اتصل بنا أرسل مقال

القدس19°
رام الله18°
الخليل18°
غزة20°
القدس19°
رام الله18°
الخليل18°
غزة20°
4.61جنيه إسترليني
4.7دينار أردني
0.21جنيه مصري
3.97يورو
3.33دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.61
دينار أردني4.7
جنيه مصري0.21
يورو3.97
دولار أمريكي3.33

نحو خطاب إسلامي مستنير


طوى العالم الإسلامي قروناً طويلة وهو يتعاطى مع الأشباه والنظائر في نطاق مجاله الحيوي الخاص . إذ رغم وجود كل تلك الحروب الخاطفة أو الاستنزافية التي تتزاحم على صفحات التاريخ ، لم يكن الصدام ذا بُعد حضاري ، ولم تكن المُواجهة إلا تنافساً على الأرض ، على المَغْنَم ، على توسيع دوائر النفوذ ، وتقوية وسائط الهيمنة والسيطرة والاستحواذ .
لا شك أن سيطرة التيارات النقلية التقليدية على معظم مسالك ومسارب تشكيل الخطاب الإسلامي ، هي ما يعكس حقيقة هذا التدهور والتردي في الخطاب الإسلامي ، خاصة بعد أن تم تجريم وتحقير العقل ، بحيث أصبح الإنسان المُتعقّل موصوماً بالبدعة..
كانت الحياة تكاد تكون واحدة ، بل ومتطابقة ، حتى بين الأعداء . ولهذا كانت الثقافات متقاربة ومتشابهة ؛ رغم تباينها في المفردات القانونية ، وفي الأدبيات التي تُسهم في تلوين معالم السلوك العام .
من هنا ، لم يكن ثمة ما يُمكن أن يُشكّل تحدياً حقيقياً ، تحدياً يبحث ويحفر في أزمة الخطاب التي بدت واضحة منذ السنوات الأولى للتكوين . لم يواجه الخطاب الإسلامي أسئلة الإنسان ؛ لأن الإنسان لم يكن قد تكون وجوده على المستوى الثقافي . لم يكن ثمة إنسان ثقافياً ، لا عند الأنا ، ولا عند الآخر . ولهذا لم تظهر ( لم تظهر كظاهرة ، لا يعني أنها لم توجد أو لم تناقش ) تأزمات الخطاب ؛ رغم توالي الانكسارات والإحباطات ، بل ورغم تراكم تُراث أزمنة التخلف والانحطاط ، وهيمنته على وعي أمة كانت تبدو وكأنها قد بدأت رحلة الاندثار والفناء .
كان الخطاب الديني / الإسلامي ( وهو الخطاب الذي يصوغ الذهنية العامة ، ومن ثم السلوك العام ؛ بصرف النظر عن مدى قربه أو بعده عن المقاصد الكلية للنص المُؤسس) في القرن الثاني عشر الهجري أشد تأزماً ، وأعمق بؤساً ، وأدعى للرثاء مما كان عليه في القرن الثاني الهجري . أي أنه وخلال عشرة قرون كاملة ، لم يتقدم الوعي العام للخطاب الإسلامي فيها خطوة ( لا عبرة بالاستثناءات التي تؤكد ولا تنقض الحقيقة العامة ) ، بل كان يبدو وكأنه يتعمد السير إلى الوراء ، السير في الاتجاه المعاكس لكل ما يمكن أن يعزز حضور ونماء الإنسان .
لا شك أن سيطرة التيارات النقلية التقليدية على معظم مسالك ومسارب تشكيل الخطاب الإسلامي ، هي ما يعكس حقيقة هذا التدهور والتردي في الخطاب الإسلامي ، خاصة بعد أن تم تجريم وتحقير العقل ، بحيث أصبح الإنسان المُتعقّل موصوماً بالبدعة ، بالبدعة التي تعني في العُرف التقليدي أن صاحبها موصوم حتما بالزيغ والضلال ، ومن ثم ، فهو حري بالنبذ والإقصاء .
انعدام كل صور التحدي ، سواء من داخل مصادر الإسهام في تشكيل الخطاب أو من خارجه ، جعل الخطاب الإسلامي ( بكل تنويعاته ) يعيش حالة اغتباط كسول بالجهل . ونتيجة لهذا ، تصور في نفسه الكمال كخطاب ، بقدر ما تصور أن ما تم في المجال المدني بمباركته طبعا هو أقصى ما يمكن تحقيقه في هذه الدنيا ، هذه الدنيا التي ليست في خطابه إلا مشروع فناء .
قبل أكثر من قرنين ، اصطدم الوعي الإسلامي بحقيقة تخلفه ؛ عندما أدرك من خلال حملة نابليون أن الآخر المنافس ، الآخر العدو ، الآخر الذي تتعرف به ومن خلاله الأنا على ذاتها ، قد بدا وكأنه إنسان آخر ، إنسان قد تجاوز كل ما يمكن أن يدور في خلده ، إنسان لم يتخيّله ؛ مهما جمح به الخيال ، ومهما كانت براعته في التخييل .
لأول مرة ، واجه العالم الإسلامي حقيقة تخلفه وجها لوجه ؛ عندما اصطدم واقعياً وثقافياً بحملة نابليون . وتبعا لذلك ؛ تكشفت أزمة الخطاب الإسلامي كما لم تتكشف من قبل ، إذ بدا هذا الخطاب لنفسه ولغيره ، لمعاصريه ولمن أتى بعدهم على امتداد قرنين وكأنه عاجز عن فهم ما يجري ، فضلاً عن قدرته على التأثير إيجابياً فيما يجري .
منذ رفاعة الطهطاوي ، وإلى اليوم ، اشتغل كثير من المفكرين على محاولات نهضوية متعددة ، متعددة ومتنوعة على مستوى الفكر وعلى مستوى الواقع . حاول كثيرون إجراء تعديلات نوعية في الخطاب الإسلامي ؛ بغية انتشاله من قبضة قرون التخلف والانحطاط ؛ بواسطة التثاقف الإيجابي مع آخر ما أسهم به الإنسان في ثقافة الإنسان . لكنها وللأسف باءت بالفشل بمستويات مختلفة ؛ رغم ما حققته من استثارة أو استفزاز للوعي في هذا السياق المعرفي أو ذاك . أي أنها لم تحقق ، ولم تقترب من أن تحقق ، معالم رؤية يمكن أن تكون سبيلا إلى انتشال الخطاب الإسلامي من أزمته الخانقة التي جعلته بين خياري : التحلل أو الانغلاق .
كثيرون هم الذين حاولوا خلق خطاب إسلامي مستنير . النيات كانت متوفرة على تجاوز هذه الأزمة التي يعترف بها الجميع ؛ إلا من أعماه التقليد وأصمه التبليد . لكن ، بقيت القدرات هي التي تمثل التحدي الحقيقي لإنجاز مثل هذا المشروع الكبير . فالذين تصدوا لمثل هذه المهمة ، كانوا ، إما متمكنين من التراث الإسلامي الكبير الممتد زمنياً على مساحة أربعة عشر قرناً ، في مقابل جهل ، أو اطلاع عابر لا ينفي الجهل ، على ثقافة العصر ، وإما متمكنين من ثقافة العصر ، في مقابل جهل ، أو اطلاع عابر لا ينفي الجهل ، على تراث لا يزال هو المتحكم الأول في العقول .
إذا كان من المستحيل تشكيل خطاب استنارة حقيقي ؛ ما لم يكن الفاعل التنويري مستوعبا ( والاستيعاب غير المعرفة ) ثقافة العصر بكل فسلفاتها وتشكلاتها المعرفية والعلمية ، ومطلعاً على جذور هذا التشكل في التاريخ القريب والبعيد ؛ فإنه يستحيل أيضا خلق خطاب استنارة من خلال ثقافة ما ؛ ما لم يكن الفاعل التنويري مستوعبا تراث هذه الثقافة ، بكل ما ينطوي عليه هذا التراث من إشكاليات وتأزمات وتجاذبات سياسية وعرقية تمتد أسبابها وعللها من نقطة النهاية في هذه اللحظة الراهنة ، نزولاً إلى العمق الغائر لتاريخنا العربي / الإسلامي المجيد .
ربما حقق أصحاب المشاريع الثقافية الكبرى شيئاً من هذا الجمع المأمول بين طرفي المعادلة . لكن ، ولأنهم بعيدون عن إشكاليات الأسلمة المباشرة ، وغير مهتمين بالتواصل المباشر مع الجماهيري الإسلامي ، فقد بقي خطابهم نخبوياً من جهة ، ومحل ارتياب من جهة أخرى ؛ مما أدى إلى فشلهم في إنتاج خطاب إسلامي مستنير ( ربما لأنه لم يكن هدفاً أصيلاً في مشاريعهم ) ، خطاب قادر على تغيير وعي الجماهير من خلال المفردات الثقافية الحاكمة لوعي هذه الجماهير .
لنقلها وبصراحة : إن إنتاج خطاب إسلامي مستنير ، يحتاج إلى عالم إسلامي ، إلى شيخ دين ، إلى رجل دين موثوق . أي إلى رجل يعتلي المنابر ، ويصلي الجُمع بالناس ، يخطب الناس ويفتيهم في دقائق دينهم . رجل كهذا ، إذا ما امتلك ثقافة أصحاب المشاريع أو ما يقاربها ، يستطيع الإسهام إسهاماً حقيقياً في صناعة خطاب إسلامي مستنير قادر على الدخول بالمسلمين على عصر ديني جديد .
أزعم أنني وجدت هذه العملة النادرة ، هذا الإسلامي المستنير . ففي يوليو عام 2003م كنت في زيارة للنمسا . في يوم الجمعة ، وفي العاصمة ( فيينا ) سألت عن الجامع الذي يمكن أن يكون قريبا مني للصلاة . أجابني أحدهم : يوجد المركز الإسلامي ، وخطبته تقليدية ، ويوجد خطيب آخر ، خطيب رائع ، ولكن خطبته قد تطول إلى ما يتجاوز الساعة والربع . سألته : ساعة وربع ؟! ، ماذا يقول فيها ، مللنا من الهذيان والصراخ الذي يصم الآذان . قال لي : لا ، إذا لم يكن لديك مانع من طول الخطبة أصلاً ، فستجد الخطيب خطيباً مختلفاً جدا . ثم ضحك ساخراً ، وقال : ستجده يَذكر أحبابك من الفلاسفة والمفكرين الغربيين ، ستسمع في الخطبة أسماء كل من : ( جان لوك ) و ( كانت ) و ( هيجل ) و( باسكال ) و( فولتير ) و( أرسطو ) و ( جون ديوي ) و( ماكس فبيبر ) ، و( توماس هوبز ) ..إلخ ، ستسمع لأحدث النظريات العلمية على منبر الجمعة ، ومن خطيب موسوعي في التراث الديني ، بحيث يحفظ آلاف الأحاديث النبوية ، ويعرف الصحيح منها والمعلول والموضوع ، فضلاً عن حفظه القرآن مُجوّدا ، ومعرفته بالقراءات ...إلخ ما قال .
في البداية ، تصورته شيخاً تقليدياً متمكناً من التراث الديني ، وأن معرفته بالفلسفة لا تتعدى الاطلاع السطحي ، وأن استشهاده بهؤلاء الفلاسفة وغيرهم لا يتعدى استحضار مقتطعات من أقوالهم كحِكم معزولة من سياقها المعرفي ، أي كمقولات مجتزأة ، لا يَقصد بها الخطيب إلا أن يعضد بها وجهات نظره التقليدية . هكذا تصورته في البداية ، قبل أن أذهب للصلاة ، وأستمع لأفضل وأروع خطبة سمعتها في حياتي من إمام جمعة على الإطلاق .
بمجرد انتهاء الشيخ ( عدنان إبراهيم ) من تلك الخطبة التي اجتمع فيها الإمام مالك وأبو حنيفة والبخاري والغزالي مع هيجل ونيتشه وسارتر ، أن الرجل ( عدنان إبراهيم ) يتكلم عن اطلاع واسع مستوعب للتراث من جهة ، ولثقافة الآخر من جهة أخرى . لم يكن هؤلاء الفلاسفة يحضرون في الخطبة بأقوال عابرة ، لم يكن يدمجهم في خطبته لمجرد الاستشهاد المقطوع ، بل كان يستحضرهم كسياقات نظرية عامة ، كسياقات لها امتداداتها في المجتمع والثقافة والتاريخ ، ولها القدرة من جهة أخرى على الإسهام في تشكيل نظريته الخاصة ( إيجاباً أو سلباً ) في الموضوع الذي يطرحه للنقاش ؛ لأنه دائماً ما يطرح رؤيته كوجهة نظر ؛ رغم قوتها العلمية المتمثلة في تماسكها النظري الكبير .
وجدت نفسي بعد الصلاة أتقدم إليه مصافحاً وأقول له : هنيئاً لهؤلاء المصلين بك . شكرني بتواضع كبير ، فالرجل شديد الحياء ، شديد التواضع ؛ رغم اعتداده العلمي بنفسه . وهذا ( الاعتداد العلمي ) لا ينفي ذاك ( التواضع ) ضرورة ، بل ربما يكون أحد دوافعه الأساسية ؛ لأن العلم الحقيقي يقود إلى الوعي بالذات . كما أن الوعي بالذات شرط اكتمال العلم ؛ لأن العلم من حيث هو فعل وموضوع فعل في آن ليس إلا وعيا مرتبط ارتباط وجود بالإنسان .
سألته : ألا تسجل خطبك ؟ ، قبل أن يجيبني أجابني رجل بجانبه : تعال إلى هنا . أدخلني غرفة في قبلة المسجد ، وكانت مكتبة سمعية مليئة بأشرطة الكاسيت التي كانت خطباً ودروساً ومحاضرات لهذا الخطيب الاستثنائي ( الشيخ : عدنان إبراهيم ) . وجدت المحاضرات والدروس موزعة على مواضيع معرفية شتى ، من الفقه وأصول الفقه إلى الفرائض ومصطلح الحديث والتاريخ والنحو والصرف والبلاغة والفكر الإسلامي والفتاوى العامة والفلسفة والنظريات العلمية ...إلخ ، وكلها مما ألقاه هذا الشيخ / العالم / المفكر في هذا المسجد تبرعا لوجه الله .
أخذت معي أكثر من عشرين شريطاً في مواضيع مختلفة ، على أمل أن أتواصل معهم فيما بعد للحصول على المزيد . اكتشفت من خلال ما أخذته معي أنني أمام عالم شرعي موسوعي ، ومفكر إسلامي عصراني من نوع فريد ، من نوع قلما يجود الزمان بمثله . ولهذا بدأ يتشكل لديّ يقين جازم بأنه رجل استثنائي ، رجل سيكون له بفضل موسوعيته العلمية العالية ، وشخصيته المتميزة ، وموقعه في العالم الغربي دور كبير في رسم معالم مستقبل الإسلام .

اقرأ ايضا من أقلام وآراء