الحماية الغائبة / مصطفى إبراهيم

بقلم: مصطفى إبراهيم

ما جرى مع الصديق والزميل محمود أبو رحمة من اعتداء بالطعن بآلات حادة هو جريمة وسابقة خطيرة جدا وتدق ناقوس الخطر. وحسب علمي فهي المرة الأولى التي يتم فيها الاعتداء على صحافي وكاتب رأي وناشط في مجال حقوق الإنسان بالطعن، في حالتنا الفلسطينية جرت وما زالت اعتداءات كبيرة بالضرب والاعتقال والتهديد والمنع من التغطية وتفرض رقابة وقيود صارمة على الصحافيين والكتاب.


 


لكن أن يصل العنف لدرجة تهديد حياة إنسان بالقتل، هذا خطير ويجب التوقف عنده من الكل الفلسطيني، وخاصة من حركة حماس وحكومتها كونها المسؤولة عن أمن الناس وحمايتهم، ووضع حد لهذا الإجرام والعبث بحياة الناس، كما هو مطلوب منها التوقف جدياً أمام ظاهرة العنف المتصاعد في المجتمع الفلسطيني، وارتفاع وتيرته بشكل يهدد النسيج الاجتماعي الفلسطيني.


 


الجريمة المرتكبة بحق أبو رحمة جاءت نتيجة كتابته مقالا ونشره، والتعبير عن رأيه فيما يجري في حالتنا الفلسطينية من حالة متشابكة ومعقدة تتعلق بالمقاومة والحكومة ومسؤولياتهما في حماية المواطنين، وتلقى تأييدا كبيرا من الفلسطينيين، ولكنهم يناقشون القضية بصمت ويتحدثون مع أنفسهم في كيفية حماية المواطنين.


 


دائما نسمع من الحكومة والمسؤولين فيها الأمنيين قبل السياسيين وتعهداتهم بحماية الصحافيين والإعلاميين وكتاب الرأي وحقهم في التعبير عن آرائهم من دون مضايقة أو رقابة، واستعدادهم الدائم للدفاع عن حق الناس بالتعبير عن آرائهم، وفي حالة محمود أبدى المسؤولون الأمنيون استنكارهم الشديد لما جرى معه، وأبدوا اهتماما واستعدادا كبيرا في التحقيق الجدي في جريمة الاعتداء عليه، وضرورة الكشف عن الجناة.


 


لم يخطر ببالي وكثيرين غيري أن يتم الاعتداء على أبو رحمة بهذا الشكل وبهذه الطريقة البشعة والمخيفة، حيث لم يتوقف الجناة عند التهديد فقط، بل استمروا في نواياهم بتهديد حياته، واعتدوا عليه بالضرب وحاولوا النيل من حياته. من يقدم على طعن شخص بآلات حادة يقصد ما قام به، وكان من الممكن أن يدفع محمود حياته ثمنا لهذا الاعتداء.


 


ما جرى مع محمود ليس سلوكا فردياً، وهو تعبير عن ظاهرة العنف المتصاعدة والمس الخطير بحقوق الإنسان وحقه في التعبير عن رأيه، وهو عمل منظم هدفه ليس كسر شوكة الصحافيين والكتاب فقط، والذين أخذ صوتهم في الارتفاع ويعبرون عن رأيهم بجرأة ويناقشون الهم الوطني وقضايا تهم الناس، بل أيضا إعادتهم إلى بيت الطاعة واحتواؤهم وتخويفهم بتهديد حياتهم.


 


لمصلحة من الاعتداء على محمود أبو رحمة؟ هل يعقل الاستمرار في الصمت على تصاعد ظاهرة العنف في المجتمع الفلسطيني؟ وغياب قيم التسامح وقبول الآخر وحرية الرأي والتعبير، في ظل الحديث المتفائل عن أجواء المصالحة وعمل لجان المصالحة والحريات العامة، وإنهاء الانقسام وإتمام الوحدة الوطنية؟ هل يعقل أن يواجه كاتب مقال رأي بكل هذا العنف لدرجة تهديد حياته؟


 


هل يعقل أن تجتمع الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني للتعبير عن حزنها وأسفها واستنكارها لما جرى مع محمود؟ وهل يعقل أن تغيب حركتا حماس والجهاد الإسلامي، ونواب المجلس التشريعي عن كتلة التغيير والإصلاح ونواب كتلة فتح عن الاجتماع التضامني؟ هل يعقل أن يتم النقاش واستعراض كل الهم الفلسطيني مدة ساعتين، وكيف يكون التضامن مع محمود؟ وأين سيكون الاعتصام ومتى؟ وكيف تتم مواجهة ظاهرة العنف في المجتمع الغزي، ويختزل حالنا وقضايانا وهمومنا الداخلية في قضية محمود؟


 


محزن حالنا، ومحزن أكثر موقف الأحزاب السياسية وعجزها عن الفعل الجماهيري في مواجهة ما يجري، ومؤسف التمييز بين الناس بين أشرار وأطهار والتشكيك والتخوين في وطنيتنا والتخويف والتهديد بالقتل، وأن يذهب بعضنا إلى التشدد والعنف في الرد على الآخر، وأخذنا من قبل البعض إلى لغة الإفتاء بالقتل.


 


احترام سيادة القانون وكفالة حرية الرأي والتعبير، وتوفير الحماية الغائبة، وتحقيق العدالة وتقديم الجناة للعدالة هي الطريق لحفظ حقنا في التعبير.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت