هكذا تتألق غزة!

بقلم: أيوب عثمان

هكذا تتألق غزة!

من يشهد الآن حال غزة وقطاعها تحت هذا القصف الإسرائيلي المتصل والمتواصل جواً وبحراً، يشهد- بإرادته أو برغمه- نضال الشعب الفلسطيني في غزة وصموده وترابطه ومرابطته ومقاومته واستبساله وجلده واحتماله وصبره واحتسابه... إنه قطاع غزة، ثغر فلسطين الجنوبي المتاخم لمصر الثورة، مصر الجديدة، إلى ثغر فلسطين الشمالي المتاخم لفلسطين المحتلة..إنه قطاع غزة الغارق في جوعه وفقره ومرض أهله الذين لا يجدون الغذاء ولا الكساء ولا الدواء ولا الكهرباء. فقطاع غزة الذي يحتويه الجوع والفقر والمرض وتَلِفُّ العتمة أهله وأرضه وسماءه لفاً، هو ذاته قطاع غزة الذي يدافع، اليوم، من شماله إلى جنوبه ومن غربه إلى شرقه، عن شرف هذه الأمة وعن مجدها وعن تاريخها وعن حاضرها وعن مستقبلها... إنه الرئة التي تستنشق منها الأمة، اليوم، هواء المجد والعزة والكرامة الوطنية.
إزاء حرب الكراهية التي يصبها الاحتلال العسكري الإسرائيلي ، الآن، على قطاع غزة صباً لا هوادة فيه ولا رحمة، وإزاء ما ابتلي به قطاع غزة على هذا النحو الذي بات العالم كله لا يسمعه بالأذن فقط، بل ويشهده بأم العين أيضاً، فإنني- وبلسان الفلسطيني المقاوم والمسالم في آن- أتساءل وأنا يحتويني الاندهاش والاستنكار معاً في آن: ألم يَجُل بعد في خاطر القادة العرب أن يغضبوا في وجه الرئيس الأمريكي المستنطع، أوباما، غضبة مُضَرِيَّة يهتكون به حجب شموس امبراطوريته الطاغوتية التي طغى سطوعها عليهم، فأضاعت منهم ما كان قد تبقى من بقايا رجولتهم وغيبت عنهم ما كان قد تبقى من شهامة ماضيهم ومن مجد أجدادهم؟! أليسوا هم قادة هذه الأمة التي وصفها الله سبحانه بأنها "خير أمة أخرجت للناس" ؟! أليسوا هم قادة هذه الأمة العربية التي تعلمنا، منذ كنا صغاراً، أنها "أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة"؟! أليسوا هم قادة هذه الأمة العربية التي علَّمنا دينها وعلَّمتنا ثقافتها أن "المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضها بعضاً، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر"؟! أم أنهم يعملون جادين جاهدين مجتهدين ليتطابقوا مع كلمات الشاعر أحمد مطر الذي نراه يصفهم وهو يقول:
وجوهكم أقنعة بالغة المرونة
طلاؤها حصافة، وقعرها رعونة
صفق إبليس لها مندهشا، وباعكم فنونه
وقال : " إني راحل، ما عاد لي دور هنا، دوري أنا أنتم ستلعبونه"
.......................
وغاية الخشونة،
أن تندبوا : " قم يا صلاح الدين ، قم " ،
.......................
كم مرة في العام توقظونه ،
.....................
أيطلب الأحياء من أمواتهم معونة ،
دعوا صلاح الدين في ترابه واحترموا سكونه ،
لأنه لو قام حقا بينكم فسوف تقتلونه
ما عدت قادراً أن أصدق- لا سيما ونحن نعيش ربيعاً عربياً ما يزال آخذاً في التحرك نحو الأمام- أن العجز والتردي والانكفاء العربي الرسمي قد بلغ حالُه هذا المبلغ الذي نراه، اليوم، شاهداً على أمة كنا قبل سنوات نتغنى بها، مباهين بها بأنها أمة "أمجاد يا عرب أمجاد". لم يعد في مكنتي أن أصدق أن هذه الأمة قد باتت أعجز من أن تجد للمعضلة الفلسطينية حلاً، فلا يكون لهذه الأمة إلا أن تترك قطاع غزة لمصيره وحيداً، يقاتل وحيداً يحتويه جوعه ويغرق في فقره وفي عتمته وفي مرض أهله وفي موتٍ قلَّت أسباب الحياة مع وجوده.
أهكذا يستغيث قطاع غزة، وما من مغيث! هل أخذت أمة المجد والأمجاد ... "أمة أمجاد يا عرب أمجاد" قراراً بأن تشيح النظر عن قطاع غزة، فتغض البصر عما يجري له، فلا تحميه من عدوان الاحتلال الذي يصب عليه حممه صباً، ولا تحمي أهله من جوعه وفقره، ولا تدفع عنه أوجاعه، ولا تنتشله من بحر دمائه، ومن العتمة التي تلف كل أرجائه؟!
إن هذا الذي يجري في قطاع غزة لا ينبغي له أن يكون شأناً محلياً خاصاً، وكفى الله المؤمنين القتال، كما حلا-ربما- للبعض أن يرى فنفض شعر رأسه وحاجبيه ورموش عينيه وتكتك وجهه ولباسه من غبار أنقاضنا، وغسل يديه من دمائنا، توطئة لفك ارتباطه بنا، لقاء فك اشتباكه التاريخي مع عدوه الذي هو في الأصل عدونا الذي طردنا من ديارنا، ثم لم يكتفِ بذلك فطاردنا وظل يطارد كل من آوانا، وأعمل ذبحاً وتقتيلاً فيه وفينا، ومرغ شرفنا وشرف أمتنا التي كانت يوماً ما مجيدة وماجدة، في أوحال تخاذل قادتها وضعفهم وخوفهم وخورهم وانهزامهم وانكسارهم وضياع هيبتهم وافتضاح أمرهم وانشكاف خواء طاووسيتهم، فهل بات ترك الثور الأبيض لمصيره كي يواجهه بمفرده، فيؤكل بعد أن يُقَطَّع، قاعدة لا يخرج عنها إلا أولئك الصامدون الصامدون المستبسلون المرابطون الذين يمموا أفئدتهم وضمائرهم وعقولهم ووجوههم صوب أول الخلفاء الراشدين أبي بكر الصديق الذي قال: "اُطلب الموت توهب لك الحياة"، فاستجابوا فكتبوا بدمائهم الزكية المضيئة قراراً يقضي بأن حماية الحق في الحياة والدفاع عن الأرض والعرض والوطن والهوية والكرامة الوطنية، إنما هو موقف أقل ما يقال فيه إنه يستأهل الموت في سبيله. لذلك، فإن قطاع غزة وأهله لسان حالهم وكأنه يقول للعرب وللمسلمين:
يَا دَافِنِينَ رُؤُوسَكُمْ مِثْلَ النَّعَامِ
تَنَعَّمُوا
وَتَنَقَّلُوا بَيْنَ الْمَبَادِئِ كَالْلَقَالِقْ
وَدَعُوا الْبُطُولَةَ لِي أَنَا
حَيْثُ البُطُولةُ بَاطِلٌ
وَ الحَقُّ زَاهِقْ !
هَذَا أَنَا
أُجْرِي مَعَ الْمَوْتِ السِّبَاقَ
وَإنَّنِي أَدْرِي بِأَنَّ الْمَوْتَ سَابِقْ
لَكِنَّمَا سَيَظَلُّ رَأْسِي عَالِيَاً أَبَدَاً
وَحَسْبِي أَنَّنِي في الخَفْضِ شَاهِقْ !
فَإذَا انْتَهَى الشَّوْطُ الأَخِيرُ
وَصَفَّقَ الجَمْعُ الْمُنَافِقْ
سَيَظَلُّ نَعْلِي عَالِيَاً
فَوْقَ الرُّؤُوسِ
إذَا عَلاَ رَأْسِي عَلَى عُقَدِ الْمَشَانِقْ !
فقطاع غزة الذي تحتويه العتمة فيغرق في دماء أهله الذين يعانون من الجوع والفقر والمرض، ويؤلمهم الحصار فيما يقتلهم القصف والدمار والنار، يؤكد أهله أن هذه الدماء التي يغرقون فيها ليست إلًّا لتبدد العتمة وتضيء الدرب لشعب فلسطين الذي غلًّق دروبه المحتل الإسرائيلي والإسناد الأمريكي الأوروبي والتخاذل العربي.
إن هذه العتمة التي تلف اليوم قطاع غزة قد تتسع في الغد القريب لتلف كل بلاد العرب لفاً إن لم يع قادتها من الرؤساء والملوك والشيوخ والسلاطين والأمراء حكاية الثور الأبيض اليوم قبل الغد!
وبعد، فإذا كان القرار المصري الثوري بإيفاد الدكتور/ هشام قنديل، رئيس وزراء مصر الثورة على رأس وفد كبير إلى قطاع غزة الواقع تحت نيران القصف الجوي والبحري الإسرائيلي المتصل، هو أول الغيث النازل من مصر اليوم، مصر الثورة، مصر الجديدة، وإذا كان القرار التونسي الثائر أيضاً بإيفاد وزير خارجية ثورة الياسمين التونسية، رفيق عبد السلام، على رأس وفد رفيع المستوى إلى قطاع غزة الواقع تحت قسوة الحصار وتحت سطوة الدمار والجوع والفقر والنار، هو أول الغيث القادم من بلاد ثورة الياسمين التي أشعلها في تونس الخضراء، الثائر الشهيد، محمد البوعزيزي، الذي رأيناه مصراً أن يعلمنا كيف تكون الحياة كريمة، حيث قال للأمة العربية كلها دون أن يقول:
أيها الموت... عزيزي
لك شكري
انتظر... إني سأعودك إلي
قسماً إنني سأدعوك إلي
عندما أشعر يوماً
أنني يا موت... حي!
فهل ننتظر مزيداً من الغيث العربي الذي يبعث من جديد أمة رضعنا اسمها منذ كنا على أثداء أمهاتنا بأنها أمة "أمجاد يا عرب أمجاد"؟!
أما آخر الكلام، فها هو قطاع غزة- الذي لن يركع ولن يموت- يقول لكل من لم يعرفه ولم يعرف عنه، ولمن يصب ناره عليه، ولمن يحاصره، ولمن يتخاذل من العرب والمسلمين عن إغاثته ونصرته:
أنا من تراب وماء
خذوا حذركم أيها السابلهْ
خطاكم على جثتي نازلهْ
وصمتي سخاء
لأن التراب صميم البقاء
وأنَّ الخطى زائلهْ
ولكن إذا ما حبستم بصدري الهواء
سلوا الأرض عن مبدأ الزلزلهْ!
سلوا عن جنوني ضمير الشتاء
أنا الغيمة المثقلهْ
إذا أجهشت بالبكاء
فإن الصواعق في دمعها مرسلهْ
أجل إني أنحني
فاشهدوا ذلتي الباسلهْ
فلا تنحني الشمس
إلا لتبلغ قلب السماء
ولا تنحني السنبلهْ
إذا لم تكن مثقلهْ
ولكنها ساعة الانحناء
تواري بذور البقاء
فتخفي برحم الثرى
ثورة مقبلهْ
أجل إني أنحني
تحت سيف العناء
لكن صمتي هو الجلجلهْ
وذل انحنائي هو الكبرياء
لأني أبالغ في الانحناء
لكي أزرع القنبلهْ

بقلم: الدكتور/ أيوب عثمان
كاتب وأكاديمي فلسطيني
جامعة الأزهر بغزة

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت