فياض: وضع السلطة مأساوي ووصلنا إلى حد الإفلاس ولا افهم مشكلة حركة "حماس" معي

رام الله- وكالة قدس نت للأنباء
أجرت صحيفة "الشرق الأوسط" حوار مطولا مع سلام فياض رئيس الوزراء في السلطة الفلسطينية ، تناول به تفاصيل الأزمة المالية ومجريات المصالحة الوطنية والعملية السياسية، بما فيها المفاوضات..

وبادرت "الشرق الأوسط"، الدكتور فياض بالسؤال عن الأزمة المالية المتصاعدة التي تعيشها السلطة الفلسطينية إلى حد أن الموظفين الحكوميين لم يتلقوا بعد رواتب شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، مما يهدد بانفجار موجة من الغضب على غرار ما حصل في سبتمبر (أيلول) الماضي وألقي فيها اللوم على فياض شخصيا.

- كما تعلم فالأزمة المالية ملازمة لنا منذ عامين ونصف العام. بدأت كصعوبات مالية قبل عامين ونصف العام، وتطورت مع مرور الزمن بسبب عدم وصول ما يكفي من مساعدات بالقياس مع ما هو مبرمج في موازنة السلطة.. وهذا يضعف لديك هامش المناورة وإمكانية الاقتراض لأن الجميع بما في ذلك البنوك، يرى أن ما يردك من مساعدات لا يغطي مديونيتك. وهكذا سارت بنا الأمور إلى ما أصبح أزمة، في أواسط 2011. وعلى خلفية ذلك حاولنا مساعدة أنفسنا من خلال اتخاذ إجراءات لإحداث تقليص إضافي في عجز ميزانية السلطة، واتخذنا بالفعل هذه الإجراءات بجانبي الموازنة والنفقات منها، حيث عملنا على ترشيدها إضافيا، وسأفسر إليك ما أقصده بـ«إضافيا»، وأيضا من خلال محاولة زيادة الواردات بتكثيف الجهد الهادف لتوسيع الضريبة الإضافية.. ولكننا أيضا اضطررنا إلى زيادة ضريبة الدخل. وقد حصل جدل واسع حول هذا الموضوع أواخر 2011 وأوائل 2012.. تخللها جولات حوار وتوصلنا إلى صيغة مكنتنا من تحقيق ولو جزء مما أردنا. وتوضيحا لعبارة جهد إضافي أقول: إن السلطة عمدت منذ 2008 إلى اتخاذ الكثير من الإجراءات الكفيلة بتخفيض عجز الموازنة وأتى ذلك بنتائج طيبة جدا، تحديدا بلغة الأرقام.. وأذكر أن عام 2008 كان عاما قياسيا بحجم المساعدات الخارجية التي حصلت عليها السلطة لأغراض دعم الموازنة.. فقد بلغت المساعدات المخصصة لذلك مليار و800 مليون دولار وهذا مبلغ قياسي في تاريخ السلطة. وانخفض ذلك بحكم الإجراءات التي اتخذتها السلطة لتخفيض العجز، كجزء من السياسة المالية التي اعتمدت في إطار خطة العامين أيضا. وكموجه أساسي هادف إلى تحقيق قدر ممكن من الاعتماد على الذات.. وبالفعل انخفضت المساعدات من مليار و800 مليون دولار إلى نحو المليار دولار عام 2011. وهذا يعني أنه كان هناك جهد قائم لتخفيض العجز. لكن وكما ذكرت فإن عدم ورود من نحو عامين ونصف العام، ما يكفي من مساعدات حتى بالحد الأقل من الضروري، ترتب عليه صعوبات مالية تفاقمت إلى أن وصلت حد الأزمة في أواسط عام 2011.. وهذا الوضع دفعنا إلى اتخاذ إجراءات إضافية أواخر العام 2011، وبسبب استمرار عدم ورود ما يكفي من مساعدات، وجدت السلطة نفسها في عام 2012 في وضع أكثر صعوبة والسبب أنك لا تستطيع أن تجبي وأنت غير قادر على دفع ما عليك من التزامات. إذن الصعوبات المالية عقدت الجهود الوطنية الهادفة إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الاعتماد على الذات. وبالتالي تفاقمت الصعوبات المالية في 2012 وصولا إلى ما شكل ضربة قاصمة، أتى ليخلق وضعا ماليا في منتهى الصعوبة لم تشهده السلطة إطلاقا، وذلك من خلال القرصنة الإسرائيلية للقمة عيش شعبنا متمثلة في احتجاز أموال السلطة عقابا لذهابها إلى الجمعية العامة لنيل الاعتراف الدولي بدولة فلسطين وانضمامها كدولة غير عضو في الأمم المتحدة.

* وما هو حجم الأموال الجمركية الفلسطينية التي تجنيها إسرائيل باسم السلطة؟

- هذه تبلغ نحو 125 مليون دولار شهريا وهذا يمثل ما يزيد عن ثلثي إيرادات السلطة. حتى لو لم تكن السلطة تواجه أزمة مالية أصلا، فإن حجب هذه الأموال بحد ذاته كان كفيلا لوضعنا في وضع صعب، فما بالك والأزمة المالية قائمة.

* أنت تتحدث عن مليار ونصف المليار دولار سنويا..؟

- نعم وهذا يشكل كما ذكرت ما يزيد عن ثلثي الإيرادات التي تجبيها السلطة دون المساعدات. وجاء الحجب الإسرائيلي ليشل قدرة السلطة على الأداء في كثير من المرافق والخدمات.. ومن جملة ما انعكس هذا الوضع فيما انعكس في التأخير الكبير في دفع الرواتب وخاصة رواتب نوفمبر التي لم يدفع بعد سوى نصفها، إضافة بالطبع إلى رواتب ديسمبر (كانون الأول). وهذا يخلف حالة من البؤس الشديد لدى غالبية الجمهور الفلسطيني لأننا عندما نتحدث عن الرواتب إنما نتحدث عن نحو مليون مواطن في الأرض الفلسطينية المحتلة. وجراء هذه القرصنة الإسرائيلية فإن مليون فلسطيني وضعوا على مسار بالتأكيد سيوصلهم إلى حافة الفقر. وكجزء من معالجة هذا الموضوع اتخذت القمة العربية في بغداد في ربيع العام الماضي قرارا بتشكيل شبكة أمان مالي عربي لمواجهة أي عقوبات مالية تفرضها إسرائيل في سياق التحرك الفلسطيني الدولي أو على صعيد المصالحة الوطنية، تقوم الدول العربية بموجبها بتوفير ما قدره 100 مليون دولار للسلطة.

* وما يمكن أن يفعل مثل هذا المبلغ إذا كانت أموال الضريبة الجمركية تزيد عنه؟

- نعم هو أقل من الأموال المحتجزة.. لكن هذا هو القرار العربي..

* وكم هي قيمة الرواتب التي تدفعها السلطة لموظفيها؟

- سأعود إلى موضوع الرواتب لاحقا، لكن دعني أقول: إن القرار العربي اتخذ وجرى التأكيد عليه مجددا في 3 اجتماعات متعاقبة للجنة المتابعة العربية بما يشمل اجتماعها الأخير في الدوحة الذي عقد بعد ذهاب السلطة إلى الأمم المتحدة في 29 نوفمبر (طلبا للاعتراف بالدولة). لكن لغاية الآن لم يتم تفعيل شبكة الأمان. وحتى لو فعلت سنظل نواجه مشكلة وهي أننا لن نستطيع تسيير أمورنا بالحد الأدنى، فما بالك في غياب تفعيلها.

أعود إلى موضوع الرواتب.. في الإجمال العام فإن مجمل الرواتب إضافة إلى النفقات الأخرى بما يشمل قطاع غزة، يصل إلى نحو 300 مليون دولار شهريا.

* وكم هو نصيب غزة هذا المبلغ؟

- في حدود 130 مليون دولار تذهب إلى غزة وهناك مبلغ ينفق في ساحات الخارج وما يتبقى ينفق على الضفة. هذا هو الوضع وهو صعب جدا.. فمن دون تفعيل شبكة الأمان العربية ومن دون وصول المساعدات العربية الأخرى المقررة في قمم عربية سابقة، فإن ما يدخل ميزانيتنا من الإيرادات التي نجبيها نحن زائد المساعدة الأوروبية الشهرية، لا يتجاوز الـ50 مليون دولار أمام 300 مليون قيمة النفقات فكيف يمكن أن تدبر أمورك أمام هذا الواقع.

* في رأيك ما هو سبب هذا الموقف العربي وما هي العوائق التي تحول دون الالتزام بالوعود.. هل هو عقاب للسلطة على مواقفها السياسية؟

- خاصة فيما يتعلق بشبكة الأمان هناك قرار لا لبس فيه.. لذا فإن مثل هذا السؤال يوجه إلى الدول نفسها. لأنني بصراحة في حيرة من أمري. فتفعيل شبكة الأمان مرتبط بقرار إسرائيل باحتجاز الأموال.. فها هي إسرائيل قد فعلت ذلك فلماذا لا تفعلون قراركم. أنا بصراحة عاجز عن تفسير عدم تحرير هذا المبلغ.

* من هو المسؤول عن تفعيل القرار.. القضية ضائعة.. هل هي الجامعة العربية ممثلة بأمينها العام أم الدولة رئيس المؤتمر...؟

- في مثل هذه الحال يجري إبلاغ الدول العربية عبر الجامعة العربية باعتبارها سكرتارية القمة.

* وهل قامت السلطة الفلسطينية بهذه الخطوة؟

- طبعا.. من الناحية الرسمية قامت السلطة فورا بالاتصال بالدول العربية وأعقب ذلك سلسلة اتصالات قام بها مشكورا أمين عام الجامعة (نبيل العربي) الذي زارنا مؤخرا كما تعلم. لكن لغاية الآن لم نتحصل على أي شيء. قيل لنا إن الجزائر حولت 26 مليون دولار.. لكن لا أعلم إن كان ذلك جزءا من شبكة الأمان أم جزءا من المساعدة المقررة بموجب قمة بيروت لعام 2002.

* أعتقد أن الجزائر كانت واضحة في هذا الشأن وهو اعتبار هذا المبلغ جزءا من المساعدات العربية وليس شبكة الأمان.

- نعم.. صحيح. إنها جزء من المساعدات المقررة عام 2012 التي لا يلتزم بتسديدها الكثير من الدول العربية. باختصار نقول بأعلى صوتنا إن الوضع مأساوي في فلسطين وله انعكاسات اقتصادية واجتماعية وسياسية في منتهى الخطورة.

* يعني أنكم اتصلتم في هذا الشأن.. فما كان الرد إذن؟

- قيل لنا إن قمة عربية اقتصادية ستعقد في الرياض في 21 يناير الجاري.. لكن يفترض تفعيل شبكة الأمان من دون القمة الاقتصادية.. لنفترض أنه ليس هناك قمة كيف سنتصرف.. إن المبلغ له علاقة بحياة ناس وكل يوم له تأثيره.. أرجو ألا يكون هناك إطلاقا شعور بأن لدينا إمكانية على الاستمرار بالأداء قائمة ولو بالحد الأدنى في غياب مثل هذه المساعدات.. هناك خلل كبير وإرباك لا بل أقول شلل في أداء السلطة. وأستطيع القول: إنه تحت أي ظرف نحن بحاجة ماسة للمساعدات ولا نستطيع الانتظار إلى حين انعقاد القمة العربية. أرجو ألا يكون هناك إطلاقا شعور بأن قدرتنا على الاستمرار قائمة في غياب وصول فوري للمساعدات. تحت أي ظرف نحن بحاجة ماسة للمساعدات ولا نستطيع الانتظار للقمة العربية خاصة فيما يتعلق بشبكة الأمان. هناك قرار لا لبس فيه.. لذا فإن مثل هذا السؤال يوجه إلى الدول نفسها. لأنني بصراحة في حيرة من أمري. فتفعيل شبكة الأمان مرتبط بقرار إسرائيل باحتجاز الأموال.. فها هي إسرائيل قد فعلت ذلك فلماذا لا تفعلون قراركم. أنا بصراحة عاجز عن التفسير.

* لننس شبكة الأمان المالي ونعود إلى المساعدات، أعتقد كان قدر المساعدات التي يفترض أن تقدم للسلطة بموجب قرار قمة بيروت لعام 2002، 600 مليون دولار سنويا.. من هي الدول التي تدفع ومن هي الدول التي لا تسدد حصتها؟

- حتى نكون أكثر دقة فإن المبلغ الذي أقر كان 55 مليون دولار شهريا. ولكن لم يحدث أن تلقت السلطة هذا المبلغ بالكامل. أعيد وأكرر أننا في وضع تجاوزنا فيه الأزمة.. الأزمة تكون عندما يكون لديك بعض الصعوبات، نحن أصبحنا في وضع ما بعد الأزمة لقد وصلنا إلى حد الإفلاس. نحن نعيش حالة من البؤس في كل المجالات الصحة والتعليم وغيرهما. أصبح العاملون والموظفون عاجزين عن الوصول إلى أماكن عملهم لعدم وجود المال الكافي لإيصالهم إلى أماكن عملهم. أضف إلى ذلك فإنني كرئيس للوزراء لا أستطيع أن أخرج للناس وأقول بصراحة ليس لدي حل فهذا يعني تيئيسا لهم. وفي ظل الأوضاع والمصاعب الأخرى التي تعيشها السلطة أخشى أن يصل الأمر إلى حالة التحلل. في نفس الوقت نريد أن نبقي الأمل قائما وأنا على قناعة بأن الشعوب العربية ستنظر في النهاية للشعب الفلسطيني. وقناعتي هذه لا تأتي من فراغ فلدينا في الموقف العربي الموحد (خلال حرب أكتوبر/ تشرين الأول) في السبعينات خير مثال. مثال آخر كان بعد الانتفاضة الثانية عام 2000، فبعد اندلاعها بنحو عشرة أيام دعا خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز (كان في حينها وليا للعهد) إلى قمة عربية عقدت في القاهرة في أكتوبر من نفس العام، ووضع على الطاولة 250 مليون دولار هذا يبقي عندي الأمل قائما.

* لننتقل إلى موضوع آخر وهو التصويت لفلسطين كدولة غير عضو في الأمم المتحدة.. هل سيكون له نتائج إيجابية على الأرض أم أنه مجرد فوز معنوي لا أكثر؟

- لا أقلل من شأن هذه الخطوة كانتصار معنوي وكإنجاز ينطوي على قوة رمزية كبيرة لا بل كبيرة جدا. يتصل بذلك من الناحية المعنوية، وقوف أكثر من ثلثي الأعضاء في الأمم المتحدة إلى جانب الشعب الفلسطيني الأمر الذي يحمل في ثناياه أن العالم أغلبيته ضاقت ذرعا بالاحتلال وبعقم العملية السياسية التي هدفت إلى إنهاء الاحتلال. وحتى الدول التي امتنعت عن التصويت تلمس في مواقف الكثير منها، في ضوء المواقف السابقة، نوعا من التعبير عن المعارض (لموقف إسرائيل).

* هل يمكن القول: إن هذا التصويت سيحفظ الحق الفلسطيني في دولة في حدود 1967؟

- وهذا ما نتحدث عنه وهو حفظ الحق الفلسطيني في إقامة دولة في حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

* هل سيردع هذا القرار إسرائيل عن الإقدام على إجراءات تشكل انتهاكا للقانون الدولي؟

- بكل تأكيد. فهذا القرار سيضع أمامنا عددا من الخيارات التي تمكننا من ردع إسرائيل ووقف عدوانها.

* هل تقصد بذلك محكمة الجنايات الدولية؟

- هذا على سبيل المثال.

* والشيء بالشيء يذكر فقد قررت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وأنت عضو فيها يوم الخميس بحث سبل الانضمام إلى المنظمات الدولية.

- للتصحيح فقط أنا عضو مراقب في اللجنة التنفيذية كرئيس للوزراء. ما جرى أمس أن اللجنة التنفيذية بحثت تقريرا أعدته لجنة مختصة في ها الشأن.

* هل لا تزال متفائلا إزاء قيام الدولة كما كان الحال في عام 2009 عندما أطلقت تصريحك الشهير أن الفلسطينيين سيكونون جاهزين في غضون عامين، الأمر الذي أعطى الانطباع أن الدولة الفلسطينية ستقوم في أواخر أغسطس (آب) 2011؟

- إن كنت فلسطينيا فواجب عليك أن تكون متفائلا. هذا أولا. ثانيا وللتذكير فقط أن ما تحدثنا عنه في أواخر عام 2009 عندما قلنا إن السلطة ستكون في غضون عامين جاهزة لقيام الدولة فقد قصدنا من ضمن ما قصدناه في ذاك الوقت أن نضع ضغطا متزايدا ومتعاظما على المجتمع الدولي، مترافقا مع تنفيذ هذا البرنامج فيما جعل من عام 2011 كما كان واضحا، عاما خاصا في الوعي الدولي. المرجع ليس 2012 بل 2011 وعلى خلفية هذا البرنامج والنجاح في تنفيذه الذي أوصلنا في ربيع عام 2011 أي قبل مرور العامين على تنفيذ البرنامج، إلى نقطة أجمع فيها العالم على جاهزية السلطة الوطنية بأداء مؤسساتها لقيام دولة فلسطين. اعتبرت في حينها أننا نجحنا في تحقيق هذا البرنامج وبالتالي هناك سبب للتفاؤل لأننا حققنا هدفنا معلنا لنا، في أقل من المدة الزمنية المعلنة. حينئذ استخدمت التعبير في مؤتمر في العاصمة البلجيكية بروكسل، أن المجتمع أصدر اليوم شهادة ميلاد لواقع دولة فلسطين قالها باللغة الإنجليزية (for the reality of the statehood of Palestine). وأما شهادة قيام دولة فلسطين فإنها ستصدر بكل تأكيد عن محفل دولي آخر وهو الأمم المتحدة عندما نحصل على الاستقلال الكامل ونحن لم نحصل بعد لا على استقلال كامل ولا غير كامل. وما حصل في 29 نوفمبر لا يشكل نهاية المطاف لنا، نحن نسعى للوصول إلى هذه النقطة، إنما بالقياس إلى الهدف المعلن فقد حققناه في الجاهزية ولكن بشكل متدرج.. وهذا وضع العالم في وضع محرج دفعه للحديث عما يمكن فعله في عام 2011.. وفي حيثيات قرار الاعتراف بدولة فلسطين من أول القرار وحتى آخره، هناك إشادة فيما حققته السلطة الوطنية في تحقيق الجاهزية لإقامة الدولة. واستند القرار في الأساس إلى هذا النجاح وهو النجاح في تحقيق الجاهزية.

* المصالحة.. كثر الكلام في الآونة الأخيرة عن إمكانية تحقيق الوحدة وإنهاء الانقسام بعد أن سمحت السلطة في الضفة لحركة حماس بإحياء ذكرى تأسيسها وسماح حكومة إسماعيل هنية لحركة فتح بإحياء ذكرى انطلاقتها في قطاع غزة.. هل أنت تشاطر هؤلاء هذا التفاؤل بإمكانية تحقيق المصالحة في المستقبل المنظور، أم أن الأمر لا يتعدى مناورة من الجانبين حتى لا يؤخذ عليه أنه الطرف المعيق؟

- هناك تبسيط كثير للأمور واختصار الموضوع بالسماح بتنظيم مهرجان هنا وآخر هناك.. القصة ليست مهرجانات. ورغم ذلك فإن قراءتي للحشد الهائل غير المسبوق في مهرجان فتح في غزة، هو استفتاء عفوي ضد الانقسام وضد استمرار الوضع القائم في استحواذ حركة حماس وسيطرتها في أعقاب الانقلاب في 2007. كل فلسطيني يريد إنهاء الانقسام آمل أن يحدث حراكا ذا مغزى ينهي الانقسام.

* لكن في آخر استطلاع في الأراضي الفلسطينية بين أن شعبية حماس في الضفة الغربية أكثر منها في غزة، وشعبية فتح في غزة أكثر منها في الضفة، وهذا يعني أن هناك عدم رضا من الطرفين.

- استطلاعات الرأي ترصد في وقت ما حالة نفسية لها علاقة في وضع قائم في حينها. إذا كان الناس غير راضين عن حماس في غزة وأهالي الضفة غير راضين عن أداء السلطة فهذا يعني أن الناس لا يريدون واقع الانقسام المتمثل بسلطة محدودة الصلاحية في الضفة الغربية واستحواذ من قبل حماس على غزة.

* هل ثمة أمل أو بالأحرى هل ترى ثمة إمكانية في تحقيق المصالحة في ظل المعطيات وعمق الخلافات في البرامج السياسية والمصالح الذاتية؟

- الأمل دائما موجود.. والمسألة ستبحث قريبا بتجديد الاتصالات برعاية مصرية. ونأمل ألا يقتصر الأمر على مشاهد إضافية وتوقيعات جديدة. إنهاء الانقسام يحتاج إلى إجراءات عملية. العملية الديمقراطية في فلسطين معطلة لسنوات طويلة بسبب الانقسام. إن معركة البناء الديمقراطي ومن أدواتها الانتخابات هي معركة رديفة لمعركة التحرر الوطني، لذا يجب ألا تبقى معطلة.

* لكن من المسؤول.. كل طرف يلقي بالمسؤولية على الآخر.. هل المسؤول سلام فياض أم خالد مشعل أم إسماعيل هنية أم الرئيس محمود عباس (أبو مازن)..؟

- هناك تعطيل لعمل لجنة الانتخابات من قبل حماس في غزة.. هذا الواقع يجب أن يتغير.. لكن لا أريد استباق الأمور.

* هناك خلاف حول ما الذي يجب أن يحصل أولا هل الانتخابات أم حكومة التوافق الوطني؟

- تحت أي سيناريو هناك خطوات عملية يجب أن تتخذ.

* في رأيك ما هي هذه الخطوات العملية؟

- إجراء الانتخابات يحتاج إلى ترتيبات عملية انتقالية وأبرز هذه الترتيبات الانتقالية هي تشكيل حكومة انتقالية.. فلتشكل هذه الحكومة الانتقالية. بصرف النظر عن المدرسة التي تنتمي إليها.. مدرسة الانتخابات أولا والمصالحة ثانيا أو مدرسة المصالحة أولا والانتخابات ثانيا، هناك اتفاق حول ضرورة الإجراءات الانتقالية وصولا للانتخابات. فلتشكل الحكومة وندعو أن تركز اللقاءات القادمة على هذا الموضوع. وفيما يتعلق بالإشراف على العملية الانتخابية فهذه من مسؤوليات لجنة الانتخابات التي أعيد تشكيلها بشكل توافقي.

* هل أنت مستعد أن تتنازل عن رئاستك للحكومة؟

- بغمضة عين.. لقد فوجئت بتصريح موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحماس حول هذه المسألة. الأمر محسوم بالنسبة لي. وقد أصدرت بيانا خلال التوقيع على إعلان الدوحة مرحبا.. والإعلان نص على تشكيل حكومة مؤقتة برئاسة أبو مازن. الأمر محسوم بالنسبة لي ومضطر لأن أقول لك، إنني لا أريد أن تظل هذه المسألة مثل قميص عثمان وشماعة يعلق عليها الفشل. فعم يتحدث أبو مرزوق.. فليتوقفوا عن اختلاق الذرائع.

* وما هي المشكلة بينك وبين حماس؟

- اسأل عنها حماس.. أنا حاولت بمنتهى الموضوعية القيام بالمهام الموكلة لي.. ولم أشارك قط في تشريع أو ترفيع.. وأنا أتعرض لعملية استهداف متواصلة وهجوم دائم وبشكل مقذع رغم أنني لم أقبل لنفسي الدخول في سجال من أي نوع. على حماس أن تتحدث عن مشكلتها معي لأنه ليس لدي مشكلة معها وليس لدي أي مشكلة مع أي من مكونات النظام الفلسطيني وهي مكونات قائمة وجزء من كينونتنا وتعدديتنا السياسية.

* امتناع بريطانيا عن التصويت في الأمم المتحدة يدفعني إلى السؤال أما آن الوقت لكي يبدأ الشعب الفلسطيني بالتحرك لوضع بريطانيا صاحبة وعد بلفور لعام 1917 الذي منح جزءا من فلسطين لليهود وهي الدولة التي استعمرت فلسطين حتى قيام دولة إسرائيل، أمام مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني خاصة أن الشعوب التي استعمرت في السابق عادت لتفتح الدفاتر القديمة وتطالب مستعمريها بدفع ثمن استعمارهم واستغلالهم لثروات بلادهم ومجازرهم والجرائم التي ارتكبوها ضدهم.. سواء بالتعويض المعنوي أو المادي..؟

- سأرد على هذا السؤال بواقعة حصلت مؤخرا، بعدما عدنا من الولايات المتحدة بعد قرار الأمم المتحدة. زارني وفد من مجلس العموم البريطاني وسألني أعضاؤه عن رأيي في تصويت بريطانيا في الأمم المتحدة.. فقلت لهم قبل وصولكم كنت أستقبل وزير التنمية الألماني، وشكرته على امتناع ألمانيا عن التصويت فأما بالنسبة للتصويت البريطاني فلا بد أن أعبر سخطي الشديد على هذا الموقف، وأسهبت بالحديث في الموضوع. وقلت إن بريطانيا من بين كل الدول كان يفترض أن تتقدم الدول المصوتة لصالح القرار.

* ألا تنتابكم أنتم كسلطة مخاوف من أن الشعب الفلسطيني قد يفيض به الأمر جراء الأزمة المالية وينتفض في وجوهكم وينضم إلى الربيع العربي؟

- ليس لدي مخاوف بالمفهوم التقليدي للمخاوف، على الإطلاق، لأني على قناعة بأن الاحتجاج مشروع..

* أنا لا أتحدث عن مظاهرات كما حصل في سبتمبر الماضي عندما خرج الموظفون إلى الشوارع يطالبون برأسك على أساس أنك المسؤول عن الأزمة المالية، أنا أعني أن تتطور هذه الاحتجاجات إلى ما هو أبعد وأعظم، خاصة أن للأمر علاقة بلقمة عيشهم.

- أنا بصراحة لا أشعر بتخوف إزاء ذلك.. أنا قلت ذلك في سبتمبر عندما انطلقت المظاهرات.. أنا لست مأزوما من الاحتجاج بل مأزوم بسبب وجود حالة فعلية عند الناس وهذه المشكلة الحقيقية. سئلت في مقابلة مع التلفزيون الفلسطيني ففاجأتني المذيعة بسؤال عما يمكن أن أعتذر في العام المنصرم.. صمت قليلا وأجبت بالقول: إن هناك الكثير الذي أعتذر عنه للشعب الفلسطيني.. أعتذر لكل أب وأم فلسطينيين لا يستطيعان أن يعطيا ابنيهما شيقلين (نصف دولار) وهما في طريقهما إلى المدرسة.. المشكلة بالنسبة لي هي الحاجة الحقيقية للناس لذلك أنا أتعاطف مع مطالبهم. لكن بنفس الوقت أقول: إن الضيق الذي وصلنا له ليس من قلة المحاولة.