حرب إقليمية عنوانها الظاهر الحرب على غزة

بقلم: أحمد إبراهيم الحاج


نقصد بذلك هذه الحرب الأخيرة على فلسطين (ونقول هنا ونؤكد على فلسطين وليس على غزة لكي لا نتساوق مع الإعلام الدارج والهادف، والذي يكرس الفصل بين أجزاء الوطن الواحد ويفصل إعلامياً بين غزة وباقي الوطن الفلسطيني)، فالعدوان الإسرائيلي يقع يومياً على كل الوطن الفلسطيني وعلى كل المواطنين الفلسطينيين، غارات وحشية على غزة من جانب، واعتقالات ومداهمات وإطلاق الرصاص المطاطي والحي، وهدم للمنازل ومصادرة للأراضي واستيطان جشعٌ ومتسارع تمارسه اسرائيل يومياً على أرضي المواطنين بالضفة الغربية من جانب آخر. فتعددت وسائل الحرب ولكن العدوان واحد وهدفه واحد هو الأرض الفلسطينية والمواطن الفلسطيني اينما وجد، ويستهدف الجميع ليحقق الأهداف العدوانية الإسرائيلية. فيد العدوان تضرب غزة وعينها على هضم الضفة الغربية وبؤرتها متمركزة على القدس. حرب وحصار على غزة من أجل توحدها مع همومها، لأهداف وأطماع بأرض الضفة بممارسات من أجل توحدها مع همومها المختلفة عن هموم غزة، فتعددت الهموم وتوزعت أحادياً وعضوياً لكي لا تكون هماً وطنيا واحداً موحداً ومتكاملاً، وذلك لترسيخ الإنقسام. فغزة تسعى لفك الحصار والضفة تسعى لوقف الإستيطان. وأصبح الهم الوطني الشامل نسياً منسياً في النضالات الفلسطينية المشتتة الوسائل والأهداف.
يكتنف هذه الحرب غيوم وضباب يؤدي الى انعدام الرؤيا الواضجة، ويجعل عناوينها وأبطالها متخفين بأقنعة، وساحتها فلسطين وأدواتها من الفلسطينيين، فقد بدأت بإشارة إقليمية لفصائل فلسطينية مرتبطة بحبل سري مع إقليم لاعب بالمنطقة يسعى الى تحسين وضعه الإقليمي. في حين أن اسرائيل لم توقف إعتداءاتها على غزة يوماً واحداً، فأسباب اشتعال الحرب قائمة دائماً بالفعل العدواني الإسرائيلي المستمر، ولم يكن هنالك إجماع فلسطيني فصائلي على إشعالها، ولم تكن برغبة من الطرف الفاعل والحاكم في غزة، وفرضت عليه فرضاً، وأرادت اسرائيل أن تجره اليها لزيادة اشتعالها لجني مكاسب انتخابية، لذلك قامت بإغتيال الشهيد المناضل "أحمد الجعبري" يرحمه الله لكي تظهر للعالم أن غزة وسكانها حاكمين ومحكومين، متفقين ومختلفين عبارة عن وكر من الإرهابيين يجب محاربته.
بغض النظر عمّن أشعل فتيلها، ومن جهز وخطط لها لكي تصب في مصالحه ، فالحرب وقعت وعلينا أن نتعامل مع الواقع لا مع الأمنيات، ونحلل نتائجها وانعكاساتها على القضية الفلسطينية من منظور فلسطيني، ونحاول استثمارها لصالح الوطن الفلسطيني من أجل دماء الشهداء من المناضلين والأبرياء العزل، والتي أريقت على المقاصل العسكرية الإسرائيلية، ودون تبادل لأصابع الإتهام بين بعضنا البعض، ودون التشكيك المتبادل في وطنيتنا، ودون جلد للذات الفلسطينية التي أنهكها الجلد الذاتي الفلسطيني منذ بداية الإنقسام الى اليوم، فهي تشكل في محصلتها فرصة تاريخية وسانحة لإنهاء الإنقسام الفلسطيني دون خوض في التفاصيل المملة لإتفاق المصالحة الذي ما زال في كومة يصارع المرض بين الموت والحياة، ولم ير النور بعد، حيث أصبحت الأجواء والمناخات مناسبة وملائمة وملحة لوضع حد لهذا الإنقسام. فالسلطة في الضفة الغربية أظهرت تضامناً حاراً مع ما يحدث في غزة، إعلامياً واحتجاجياً وظهرت الأعلام الحمساوية ترفرف على مدن الضفة الغربية في بادرة حسن نية لم يسبق لها أن ظهرت في أحداث سابقة، والناطقون الرسميون باسم السلطة في غزة لم يوجهوا اتهاماتهم لرموز سلطة الضفة الغربية كما كان يحدث سابقاً، وبدا الوطن الفلسطيني جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، وهذا هو الوضع الطبيعي الذي اعتدناه منذ بداية النكبة. وما يحدث اليوم عبارة عن وعكة صحية بدأت تتماثل للشفاء بإذن الله.
وإن استعادة اللحمة الفلسطينية تشجع مناخ الإستثمار لصالح القضية، وتمنحها قوة صمود ودفع الى الأمام، خاصة وأننا أمام مهام صعبة تنتظرنا، وتحتاج الى صوت فلسطيني واحد يخاطب المجتمع الدولي في 29/11/2012 م للتصويت على عضوية فلسطين بالجمعية العامة للأمم المتحدة، سيما وأننا مهددون بالعقاب من العدو ومن لف لفه، لأن هذه الخطوة تؤذيهم وتصيبهم في مقتل، وتحتاج هذه المعركة السياسية الى خطاب فلسطيني متكامل متكافل واحد يطالب بالحقوق الوطنية الفلسطينية، ويسعى الى تحقيق الأهداف الفلسطينية التي لا نختلف عليها باطنياً وإن اختلفنا ظاهرياً، فالإختلاف يجب أن يوظف ليكون رحمة للناس وليس نقمة عليهم. كما أن اللحمة الفلسطينية تعزز من قوة المفاوض الفلسطيني وتحمي ظهره في محاوراته لإنجاز اتفاقية الهدنة للحرب القائمة، والتي تطبخ على النار، لجني نتائج تعود على الشعب والوطن بالمكاسب والغنائم وليس بالهزائم. فالمعركة تدار بالميدان، والعبرة في قيمة المكاسب والعوائد السياسية منها.
وحيث أن الحرب وقعت بكل دوافعها المخفية، ودفعنا نحن ثمنها من مواطنينا، الا أننا نقول رب ضارة نافعة، ولا تكرهوا شيئاً عسى أن يكون خيراً لكم، وأن السحر انقلب على الساحرالذي أشعلها والمجنون الصهيوني الذي أججها وكان ينتظرها لأهداف انتخابية، فكانت نتائجها في محصلتها فلسطينياً تصب لصالحنا إن أحسنا استثمارها كما أسلفت سابقاً، وبغض النظر عن النصر والهزيمة فيها، فادعاء النصر فيها هو المبالغة وادعاء الهزيمة فيها هو المناكفة.
وإن ما يثلج الصدر في تلك الحرب، ويعتبر تحولاً نوعياً وكمياً في الصراع، هو دك المدن الفلسطينية داخل الخط الأخضر (تل أبيب وغيرها) بالصواريخ، ففي ذلك رسالة الى المواطن الصهيوني الغاصب مفادها أن لا أمن لك ولا راحة ولا استقرار ولا عيش بسلام ما زالت حكومتك تتمادى في غيها، وتتجاهل حقوقنا، وأن هذه الصواريخ سوف تثلم سهام نتنياهو الإنتخابية وتؤدي الى تراجع شعبيته وربما الى سقوطه، وتعلي الصوت الإسرائيلي المطالب بالسلام. هذا بالإضافة الى فشل توجهه السافر وسعيه الحثيث للتأثير بالإنتخابات الأمريكية، وجاءت النتائج معاكسة لتوجهاته وسعيه وباءت جهوده بالفشل. فهذه الصواريخ تحمل في رؤوسها بغض النظر عن قوتها وانتشار مفعولها تشكل رسالة قوية ترفع من قوة الأوراق الفلسطينية في الصراع، وتضيف وديعة جديدة دائنة في حساب الوطن الجاري الذي يغذيه مواطنوا ذلك الوطن، وتعتبر مكسباً جديداً مؤثراً في نتائجه تأثيراً قوياً وفاعلاً على شعب اسرائيل الذي لا يحتمل هذه الظروف، وتذكره بالعودة الى حياة الملاجيء، وبالتالي تدفعه الى التفكير بالهجرة من هذه النار المشتعلة من حوله والتي لا تهدأ. سيما وأنه يحتفظ بجواز سفر أمريكي أو أوروبي ليكون جاهزاً للرحيل عن هذه الأرض التي ترفضه بطبعها وفطرتها لعدم تواؤم مناخاتها الوطنية معه وعدم انسجام ترابها مع طينته الغريبة عنها.
العمل من أجل الوطن والدفاع عنه والمقاومة من أجله واجب شرعي على المواطن ويعتبر جهاداً في سبيل الله وتكفل الله بجزاء العاملين المخلصين بنية خالصة، ولا تجوز فيه المنة على الوطن والمواطنين فهو خالص لله، ولا يجوز تجييره لمصالح شخصية ذاتية والتباهي به إعلامياً وظاهرياً، بل تضاف محصلة هذا العمل الدائنة كوديعة تزيد من الرصيد لحساب الإنجازات الوطنية المتراكمةعلى امتداد التاريخ من فجره الى اليوم. وامتداداً لما بدأه الأسلاف ولما قدموا من عمل وتضحيات سخية، وجزاء المواطن العامل والمضحي لوطنه عند الله في الآخرة عظيم، وهل أحسن من جزاء الشهادة في سبيل الله. ومن انتظر جزاءً شخصياً في الدنيا مقابل عمله الوطني، ونسي جزاء الله بالآخرة فلن يفلح في دنياه ولا في آخرته وسيكون عمله بواراً ومرتداً عليه بالوبال.
نخاطبكم ونتوسل اليكم أن توقظوا فرحتنا المكتومة منذ الإنقسام بإنهاء هذا الإنقسام، حيث تظل المكاسب الفلسطينية من هذه الحرب منقوصة وغير مكتملة وغير فاعلة وطنياً ما زال الإنقسام ماثلاً وقائماً، فلتكن الحرب مناسبة لوضع حد لانقسام الجسم الفلسطيني، وحينها يحق لنا بأن نتفاخر أننا فلسطينيون كما اعتدنا سابقاً قبل حدوث الإنقسام.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت