الانتخابات وحدها ليست مدخلا إلى المصالحة

بقلم: مصطفى إبراهيم


إن إصرار الرئيس محمود عباس على إجراء الانتخابات، وعدم إخفاء رغبته في العودة إلى المفاوضات مع إسرائيل، على الرغم من أن المجتمع الإسرائيلي ينزاح أكثر فأكثر نحو اليمين والتطرف والعنصرية، (تشير استطلاعات الرأي المتعلقة بالانتخابات الإسرائيلية التي ستجرى قبل نهاية الشهر الجاري إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سيؤلف الحكومة المقــــبلة التـــي يتـــوقع أن تكون الحكومة الأكثر يمينية) يثيران شكا في إمكــانية التوصل إلى اتفاق لإنهاء الانقسام في النظام السياسي الفلسطيني. ويبدو من الصعب أن يتوصل الطرفان المتخاصمان إلى إنهاء الانقسام ما لم يتم تطبيق ما تم الاتفاق عليه في القاهرة ثم في الدوحة، والأخذ بما تم الاتفاق عليه كرزمة واحدة، خاصة بعد ما تم تحقيقه من إنجاز بفعل صمود المقاومة في التصدي للعدوان الأخير على قطاع غزة، والحصول على صفة الدولة غير العضو في الأمم المتحدة، والأجواء الايجابية التي تلت ذلك في الضفة والقطاع، وصولا إلى تنظيم مهرجان لم يسبق له مثيل في غزة، في الرابع من كانون الثاني الجاري، احتفاء بذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية وحركة فتح. وفي هذا المناخ تزداد الحاجة حقاً إلى اقتناص الفرصة وتوظيف الانجازات والانتصارات المعنوية، وأجواء الوحدة وتضامن الفلسطينيين من أجل المضي في إجراءات إتمام الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، وبناء ما دمره الاحتلال في غزة، وإعادة الثقة للفلسطينيين في نظامهم السياسي من خلال إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية التمثيلية.
اتفاق يعيد إنتاج الخلاف
الانتخابات هي مبدأ مهم من مبادئ الديموقراطية، وهي مدخل لتداول السلطة في النظام السياسي الفلسطيني. هكذا يجب أن يكون الوضع في منظمة التحرير أو في السلطة الفلسطينية. ومع أن الحال الفلسطينية كانت تقوم على الشراكة والتوافق السياسي إلى حد بعيد، إلا أن دخول حركة حماس إلى النظام السياسي الرسمي على مستوى السلطة بعد فوزها في انتخابات 2006، من دون توافق على قواعد النظام السياسي الفلسطيني، قلب المعادلة. وبمطالبتها بدخول منظمة التحرير الفلسطينية واقتسام السلطة وسيطرتها على قطاع غزة في العام 2007، وعدم تقبل حركة فتح ـ من حيث الممارسة العملية ـ لنتائج الانتخابات، وبحركة حماس كحركة سياسية فازت في الانتخابات ورؤيتها السياسية، بات النظام السياسي الفلسطيني منقسما وملتبسا، وهو ما ساهم في تعقيد الأمور أكثر فأكثر.
بعد خمس سنوات من الانقســام، توصـــل الفريقـــان المتخاصمان إلى اتفاق سرعان ما أعاد الاختلاف إلى الواجـــهة مرة أخرى، ولا سيما على السؤال التالي: هل نؤلف الحكومة ونشرع في عملية إعادة بناء منظمة التحرير كرزمة واحدة قبل الانتخابات، أم تتم الانتخابات أولا كما يريد الرئيس محمود عباس عبر تأليف حكومة انتقالية ذات مهمة تكاد تكون وحيدة، هي التحضير للانتخابات خلال فترة محدودة؟!
المنظمة والسلطة وتجديد " الشرعيات"

في العادة لا تخضع حركات المقاومة لإجراء الانتخابات تحت الاحتلال قبل الاستقلال، وهو أمر صعب وله حساسيته، ومع هذا فالواقع الفلسطيني القائم له خصوصية أيضاً لا يمكن التخلص منها بسرعة، وليس سهلا التراجع عن «مكتسبات الأمر الواقع» في الضفة والقطاع، ونحن على هذه الحال، حيث يتمسك كل طرف بالسلطة، وله رؤية سياسية مختلفة ومتباينة عن الآخر. فالانتخابات التي أجريت في الأراضي الفلسطينية، وخاصة في مؤسسات السلطة، أحدثت نقلة في النظام السياسي الفلسطيني، لكنها بقيت غير مكتملة، فهي لم تشمل منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، وبقيت حركة فتح تتحكم بها، علاوة على كونها تعاني أمراض التفكك والإهمال والفساد، حيث إن هناك حاجة ملحة إلى إصلاح جذري في مؤسساتها.
لا شك في أن الانتخابات مهمة وضرورية لتجديد الشرعية ولإعادة الاعتبار للنظام السياسي الفلسطيني من خلال التوافق على رؤية سياسية واحدة وتأليف حكومة موحدة، لكن هذا يتطلب إجراء الانتخابات في مؤسسات منظمة التحرير (المجلس الوطني) لإعادة ترميمها وإصلاحها، وفي المجلس التشريعي والرئاسة.
على افتراض أن حركة حماس وافــقت على إجراء الانتخابات، وسمحت للجنة الانتخابات المركـــزية باستئناف عملها في تحديث سجل الناخبين في قطاع غزة، فهل سيكون هناك اتفاق فوري على تأليف الحكومة؟ وما هي تداعيات عدم تعهد اللجنة الرباعية الدولية المتمثلة بالأمم المتحدة وروسيا والاتحاد الاوروبي والولايات المـــتحدة باحترام نتائج الانتخابات، والتزام عدم فرض حصار جديد على الشعب الفلسطيني إذا فازت حركة حمـــاس مرة أخرى؟ ولماذا يصر الرئيس محمود عباس على إجراء انتخابات على مستوى السلطة تشرف على التحـــضير لها حكومة تكنوقراط انتقالية قبل استكمال خطوات المــصالحة، بما في ذلك تفعيل الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التــحرير وفق الصلاحيات والمهمات المنصوص عليها في اتفاق المصالحة، فضلا عن الشروع في التحضير الفعلي لإجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني؟ وهل ستجـــبر اللجنة الرباعية الدولية إسرائيل على السماح بإجراء الانتخابات في القدس، وفي المناطق المصنفة (ج) الخـــاضعة لسيطرة الاحتلال وتشكل غالبية أراضي الضفة الغربية، علماً أن إسرائيل تستطيع إفشال الانتخابات برمتها بعدما أعلنت ان كتلة التغيير والإصلاح التابعة لحركة حماس منظمة «إرهابية»، ولن تسمح بمشاركتها في الانتخابات، ومن سيمنعها من اعتقال أعضائها وممثليها في المجلس التشريعي كما حدث بعد انتخابات 2006، حين عطلت عمل المجلس التشريعي ومنعت أعضاءه من حرية الحركة؟
إن الإصرار على إجراء الانتخــابات بينما الوضع الفلسطيني ما زال هشاً وضعيفاً في ظل حــصار متواصل على قطاع غزة، وفي وقت لم تتم فيه إعادة إعــمار ما تم تدميره في عدوان العام 2009-2008، وكذلــك وما تم تدميره في عدوان الأيام الثمانية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، ومع تزايد الدعوات لإعادة النظر في دور السلطة، يثير تساؤلات عن جدوى هذه الانتخابات الـــتي تعني تمديد أجل سلطة الحكم الذاتي القائمة في ظل استعصاء تحولها إلى دولة مستقلة ذات سيادة في سياق انغلاق أفق العملية السياسية.
إن إسرائيل لا تزال تماطل في رفع الحصار عن الضفة وغزة، ويبدو أنها لن تنهيه كاملا عن القطاع من دون اقتراب «حماس» من تلبية شروط «الرباعية» الدولية، وكذلك مطالبتها حركة حماس بالتخلي عن المقاومة، والأخيرة تفهم أن إجراء الانتخابات بهذه الطريقة هو محاولة للتخلص من المقاومة بموافقتها، كما يواصل الاحتلال إجراءاته الاستيطانية وتهويد القدس، وفرض واقع يومي في الضفة الغربية، إضافة إلى الاعتقالات وانتهاكات حقوق الانسان المستمرة.
اتفاق رزمة وتنفيذ بالتوازي
حتى لو وافقت حركة حماس على إجراء الانتخابات كما يريد الرئيس عباس وحركة فتح، أي من دون التوصل إلى اتفاق الرزمة، ومن دون تأليف حكومة ذات مهمات تفوق مجرد التحضير للانتخابات وإعادة إعمار قطاع غزة، لتشمل إعادة بناء المؤسسات المدنية والأمنية وتوحيدها في الضفة والقطاع، فمن سيضمن عدم قيام الأجهزة الأمنية التابعة لكل من الطرفين في منطقة ولايته بتوفير متطلبات الحماية وتوفير مناخ ديموقراطي والسماح بحرية العمل السياسي وعدم تكرار مظاهر الاعتقال السياسي ورفع القيود عن الحريات العامة وحرية التعبير، واحترام حقوق الانسان والتعددية، وجميعها شروط ضرورة لضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة؟
في ضوء ذلك، يبدو الرهان على انتخابات تحل مشكلات الفلسطينيين، و«تحسم» الخلاف الانقسامي القائم، خطأ يوازي إعادة استنساخ تجربة انتخابات 2006، حين أجريت من دون الاتفاق على استراتيجية وطنية موحدة تجمع الكل الفلسطيني وتعيد الاعتبار إلى القضية الفلسطينية، فضلا عن ضرورة التوافق على أسس الشراكة السياسية التي تكفل حق الاختلاف على قاعدة الوحدة في إطار منظمة التحرير بصفتها المرجعية الوطنية العليا والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
إن الانتخابات وما قد يترتب عليها ليست هي المدخل الصحيح لحل مشكلات الفلسطينيين وأزمة نظامهم السياسي، وعليهم قبل ذلك الخوض في تفصيلات كثيرة ومعقدة، وأصحاب النيات الطيبة هم من يفكرون بأن الأمور تسير بسهولة ويسر.
في الحالة الفلسطينية أصبحت الانتخابات، بحسب مفهوم يعتبرها أداة أو وسيلة لحسم الصراع الداخلي، لا محطة لتطوير النظام السياسي الديموقراطي التعددي، عبئا على القضية الفلسطينية، ولن تحل مشكلاتهم وهم مختلفون سياسيا. ومن دون التوصل إلى توافق بين «حماس» و«فتح» وباقي الفصائل الفلسطينية على أسس جديدة للنظام السياسي الفلسطيني، لن يتم تحقيق الهدف المرجو من الانتخابات، وهو إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، وضمان المشاركة والتعددية والتزام المرجعية الوطنية العليا ممثلة بمنظمة التحرير. ففي الحالة الفلسطينية، أدت الانتخابات إلى تعميق أزمة الفلسطينيين، وعلى الرغم من أن حركة حماس محقة في مطالبتها بتطبيق الاتفاق كرزمة تشمل جميع الملفات، إلا انها تحاول، بدورها، الاستفادة من الواقع العربي الجديد في ضوء تطورات ما يسمى «الربيع العربي»، وخاصة بعد فوز جماعة الإخوان المسلمين في مصر ودول عربية أخرى، وهي تحاول استغلال ذلك لمصلحتها، وفرض شروط جديدة على حركة فتح والسلطة، ولا سيما بعد تحقيقها إنجــازا عسكريا في التصدي للعدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، بطريقة تشعرها بأنها باتت في موقف أفضل من السابق.
لإتمام المصالحة الفلسطينية يجب إعادة الاعتبار إلى النظام السياسي الفلسطيني، وأي خطوات غير جدية للتهرب من تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، ستبقي الوضع الفلسطيني عرضة للخطر. ومثل هذه العملية تعني من حيث الجوهر إعادة الاعتبار إلى المشروع الوطني الفلسطيني وتعزيز قدرة الفلسطينيين على تحقيق أهدافهم، وهذا لا يأتي من خلال إجراءات شكلية واستمرار الخلاف على تنفيذها، أو تعميق الانقسام من خلال التوافق على إدارته بدلا من إنهائه، بما يتيح عمليا لكل طرف تعزيز سلطته وصولا للانفصال النهائي عن الآخر. ومع عدم الاتفاق بين حركتي فتح وحماس على صيغة للتوصل إلى إنهاء الانقسام وإتمام المصالحة، يظل الأفضل للفلسطينيين للتغلب على العوائق الداخلية والإقليمية والدولية، ان يتوافقوا على استراتيجية وطنية قائمة على برنامج الحد الأدنى والتمسك بالثوابت الوطنية والشراكة السياسية، بدلا من الذهاب إلى انتخابات تهدد بإعادة إنتاج الانقسام وهم في هذا الحال من الاختلاف.

* كاتب وناشط في مجال حقوق الإنسان مقيم في مدينة غزة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت