شهادة "بيلين" ورسالة "نتنياهو"

بقلم: يوسف صافي


صدق من قال "شهد شاهد من أهله"، فهذا "يوسى بيلين" وهو وزيرا إسرائيليا سابقا وزعيما سابقا لحركة "ميرتس" ومهندسا لاتفاقية أوسلو يخرج عن صمته ودبلوماسيته المعهودة ويدلى بشهادته فيما يخص عملية السلام من خلال تصريحات أدلى بها إلى صحيفة "ذى غارديان" وهو يقول بالنص انه يشعر بنوع من المسئولية وانه ضغط من اجل شئ ما عام 1992، وأن اتفاقية أوسلو التي كان الهدف منها أن تكون عملية انتقالية أو ممرا لاتفاقية دائمة وأساسا لحل الدولتين قبل ما يقارب 20 عاما لم تعد ذات جدوى، وان عملية السلام متوقفة، و أن هناك انغلاق في نافذة الفرص لإقامة الدولة الفلسطينية، وان السلطة الفلسطينية التي أقيمت بموجب اتفاقية أوسلو "ورقة توت ومهزلة".

بشهادته هذه فان "يوسى بيلين" وبعبارات دقيقة وواضحة لا تقبل التأويل يرى أن عملية السلام التي استندت إلى اتفاقية أوسلو التي تم التوقيع عليها بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة إسرائيل قبل ما يقارب العشرين عاما قد وصلت إلى طريق مسدود وأنها لم تحقق أهدافها، وهو يبدى تشاؤما تجاه فرص تحقيق حل الدولتين، وهذه بالمناسبة شهادة لها ما يسندها ويدعمها من الدلائل والبراهين المحسوسة والملموسة فلسطينيا وعربيا وإقليميا وعالميا. ففيما تبنت منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية المنبثقة عنها عملية السلام خيارا استراتيجيا، وقبلت العيش بكرامة وامن وسلام فقط فقط على جزء من أرض فلسطين في تنازل مؤلم و مر بطعم العلقم، وسجلت احتراما و التزاما كاملا و أكيدا بقواعد القانون الدولي وأسس ومرتكزات الشرعية الدولية شهدت به كل دول المعمورة، وبذلت كل الجهود المخلصة والصادقة من اجل توفير المناخات الكفيلة بإنجاح عملية السلام وتحقيق أهدافها، وتعاطت بصدق وأمانه وجدية وإخلاص مع كل ما طرح من مبادرات وأفكار لتصويب مسار عملية السلام، فان حكومات إسرائيل المتعاقبة، بما فيها وعلى رأسها حكومات رئيس الوزراء الحالي نتنياهو، وفى إطار العلاقات العامة فقط وعبر ماكنتها الإعلامية، قامت بإشباع الكون شعارات عذبة طنانة رنانة عن أهمية السلام لسكان المنطقة وسعيها الجاد لتحقيق أهدافه وعن حرصها واستعدادها للمجازفة بتقديم تنازلات مؤلمة لتحقيق أهداف عملية السلام من جانب، فيما كانت تقوم، ومن جانب آخر، مستثمرة اتفاقية أوسلو وما تلاها من مبادرات وطروحات سياسية متعددة وعلى مدار ما يقارب العشرين عاما، بفرض سياسة الأمر الواقع وتجسيد الحقائق على الأرض في مواجهة صريحة و مخططة و ممنهجة وعملية لتعطيل أو لتخريب أو قل لوأد عملية السلام وتحديدا لتحطيم أية فرص ممكنة لانجاز حل الدولتين باعتباره ركيزة اتفاقية أوسلو. فإسرائيل لا تزال تسيطر تماما على الأرض والسماء والموارد الفلسطينية، وهى تكاد تسابق الزمن ليلا نهارا وعلى قدم وساق لتهويد واسرلة القدس الشريف وضم ومصادرة الاراضى الفلسطينية وبناء المستوطنات وتوسيع وشرعنه الاستيطان الذي أصبح يتمدد طولا وعرضا في الاراضى الفلسطينية، والتي كان آخرها قيام لجنة وزارية برئاسة نتنياهو بشرعنة ثلاث مستوطنات (بروخيم، ورحليم، وسنسناه) أقيمت على الأراضي الفلسطينية فى التسعينات بغرض تعطيل صدور أية قرارات قضائية رسمية بإزالتها مستقبلا، وهى من أقامت جدار الكراهية والفصل، وهى من صعدت إجراءاتها بحق المواطنين الفلسطينيين من اجتياحات واغتيالات وحصار وإغلاق، وهى من صعدت إجراءاتها القمعية بحق المقاومة الشعبية رغم انه حق مشروع كفله القانون الدولي، وهى من سعى و لا يزال يسعى بكافة السبل لتأزيم الوضع الاقتصادي والمالي للسلطة الوطنية كوسيلة من وسائل الابتزاز السياسي من ناحية ولتعطيل بناء المؤسسات الوطنية باعتبارها رمزا من رموز السيادة الوطنية من ناحية أخرى، وهى التي رفضت و لا تزال ترفض بشدة التعاطي الايجابي مع كل المبادرات والمقترحات والحلول التي طرحت من قبل الولايات المتحدة، والرباعية الدولية، والاتحاد الاوروبى، وأخيرا المبادرة الأردنية ورسالة الرئيس عباس، وهى أيضا من لا تضيع أية فرصة، من باب ذر الرماد في العيون، لتحميل الجانب الفلسطيني مسئولية تعطيل وفشل عملية السلام وما يعنيه من رسائل واضحة المعاني والدلالات.

في ضوء ما تقدم، يخطئ من يظن أننا بحاجة لشيفرة لفكفكة طلاسم ورموز الرسالة التي سيوجهها رئيس الوزراء الاسرائيلى بنيامين نتنياهو إلى الرئيس أبو مازن ردا على رسالته، ويخطئ من يظن أننا بحاجة لمهارة القراءة في الفنجان لمعرفة مضمونها وتفاصيلها، ويخطئ من يظن أننا بحاجة للاجتهاد الذي قد يصيب وقد يخطئ لمعرفة ما ستطرحه من عناوين، فنتنياهو هو نتنياهو الذي عهدناه وعهدته المعمورة، فمواقفه وعقيدته السياسية لم ولن تتغير أو تتبدل في ظل دعم مطلق من قبل الائتلاف اليميني المتطرف، وفى ظل الدعوات لتبكير موعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، وفى ظل مواقف دولية ركيكة ضعيفة تائهة عاجزة لا تخرج عن دوائر التعبير عن القلق على مستقبل عملية السلام وطلب الإيضاحات والتي قد تصل في حدودها العليا إلى الشجب والاستنكار، وفى ظل ضعف عربي غير مسبوق، وفى ظل ما نشهده من استمرار لحالة الانقسام السياسي والجغرافي المشين والمشئوم.

وعليه نقول وبثقة أن مضمون رسالة نتنياهو رئيس وزراء دولة إسرائيل للرئيس أبو مازن لن يخرج في سقفه الأعلى عن سيمفونية "الحل الاقتصادي"، ولكن من خلال عبارات منتقاة منمقة طنانة رنانة براقة ، أي باختصار عبارات علاقات عامة على شاكلة :
• حرص إسرائيل على عملية السلام واهتمامها بإنجاحها وتحقيق أهدافها، واستعدادها لتقديم تنازلات مؤلمة باعتبار السلام مصلحة اسرائيلة وفلسطينية،
• دعوة الرئيس أبو مازن للعودة للمفاوضات المباشرة دون شروط مسبقة، والمقصود هنا تخلى الرئيس أبو مازن عن المطالبة بوضع مرجعيات لعملية السلام، وتخليه أيضا عن مطالبة إسرائيل بالوفاء بالتزاماتها حسب اتفاقية أوسلو وخارطة الطريق من حيث وقف الاستيطان، والاعتراف بإقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشريف .. الخ.
• رغبة إسرائيل في انجاز اتفاق سلام وإقامة دولة فلسطينية "مترابطة ليست مثل الجبن السويسرى"، ولكن على المقاسات الإسرائيلية (دولة دون القدس الشرقية كعاصمة، ودون منطقة الأغوار، ومنزوعة السلاح .... الخ)، مقابل الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، وهذا بالتأكيد يعنى شرطا تعجيزيا يكفل نسف عملية السلام برمتها وتحميل الجانب الفلسطيني مسئولية فشلها.

وبعد، اعتقد جازما أننا الآن أمام لحظة الحقيقة، ففلسطين اكبر من وفوق الجميع، كما أن ما نواجهه من تحديات حاضرة ومستقبلية اقل ما يقال فيها وعنها أنها تحديات جسام بل ومن النوع غير التقليدي، والتي تحتاج منا لأساليب غير تقليدية لمواجهتها، الأمر الذي لن يتحقق دون توحيد وتمتين وتصليب وتقوية جبهتنا الفلسطينية الداخلية شعارا وتطبيقا. ومن هنا نقول بصوت مرتفع أن مصلحتنا الوطنية العليا تتطلب من الكل الوطني الفلسطيني، بما فيها طرفي الانقسام حركتي فتح وحماس، القيام بمراجعة نقدية شجاعة مخلصة وأمينة للذات و قراءة موضوعية للتجربة بما لها وما عليها و استخلاص العبر بطريقة واعية مسئولة، ومن ثم التوجه سريعا، دون تأجيل أو تأخير أيا كانت المبررات، لمصر الشقيقة راعية ملف المصالحة الفلسطينية ليس من اجل تبادل المصافحات والقبلات، ولا من اجل انجاز تفاهمات أو اتفاقات أو إعلانات جديدة فيما يخص عملية المصالحة، بل من اجل اتخاذ قرارات لتطبيق أمين ودقيق وسريع لبنود الوثيقة المصرية للمصالحة وإعلان الدوحة برعاية مصر الشقيقة، قرارات فيما يخص:
أولا: إعداد الاستراتيجيات الموضوعية القادرة على إعادة بناء المنظمة وتفعيلها على أسس وطنية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده بالارتكاز على انتخابات حرة ونزيهة للمجلس الوطني الفلسطيني وبالتالي قيادة جديدة لمنظمة تحرير واحدة موحدة خطابا وأهدافا وخططا واستراتيجيات تحظى بدعم جماهيري يمكنها من مواجهات تحديات المرحلة.
ثانيا: تشكيل حكومة الكفاءات برئاسة الأخ الرئيس أبو مازن لتتحمل مسئولياتها تجاه انجاز ملفات المصالحة الثلاثة: الانتخابات، والإعمار، والمصالحة المجتمعية،
ثالثا: إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، والتي كان يفترض إجرائها في مايو من هذا العام حسب الوثيقة المصرية للمصالحة، في اقرب وقت ممكن من عام 2012 باعتباره استحقاقا شعبيا ودستوريا ، ليقول الشعب كلمته لاختيار ممثليه بحرية وشفافية ومسئولية، مع التأكيد على ضرورة التزام واحترام الجميع لنتائج صناديق الاقتراع أيا كانت باعتبارها تمثل إرادة وصوت الشعب، كخطوة رئيسة لمشاركة سياسية حقيقية في صناعة القرار تأخذ على عاتقها إعداد السياسات و الخطط و البرامج والاستراتيجيات الوطنية الفاعلة القادرة على مواجهة التحديات الحاضرة و والمستقبلية بكل كفاءة و اقتدار، وصولا لانجاز مشروع الحرية والاستقلال.
رابعا: تهيئة الأجواء لعمل لجان المصالحة وعلى رأسها لجنة المصالحة المجتمعية وتوفير كل متطلبات الدعم لضمان نجاحها في تحقيق أهدافها كمتطلب أساس لمجتمع فلسطيني واحد موحد متماسك البنيان.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت