غزة وخيارات التهدئة/ سامي الأخرس


منذ احتلال قطاع غزة سنة 1967م وغزة تعيش في حرب مستمرة لم تهدأ وتيرتها للحظة، ولم تَعزف لحن الاستكانة والراحة، لأنها لم تنل حقوقها وحريتها، ولم يغفر لها الاحتلال جبروتها، وما شكلته غزة من سهم بل سهام في صدر هذا الكيان المغتصب، وعليه فالثأر مستمر من غزة، لم ينس ولن ينسى هذا المُحتل ما فعلته به غزة منذ حرب العصابات التي شنها فدائيو السبعينات إلى ثورة السكاكين في حقبة الثمانينيات إلى الانتفاضة الأولى الشعبية التي عَرت الاحتلال وكشفت سوءته إلى العمليات الاستشهادية التي زلزلت الكيان ومدنه، والعمليات البطولية في انتفاضة الأقصى من خلال اقتحمات معسكراته، ومستوطناته وخطف جنوده، وصد هجماته والصمود في وجهه، إلى ابتكار المقاومة لأساليب أكثر تطورًا وهي الأسلحة الصاروخية برغم بدائيتها إلّا إنها تتطور أكثر وأكثر وتحقق أهداف تكتيكية رادعة لهذا العدو، وتحولت لمصدر ضغط وإرباك يهدد العدو ومدنه، ويدفعه للاختباء في الملاجئ وإغلاق مدارسه، وتعطيل حياته في مدنه المحيطة بغزة، وتحولت غزة لهاجس يؤرق مضاجع قادة العدو وجنرالاته، بل وفشلت آلته القمعية وترسانته العسكرية التي يحاول إرعاب شعبنا بها في كسر شوكة وإرادة مقاتلي شعبنا المتسلحين بالإرادة والتحدي، ورغم كل ممارساته من قتل واغتيالات وقمع وحصار، إلّا أن مقاومتنا الحقيقية، مقاومة الخنادق والإيمان بالنصر تخرج أكثر صلابة وقوة بعد كل ضربة، وتزيد تعملقًا، وتترفع غزة على جراحها فينمو الجرح وينبت صمود وتحدي وإرادة.

وفي كل مرحلة من المراحل تؤكد غزة على إنها عصية على الانكسار، فتعود لتؤكد أنها الشبح المرعب في وجه العدو، والسهم السام في خاصرته، وإنها تستطيع الوقوف لوحدها في وجه الطغاة والاحتلال سويًا، وإن تخلى عنها الجميع، كما تؤكد أن شعبها يتآوه ولا يئن، يستغيث ولا يستسلم، يستكين ولا يخضع، يُهادن ولا يتنازل.

فمنذ أن بسطت السلطة الوطنية الفلسطينية سيادتها المجزوءة على غزة وجزء من الضفة، ومحاولات إسرائيل لفرض قوة بوليسية تقوم بواجبات أمنية نيابة عنها، إلّا أن ذلك فشل، وشهدت غزة تحديًا جديدًا بل أن هناك العشرات بل المئات من أبناء شعبنا الذين عادوا مع قوات السلطة انخرطوا بالفعل الوطني والتحقوا بصفوف شعبهم، ودافعوا عنه، وتحولوا لمقاتلين أشداء في وجه المحتل وقطعان مستوطنيه، واستمرت وتواصلت العمليات الاستشهادية حتى اندلعت انتفاضة الأقصى بعد ستة سنوات من بسط السلطة الوطنية سيادتها على غزة وشكلت فصائل الفعل الوطني ملحمة بطولية في حربها ضد العدو المحتل، حتى اضطر رئيس وزرائها " ارئيل شارون" انسحب من غزة مستهدفًا العديد من الأهداف بهذا الانسحاب، أهمها إيهام العالم بأن غزة أصبحت كيان مستقل، ويحاول صبغها بصبغة المعتدي على إسرائيل، والثاني إغراق غزة بحمام من الدم، فإن كان قد نجح مؤقتًا بهدفه الثاني إلّا أنه لم ينجح في كسر غزة وصلابتها، واستمرت في ملاحقته والدفاع عن نفسها.

ومع قفز حركة حماس للسلطة وخسارة فصيل مقاوم مؤثر، وتحييد كتائب عز الدين القسام من الدخول بالمعركة مباشرة، إلّا أن فصائل الفعل لفلسطيني لم ينكسر بل استنفر قواه وتلاحم في ملحمة بطولية عنوانها الصمود أولًا وأخيرًا.

هذه الصورة واللوحة لم تخلو من التشوهات السياسية، التي تفرضها الحسابات السياسية، فأصبحت تستسهل إسرائيل ضرب قادتنا وأبطالنا، وتفرض علينا تهدئة سريعة حسب مواصفاتها ومقاييسها، وهي اللعبة التي استهوت قادة الجيش الصهيوني، فأصبح بين الفينة والأخرى يهاجم غزة وأبنائها، ومن ثم تقدم له الهدنة المجانية غير المشروطة، مما منحه جدار وأمان يلجأ إليه كلما اشتدت ضربات المقاومة وهجماتها الصاروخية، فاستصاغ قتلنا وقتل قادتنا، والعبث بمقدراتنا الوطنية والاقتصادية. فتاهت فصائل الفعل الوطني، وتعرت أمام قاعدتها النضالية والشعبية التي أصبحت تطالب بالثأر لأبنائها وقادتها، ولم يعد للعقل أن يستوعب مبررات السياسيين المتتالية، في ظل ما تمارسه إسرائيل من عدوان دائم بأشكال مختلفة، فتارة تحاصر غزة وتغرقها في بؤس وظلام، وتارة أخرى تهاجم قيادة الفعل الوطني وعناصرها القتالية، وأخرى تمارس أساليبها الهمجية. وهو ما يفرض ضرورة الالتقاء على قاعدة الالتحام الوطني في تحديد خيارات التهدئة أو الهدنة مع هذا الغاصب والتي يجب أن تستند إلى نقاط مفصلية أساسية تتجلي في:
أولّا: التعهد خطيًا وبرعاية قوى مؤثرة بوقف كل الاعتداءات الصهيونية وبكافة أشكالها ضد أبناء شعبنا الفلسطيني سواء المادية أو المعنوية.

ثانيًا: التوقف عن حصاره لغزة ولكل مدن قرى فلسطين المحتلة.
ثالثًا: وقف ممارساته ضد المحررين الفلسطينيين، وأسرانا في السجون الصهيونية.
هذا ما يجب أن يوافق عليه هذا العدو في أي تهدئة أو هدنة قادمة، وأن يرعى طرف قوي ومؤثر التزامات هذا الغاصب بما إنه لم يعد يحترم رعاية مصر للاتفاقيات السابقة، ويضرب بكرامة مصر عرض الحائط.
فأي حسابات سياسية هي حسابات غير منطقية مع هذا المحتل الذي يتلاعب بكل شيء دون أن يمنح شيء، فلن تُجدِ معه هدنة مجانية، ولن تجدي معه حسابات سياسية أثبتت عدم نجاعتها منذ سنة 1994م لم يقدم بها سوى القتل والابتزاز، والحصار، وتدمير بنى المجتمع الفلسطيني. هذه الحالة تتطلب أيضًا قوى وفصائل تدرك خيارات شعبنا وتتوحد خلفها، بعيدًا عن الشعارات.
سامي الأخرس
13 آذار( مارس) 2012م

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت