كتاب قديم

بقلم: أسامه الفرا

حواديت ...
كتاب قديم
عندما كتب الصحفي الهندي الشهير صاحب ورئيس تحرير مجلة بليتز "كارانجيا" كتابه "خنجر إسرائيل" عام 1957 لم يلتفت إليه أحد في عالمنا العربي، رغم أن الصحفي استند في كتابه على وثائق رسمية حصل عليها من صديق في حلف بغداد بالإضافة إلى مقابلة كان أجراها مع وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك "موشيه ديان"، والصحفي لم يكن ممن يبحثون عن الشهرة عبر "خبطة صحفية" بعيدة عن الصحة والمصداقية، وهو الذي حاور قيادات بوزن نهرو وجمال عبد الناصر، حتى أن دار النشر الدمشقية التي تكفلت بترجمة الكتاب إلى اللغة العربية عام 1958 تكبدت الخسائر لأن الكتاب ظل حبيس الأرفف في المكتبات، إلى أن جاءت حرب حزيران 1967 لتنفض الغبار عن الكتاب وتضعه في الواجهة، لما جاء فيه على لسان "ديان" أن إسرائيل في حربها القادمة ستقوم بتدمير طائرات الدول العربية في مرابضها، وبذلك ستمتلك السماء والسيطرة على الحرب، وحين تعجب الصحفي من كلامه على اعتبار أن ذلك أسرار حربية، قال له "ديان" لا عليك إنهم لا يقرأون.
انتشار الكتاب بعد حرب حزيران 1967 جاء بفعل مقولة ديان، وإن جرى عليها بعض الإضافات، إنهم لا يقرأون وإن قرأوا لا يفهمون وإن فهموا لا يفعلون، ولم تستوقفنا في حينه الوثائق الرسمية التي تضمنها الكتاب، وعاد الكتاب مؤخراً من جديد إلى الواجهة مرة أخرى في ظل الأحداث التي تعصف بالعالم العربي، حيث تناولت الوثائق مخطط إسرائيل لإقامة دول جديدة في جغرافية الوطن العربي، وتناولت بشكل واضح عدة دول عربية تسعى لتقسيمها، العراق يتحول إلى ثلاث دول شيعية في الجنوب وسنية في الوسط وكردية في الشمال، والسودان إلى دولتين في الشمال والجنوب، وكذلك الحال مصر، أما لبنان تنقسم لدولتين مارونية وعربية، وسوريا هي الأخرى إلى ثلاث دول، وجاء في الوثائق أن إسرائيل ستستند في خطة تقسيم العالم العربي من جديد على النزعة الطائفية.
صحيح أن إسرائيل لم تضع جدولاً زمنياً لمخططها في ذلك الوقت، ولكن من الواضح اليوم أن فصولها بدأت تترجمها الأحداث على أرض الواقع، السودان أصبح دولتين، والعراق يسير نحو التقسيم الثلاثي وإن أخذ حالياً ملامح الحكم الذاتي، وسوريا، بعد سقوط نظامها والدماء التي سفكت، ستجد نفسها مضطرة لفعل ذلك على أسس طائفية، ولن يقتصر الحال على سوريا بعد سقوط نظامها، بل أن لبنان مرشح في اليوم التالي لسلوك الدرب ذاته، لكن الأخطر بالنسبة للعالم العربي ما يحدث في مصر، على اعتبار أن الأمة العربية قوية إن كانت مصر قوية والعكس صحيح، المقلق في مصر أن المساحة بين المسلمين والأقباط آخذة في الاتساع، وما يتم تداوله عبر وسائل الإعلام بقصد أو بدون قصد يؤسس لتنافر يمكن أن يقود إلى تقسيمها، فالأحداث الكبيرة تبنى بالتراكم لأحداث قد يعتبرها البعض ثانوية وغير ذات قيمة، ولكنها في حقيقة الأمر يجب أن تكون مدعاة للقلق خاصة وأنها تمس أركان البنية المجتمعية للشعب المصري.
الانتصار لم يعد بالضرورة يتبع حرباً عسكرية يفرض فيها المنتصر شروطه على المهزوم، ولم يعد الاستعمار بحاجة لأن يتواجد جنوده على الأرض كي ينهب خيراتها فيمكن له أن يفعل ذلك عن بعد، والشعوب طالما حددت العدو الحقيقي لها وعرفت جيدا ما يخطط لها، فلا خوف عليها، ولكن الطامة الكبرى عندما تجهل ذلك وتشرع نيابة عنه في تمرير مخططاته، قبل أن نتحول إلى شيع وقبائل مطلوب منا فقط أن نقرأ كيف يفكر العدو ونفهم ما نقرأ.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت