لن نمل الحديث

بقلم: آمال أبو خديجة

لن نمل الحديث
لقد تحدثنا كثيراً عن أهمية المسارعة للمصالحة الفلسطينية الذي أصبح الحديث عنها يصيب النفس بغصة الألم لكثرت تكرار الحديث دون أذن تسمع ولا قلب يعي وهي الحق الأساس للمجتمع الفلسطيني وإلزاميه للقيادات الفلسطينية مما يُبقى الفكر مشغولاً دوماً بها وفي كيفية إقناع المسئولين لضرورة إحلالها على أرض الواقع دون تأخير قبل فوات الآوان .
المحيط والقضية
من الواضح أن كل الدلائل في داخل فلسطين وخارجها توحي أن الفلسطيني لا معين ولا مساند له إلا وحدته الداخليه والإلتفاف حول قضيته فالتعويل على الخارج سواء من العرب أو الغرب بات لا يقدم للشعب الفلسطيني الكثير وسرعان ما يتلاشى مع أحداثه الداخلية، فالعالم العربي غرق في أزماته السياسية والإقتصادية والعالم الغربي ينحاز أكثر لنصرة الكيان الصهيوني ونصرة تحالفاته التي تحقق مصالحه وآخر ما ينظر إليه الآن هو القضية الفلسطينية وإن وقعت النظره تكون قاصرة عرضية لا ترى إلا حق الصهيوني أما الفلسطيني لا يلتفت إليه بشيء إلا القليل .
الإحتلال والقضية
أما الأوضاع داخل فلسطين فالإحتلال الإسرائيلي كل يوم يُعلن عن قراره ببناء وحدات إستيطانية جديدة لا تقل عن الألف وحدة تقريباً على أراضي الضفة الغربية والقدس المحتلة فتصادر الأراضي عنوة من أصحابها الأصليين وتزداد السجون الإسرائيلية بأعداد الأسرى والمعتقلين الفلسطينين، ويُأكل التاريخ في كل زاوية و مكان في القدس والخليل وكل بقاع الأرض الفلسطينية وتُهود المعالم الدينية والأثرية بإسم التاريخ الصهيوني وتوضع المخططات لقيام الدولة اليهودية الممتدة من غرب البلاد وشرقها ومن ضمنها الضفة الغربية والقدس المحتلة كل ذلك يمارس بعنجهية وظلم دون أن تلقي بالاً لقرارات أممية ولا قوانين دولية ولا عودة للتفاوض وإقامة حل الدولتين كما تدّعي .
جاءت المفاوضات لتُعقد من جديد تحت رعاية و وصاية أمريكية بحته لتدور أحداثها في الخفاء ليُفاجأ الجميع بالسيناريو الآخير الذي رسم بحق القضية الفلسطينة بعيدا عن إزعاج المعترضين ، تخرج بقراراتها وتقسيماتها بعد تسع شهور من المخاض الذي لا يُعلم ما وراءه هل وليد يكون بإعاقة مستدامة أو وليد ميت لا روح فيه لإختناق أعضائه .
ومع ذلك بقي الإحتلال الإسرائيلي يمارس عدوانه كما كان قبل عودة المفاوضات والوعد بتقليل العدوان وتحسين الظروف ، بل أصبح أشد شراسة حيث الإجتياحات ودخول المخيمات في الضفة الغربية وإيقاع الشهداء بعد إختراق حرمة البيوت دون وجه حق وزيادة الإعتقالات التي لا تقف يوما أمام صغير أو كبير أو رجل أو إمرأة ومصادرة الأراضي والممتلكات .

لماذا إجتياح المخيمات في هذا الوقت ؟؟
لا يخفى على ذو لُب أن سبب الإجتياح الإسرائيلي للمخيمات في هذا الوقت داخل الضفة الغربية وتزامنه مع عقد المفاوضات هو رسالة للاجئين الفلسطينين أن لا يطالبوا بجعل قضيتهم على أولويات التفاوض وما عليهم إلا التفكير أن لا حق لهم بأرض النكبة والنزوح ، ، وهو رسالة للقيادات الفلسطينية أن ما يُعقد من مفاوضات ستأتون إليها لن يدور فيها إلا ما نريد ونمليه نحن وليس ما تطالبون به وأهم ذلك هو قضية اللاجئين في داخل وخارج فلسطين ، وهو رسالة للشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية بسهولة وضع اليد على ما تريده قواتهم المحتلة متى أرادت لتدخل وتشوح وتلوح وتأخذ وتعتقل وتجتاح ما تريد دون أن يصدها أحد فالإدراة والغلبة ستبقى في يد قواتها وليس في يد رجال الأمن الفلسطيني ، وهذه رسالة للحلم الفلسطيني أن تحقيق دولته المستقلة وإعادتها على خريطة العالم ما هو إلا أضغاث أحلام ولن تكون هنا دولة أخرى إلى جوار دولتهم اليهودية التي ستمتد على أراضي الضفة الغربية ، وما التفاوض إلا لعب بالأوراق والأوقات ودراسة لتوقعات المستقبل الذي يحقق المصلحة الإسرائيلية أولاً .

فوضى الإشاعة والفتن
لا أتوقع أي فلسطيني صغير أم كبير لم يضع يده على قلبه ويُصاب بفزعة الخوف لما يُمكن أن يحدث داخل فلسطين من فتنه الإقتتال الداخلي والفوضى بعد ما حدث من أحداث داخل مخيم عسكر في نابلس قبل يومين من مواجهة ما بين المواطنين وقوات الأمن الفلسطينية الذي أسفر عن مقتل مواطن فلسطيني من الأسرى المحررين وبغض النظر عن كواليس ما دار من أحداث ومن يرى الحق إلى جانبه فما يعانيه المجتمع الفلسطيني ويتجرع من كأسه كل يوم أكبر من أن يجعله يحتمل تلك الفتنه لو كبُرت وعمّت لا قدر الله والتي ستبيد أمنه واستقرار القليل بيديه .
السؤال مرة أخرى لماذا المخيم ؟
لا بد للإحتقان الداخلي لشعور القهر والحرمان والفقر والإحساس بعدم العدل وفقدان أرض الجدود يُبقى اللاجيء الفلسطيني زيادة عن غيره معرضاً للإنفجار الداخلي وتطارده معها ألام التهجير وأمل العودة للأرض والديار ، كما أن تدني مستوى المعيشة والفقر وفقدان العدالة الإجتماعية وازدياد أعداد البطالة في صفوف الشباب الجامعي وغيرهم وقلة الدخل وإرتفاع الأسعار وازدياد التكاثف العمراني والسكاني والأحوال العامة الداخلية والخارجية المحيطة بأبناء المجتمع الفلسطيني واللاجئي الفلسطيني على قصد التحديد كل ذلك لا بد أن يجعل الجميع يقف على حافة إنتظار الشرارة عند الإحتكاك مما يؤدي للثورة و التمرد على من يدير البلد ويُسيرها ليلتفت إلى حالهم وينظر إلى قضاياهم ويشرع في علاج مشكلاتهم ولملمت جراحهم .
لكن من يُخشى منه أن لا يلتفت المسئولين وأصحاب القرار والقيادات إلى مطالب الناس وإحتجاتهم في الوقت المناسب بل ترد عليهم بالعقوبة والتأديب مما سيشعل لا قدر الله حالة الفوضى التي لن ترحم أحدا ، كما أن ما حدث في مخيمات الضفة الغربية ليس بعيدا عما يحدث في مخيمات قطاع غزة من الفقر والجوع والبطالة والمعاناة اليومية والعدوان والحصار الصهيوني ولعل معاناتهم أشد وأكثر ألماً .

إلى متى ؟؟
هذه الظروف قليلة الوصف لما يدور في حياة الشعب الفلسطيني ويحوم حول قضيته العادلة لتُجهض دون أن يُعلم لها إسم أو تاريخ ، وكثرة المعاناة اليومية لأبناء المجتمع لصعوبة الأوضاع الإقتصادية وتعقد الحياة الإجتماعية وضعف الأداء والإمكانات في أنظمة الحكومة الفلسطينية وعدم وضوح الأفق السياسي والثقة بالمفاوضات والسلام المزعوم ، وما يحيط بالمنطقة من تلويح بحدوث حرب مسعورة لن ترحم أبناء الشعب الفلسطيني أينما وجدوا في مخيمات اللجوء أو الداخل أو حتى المدن الفلسطينية فمهما يكون القاذف للنيران عربياً أم أعجمياً فلن ينجو الفلسطيني من حرها .
وفي ظل ضعف الدور العربي في الدفاع عن القضية وحمايتها وتعزيز التضامن والمطالبه بالحقوق المشروعة وانشغاله لما يدور داخله من نزاعات على السيادة والديمقراطية ، كل ذلك وغيره ما زال حتى الآن لم يقنع الأحزاب السياسية المتصارعة أن تسارع لتحقيق المصالحة الفلسطينية وجعلها الأولوية الأولى فوق كل الأولويات والمصالح لحماية المواطن الفلسطيني ووجود قضيته التي تودع الرحيل الآخير قبل فوات الآوان .

آمال أبو خديجة


جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت