضور سياسي واجتماعي.


 


من خلال ذلك وقي ظل الطريقة التي تم فيها تشكيل اللجان ومناقشة موضوعاتها يؤكد الفرق بين المصالحة الجدية والحقيقية وعدم الاعتراف بالمسؤولية التاريخية.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت