"ندوة"..السرقة العظمى للكتب تدمير الإرث الثقافي الفلسطيني

القدس المحتلة- وكالة قدس نت للأنباء
احتشد المئات من المهتمين والمؤرخين في قاعات المكتبة العلمية في القدس والتي امتلأت بطوابقها الثلاثة مما حدا بعرض الفيلم في قاعات المركز الثقافي الفرنسي المجاور للمكتبة، لحضور العرض الأول لفيلم "السرقة العظمى للكتب- تدمير الإرث الثقافي الفلسطيني" للمخرج الهولندي بيني برونر ومن إنتاج قناة الجزيرة الدولية عام 2012. ويحاول الفيلم من خلال روايات شهود عيان وصور أرشيفية أن يفهم ما حدث لأكثر من 30 ألفاً من الكتب القيمة التي كانت تزين رفوف منازل الفلسطينيين في أيام ما قبل النكبة، وكيف أصبحوا الآن أسرى في خزائن المكتبة الوطنية الإسرائيلية، ولماذا لم يتم إعادتهم إلى أصحابها الشرعيين.

يروي الوثائقي كيف وخلال الأشهر الأولى للنكبة الفلسطينية دخل الجنود المنازل الفلسطينية في المدن والقرى المهجّرة، ومهمتهم جمع أكبر عدد من الكتب القيمة والمخطوطات التي تواجدت في هذه البيوت، ويوثق الفيلم حسب إحصائيات المكتبة الوطنية الإسرائيلية ما يقارب الـ 30 ألفاً من الكتب الخاصة من القدس فقط، و 40 ألفاً آخرين من حيفا ويافا وعكا والناصرة وبعض مدن الداخل الفلسطيني، ويمكن اليوم العثور على حوالي ستة آلاف من هذه الكتب على رفوف المكتبة الوطنية الإسرائيلية، مصنّفة حسب المؤلف والعنوان وتحت فهرسة برمز AP الذي يعني "ممتلكات متخلّى عنها" وكأن أصحابها رحلوا في إجازة ولم يأخذوها معهم!. كما يوثق الفيلم حقيقة أن مجموعة من أمناء المكتبات من المكتبة الوطنية في إسرائيل رافقوا الجنود أثناء دخول البيوت الفلسطينية وسرقة الكتب.

وقد بدأ المخرج رحلة التحضير للفيلم بعد أن علم بأن صديقه طالب الدكتوراه في الجامعة الإسرائيلية "غيش أميت" قد عثر بالصدفة على هذه الكتب في الأرشيف الوطني، وكونها جميعها باللغة العربية، تعكس حقيقة السياسة الممنهجة لـ "جمع" هذه الكتب- كما يدّعي الإسرائيليون، إذ تدعي الحكومة الإسرائيلية أن العملية تمّت رسمياً في إطار "عملية إنقاذ الإرث الثقافي"، لكنها بالنسبة للفلسطينيين كانت بمثابة "سرقة ممنهجة للتاريخ الثقافي والحضاري للشعب الفلسطيني"

وفي رده على ما إذا كانت عملية "جمع" الكتب تأتي في إطار الحفاظ على التراث الثقافي أو "السرقة"، قال المخرج برونر"على ما يبدو أن العملية بدأت من باب الحفاظ على هذه الكتب ولكن سرعان ما تحولت إلى منهجية لسرقة الكتب وتحويل ملكيتها إلى الأرشيف الوطني الإسرائيلي" وأضاف "إن لحظة تدمير الثقافة الفلسطينية هي أيضاً لحظة ولادة وعي إسرائيلي جديد ، استنادا ليس فقط على محو العرب في فلسطين وجوداً، ولكن أيضا على تدمير ثقافتهم عن طريق سرقتها وتحويلها لموروث تاريخي إسرائيلي".

وحول تساؤلات الحاضرين ممن شاهد الفيلم عن حقيقة وجود بعض الكتب الأخرى التي ما تزال في بيوت الفلسطينيين المنهوبة، أجاب برونر "لا يمكننا أن نصل إلى جميع الإسرائيليين الذين يملكون كتباً لفلسطينيين كانت موجوده في البيوت التي احتلوها، كما أن الفيلم عرض فقط على قناة الجزيرة بالإنجليزية، فيما رفضت بعض المحطات الإسرائيلية عرضه" وأضاف "أعتقد أن ما زال هناك الكثير من الكتب المحفوظة في بيوت بعض الإسرائيليين، ومن واجبهم على الأقل تسليمها لمكتبات الجامعات الفلسطينية إذا كانوا بالفعل لا يعرفون لمن يسلمونهم، خاصة أن ملّاكهم الأصليين هاجروا أو لم يعودوا موجودين على قيد الحياة".

ودعا برونر الفلسطينيين إلى التوحد وتنظيم أنفسهم للمطالبة بإعادة هذه الكتب إلى مكتبات الجامعات الفلسطينية، إذ لا يمكن التخلي عن هذا الموروث الثقافي، وهذا عمل لا يمكن أن ينجزه شخص وحده، وعلى الفلسطينيين كجماعة طلب إعادة الكتب إلى أصحابها الأصليين.

وفي ردّه على سؤال إذا ما حاول برونر الوصول إلى أيّ ممن شارك في عملية "جمع" هذه الكتب قال إنه واجه الرفض والمنع، وكثير من أمناء المكتبات لم يرغبوا بالحديث معه بعد أن عرفوا عن طبيعة الفيلم، إضافة إلى أن عدداً ممن حاول الوصول إليهم في المكتبة الوطنية الإسرائيلية تجاهلوا طلبه، مما اضطره إلى تصوير بعض اللقطات داخل المكتبة مخاطراً بشكل سرّي ودون الحصول على تصريح بذلك.

ومن خلال الفيلم نجد أن المخرج قابل بعض الكتاب الذين سرقت محتويات مكتباتهم مثل المؤلف والكاتب الفلسطيني الراحل محمد البطراوي، الذي شهد عملية نقل هذه الكتب من مكتبته الخاصة من قريته أسدود، إذ قال البطراوي "رأيتهم وهم يشركون أمناء المكتبات مع الجيش الإسرائيلي وعناصر من الهجاناه ويجمعون الكتب في صناديق خاصة ومنفصلة ووضعوها في سيارات لا أعرف أين كانت وجهتها آنذاك".

أما ناصر النشاشيبي المؤلف والكاتب المقدسي فقد تحدّث عن سرقة مكتبة خاله إسعاف النشاشيبي الذي ترك موروثاً ثقافياً وكتباً ومخطوطات لا تقدّر بثمن، وقد تمكّن ناصر النشاشيبي من دخول المكتبة الوطنية الإسرائيلية والإطلاع على بعض الكتب تعود ملكيتها إلى خاله وعليها اسمه، وأحدها كتاب "المكرميات" للكاتب أحمد ناصر جودي الذي أهدى كتابه هذا إلى إسعاف عام 1945 مع التوقيع والإهداء الشخصي على صفحات الكتاب الأولى.

كما أشرك الفيلم الكاتبة غادة كرمي التي دخلت إلى فناء بيت والدها المسلوب في حيّ القطمون، وعادت في الذكرى إلى صورة والدها وهو جالس على كرسيّه ومن خلفه رفوف الكتب التي جمعها طوال عمره، وقد تحدّثت عن عمله على قاموس إنجليزي عربي عمل على جمع الكثير فيه، وقد كان عملاً استثنائياً اضطر للتخلي عنه مع عدد كبير من الكتب حين هجّروا عام 1948. كما أشارت كرمي إلى مكان بيت الكاتب والمؤلف الفلسطيني خليل السكاكيني وتحدّثت عن أعماله وكتبه التي سرقت من منزله عام النكبة، والكثير منها موجود ضمن الكتب الستة آلاف الموجودة في على رفوف المكتبة الوطنية الإسرائيلية.

في حين يرينا الفيلم كيف تمكن المؤلف وكاتب السيناريو الفلسطيني علاء حليحل من استعارة أحد هذه الكتب وأطلعنا على توقيع خليل السكاكيني على أحد صفحات الكتاب، في الوقت الذي تساءل فيه حليحل "إذا كان الإسرائيليون يعتبروننا كعرب لا نستحق الاهتمام وأقل منهم في ثقافتنا وطبيعتنا وحضارتنا، لماذا لا يعيدون لنا هذه الكتب إذا لم تكن قيّمة ولا تستحق الاهتمام؟".

أما المؤرّخ الإسرائيلي إيلان بابيه فقال في مقابلة معه من خلال الفيلم "لا يهمني ما الطريقة التي حفظت فيها هذه الكتب، ما يهمني حقيقة هو عودة هذه الكتب إلى المكتبات الفلسطينية" ويضيف "إن الإسرائيليين يعملون من خلال سرقة هذه الكتب على محو ومسح التاريخ الفلسطيني بطريقة أو بأخرى، وهو أمر عنصري ومرفوض كلّياً".

وفي تعليقه على الفيلم قال محمود منى منسق النشاطات في مقهى الكتاب الثقافي التابع للمكتبة العلمية في القدس أن الفيلم "ضوء جديد ومثير يسلط على عنصر مهم في الكارثة التي يعاني منها الشعب الفلسطيني وثقافته منذ عام 1948، وهو وثيقة تقشعر لها الأبدان وتدل على بشاعة وفاشية الكيان الصهيوني منذ نشأته. وإن ما يتغنى به من ثقافة وحضارة هو إرث مسروق ومنهوب من بقايا حضارة الشعب العربي الفلسطيني".

وتأتي أهمية الفيلم من منطلق أنه يدحض الدعاية الإسرائيلية بأن الفلسطينيين هم "شعب بلا ثقافة"، كما يهاجم بقوة السرد الأخلاقي والبطولي الإسرائيلي لحرب عام 1948، فهو وبصورة مقنعة يفكك التاريخ وينبش الماضي ليروي حقيقة ما حصل أيام النكبة الفلسطينية. وفي هذا السياق يستخدم المخرج بأضافه للمقابلات مع المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه والمؤلفة الفلسطينية الشهيرة غادة كرمي، والمؤرخ الاجتماعي محمود يزبك: الكاتب المحامي الفلسطيني عزيز شحادة من الناصرة، وأمين مكتبة الجامعة العبرية السابق اوري باليت، وآخرين من الذين عملوا على فهرسة هذه الكتب في بداية الستينات.