جوعى الوطن العربي

بقلم: محمد علي الحلبي

هل خَفتَ صوت الحق والإنسانية في عالمنا المعاصر؟!.....سؤال محيّر يردده الكثيرون في أصقاع الدنيا، وبشكل حاد في بلدان العالم الثالث والوطن العربي من ضمنه.

هل تغلبت لغة القسوة على ما سواها من قيم وأخلاق، وسموّ فردي وأممي؟!.....ألسنا نرى أن نظرية المصالح باتت تسود جميع جوانب الحياة حتى انعدمت الغيرية وسادت الأنانية؟!.....

 

في بيان أصدرته مجموعة التقييم للعلوم الزراعية والتكنولوجيا من أجل التنمية التي ترعاها الأمم المتحدة جاء فيه"إن تحرير تجارة الأغذية في الدول النامية قد يعرقل مساعي تخفيف حدّة الفقر،ويضر بالبيئة،كما أن فتح الأسواق أمام المنافسة الدولية قد يجلب بعض المزايا الاقتصادية لكنه قد يؤدي إلى آثار سلبية على الأجل الطويل لتخفيف حدة الفقر،والأمن الغذائي،والبيئة" وقد وافقت على البيان 60دولة منها البرازيل،الصين،فرنسا،والهند فيما تقدمت الولايات المتحدة وأستراليا وكندا بتحفظات عليه ضماناً لمصالحها ، لكن وفي المقابل ينبري"روبرت زوليك"رئيس مجموعة البنك الدولي السابق ليطالب أثناء توليه منصبه "باتفاق جديد لمكافحة الجوع وسوء التغذية ضمن مزيج من المعونات الطارئة مع الجهود الطويلة الأمد لتعزيز الإنتاجية الزراعية في البلدان النامية،ومجدداً لا يحيد عن السياسات الاقتصادية الأمريكية غير الإنسانية في التركيز على المساعدات المشكوك بتنفيذ أغلبها لأن لها شروطاً مجحفة،وفي مقدمتها السياسية ففي هذا الزمن التعيس لا عطاء بلا ثمن،ويوصي بعد اعترافه بأن3,5مليون طفل يفارقون الحياة سنوياً نتيجة سوء التغذية مطالباً باستمرارية نظام التجارة الحرّة متناسياً أن المساعدات تصبّ بشكل جيد في جيوب الاحتكارات لأمد بعيد يطول أجله , خلاله تكون خطط التنمية الوطنية ومشاريعها قد لاقت وجه النهاية والعدم ،ولتثبيت هذه الحقيقة والتثبت منها،فالبنك الدولي وفي تقريره لعام2009بيّن أن1,6مليار في العالم يعيشون تحت خط الفقر،وتشارك الجامعة العربية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الرأي في تقريريهما عام2009أن حوالي140مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر من أصل376مليون نسمة عدد سكان الوطن العربي أي ما يعادل27%في القياس النسبي،ومقياس خط الفقر يعني حصول الفرد الواحد على دخل يعادل12.5دولار يومياً لتلبية احتياجاته خاصة الأساسية،وعدد جوعى العالم325مليوناً في عام2012،وعدد الجوعى في العالم العربي تضاعف مرتين حيث قفز من29مليوناً عام1993إلى50مليوناً حالياً بسبب غلاء الأسعار ونقص المخزنات الغذائية وفق ما جاء في تقرير منظمة الأغذية والزراعة الدولية(الفاو)،لكن الأشد خطراً وإيلاماً أن يأتي تقرير"اوكسفام"أكبر المنظمات الخيرية الدولية المستقلة في رسمها للواقع اليمني بأنه على شفير أزمة غذاء عالمية،فهناك10ملايين شخصً أي 44%من السكان ينامون كل ليلة وهم يتضورون جوعاً،ومليون طفل منهم مهددون بالموت جراء سوء تغذية حاد.

 

ولمزيد من التفاصيل عن هذه المعلومات الهامة،فسكان الريف في الوطن العربي يعادلون حوالي48%من مجموع السكان تعتمد الغالبية العظمى منهم في نشاطها الاقتصادي على الزراعة،وفي عام1995تراجعت نسبة العمالة لتصل إلى حوالي36%من إجمالي القوى العاملة بنتيجة الهجرة من الريف لضعف الخدمات الأساسية فيه،ومساحة الوطن العربي حوالي1402.25مليون هكتار ، والأراضي القابلة للزراعة198.20مليون هكتار،وفي عام1996بلغت مساحة الأراضي المزروعة66.24مليون هكتار،ومساحة الأراضي الحراجية74.21مليون هكتار تشكل أقل من5%من الرقعة الجغرافية للوطن العربي،وتبلغ مساحة المراعي502.14مليون هكتار،أما الأراضي المروية فتبلغ 11.12 مليون هكتار ،وباقي الأراضي التي تزرع تعتمد على مياه الأمطار،وبفعل عوامل إضافية عدة منها محدودية المياه،وازدياد ملوحة التربة ونقص المياه الجوفية بسبب الاستنزاف الجائر للموارد المائية،ولعدم استعمال الطرق الحديثة في السقاية،واستمرار وجود الضرائب المباشرة على الزراعة،وتلاعب التجار الوسطاء بالأسعار وتحويلها لجيوبهم،وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج كان لابد من إيجاد الحلول للصعوبات التي تعترض نشاط المنتجين رغم أن هذا القطاع حقق نمواً في بعض الأقطار بين عاميّ1970-1980إلا أن معدلات زيادة المواليد كانت تستهلك النسبة الأكبر منها، كما وأن الميزان التجاري يشير بجلاء ووضوح إلى الخلل البيّن في العملية الإنتاجية،ففي عام1981وصلت قيمة الواردات الزراعية إلى حوالي21.2مليار دولار،وتزايدت بمعدل قدره26%خلال الفترة بين1970-1980، بينما بلغت الصادرات الزراعية عام1981حوالي3.1مليار دولار،وبذا تكون نسبة الصادرات5%قياساً مع الواردات،ومؤخراً وفي عام2011كشف ممثل الصندوق القومي العربي السيد أسعد مصطفى مبينا أن العجز في الميزان التجاري الزراعي العربي في تصاعد مستمر حيث بلغ46مليار دولار عام2009مقابل23مليار عام2000،وأن الفجوة الغذائية تشكل15%في قطاع الحبوب ،وأرقام الثروة الحيوانية وتوابعها ليست أحسن حالا في اللحوم الحمراء،ولا في الدواجن والبيض،ولا في السمك والألبان،وهكذا فمن الجليّ والواضح أننا أمام أزمة في أمننا الغذائي فاستهلاكنا يتزايد من خلال الغطاء الاستيرادي لمعظم احتياجاتنا بينما المساحات الشاسعة لدى أمتنا غير مستثمرة،وإن استثمر جزء منها ففي حاجة لتطوير في كل مكونات العملية الزراعية،والحقائق المؤلمة تشير إلى ضعف في التجارة البينية - العربية...العربية - في الأرقام حيث لا تتوفر الإرادة السياسية لتكامل الاقتصاد الزراعي،وتأمين الأمن الغذائي،وإتاحة الفرص لليد العاملة،وتوفير السلع الغذائية بأرخص الأسعار،والحفاظ على الثروات المادية،وبذا تحصد و تُجمع كل حسنات هذا القطاع الأساسي في الحياة اليومية،لا بل العمل على تصنيعه وتصديره،والمؤسف أن الإجراءات العربية في هذا المجال كانت دون المستوى المطلوب بكثير في هذا المجال ففي حزيران من عام1950وافق مسؤولو الجامعة العربية على معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي،وفيها إشارة إلى التكامل ومن ثم الوحدة الاقتصادية،وفي عام1972اقيمت المنظمة العربية للتنمية الزراعية،وفي عام1980صدر ميثاق العمل الاقتصادي،وكالعادة عادت الإغفاءة الطويلة على هذا الجانب ليبدأ عقد ثلاث مؤتمرات قمة للبحث في جميع المواضيع المتعلقة بالاقتصاد العربي:

الأول في الكويت عام2009، الثاني في شرم الشيخ في مصرعام2011، والثالث والأخير في الرياض عام2013.

 

زمن طال أجله،وأغلب المواضيع مازالت تراوح مكانها،ودراسات المنظمة العربية للتنمية تُعدّ،والمقترحات تُرفع،لكن مع أمل ضعيف فالقمم الأخيرة حركت نسبياً الأوضاع وبدأ تلافي بعض العيوب،وزيدت الاستثمارات في صندوق التنمية وإن لم يزل بعض من اكتتبوا على زيادة حصتهم لم يسددوا كلا ً،أو بعضاً من المبالغ التي وَعدوا بها،والمناشدة من كل إنسان عربي تتركز اليوم على الاهتمام بهذا الموضوع لأهميته لتأمين الأمن الغذائي العربي وصولا ًللاكتفاء الذاتي تخلصاً من الشروط المجحفة بعمليات الاستيراد وخاصة السياسية ، والتزاماتها القاسية ,والصيغ لهذا العمل باتت سهلة ومعروفة،والمهم زيادة وتيرة التسارع من أجل الجوعى والأطفال،ومن هم تحت خط الفقر....المساحات المطلوبة للزراعة متوفرة، والسودان لوحده يُعرف بسلة الغذاء العربي،و رصد الاعتماد لإحيائها والانطلاق نحو ترسيخ شعار التكامل والاكتفاء الذاتيين ب :

1- ا لعمل على إزالة المعوقات التي تحدثنا عن بعض منها في المقدمة.

2- توجيه قسم كبير من الرأسمال العربي للاستثمار في مشاريع التنمية الزراعية،وتحسين أنظمة الريّ،وميكنة الزراعة،واستخدام التكنولوجيا والأساليب العلمية الحديثة مما يحقق فائدة للدول العربية صاحبة الرأسمال،ويؤمن تمويل المشاريع الزراعية للبلدان الزراعية الفقيرة،والبدء بإقامة مراكز علمية تعنى بتطوير كل البنى الزراعية:الري : ...رش....تنقيط...البذار المحسن والمطور،والذي يعطي كميات أوفر عند استزراعه،واستخدام أفضل أنواع الأسمدة في أوقاتها مع استعمال المبيدات للحشرات والأمراض التي تصيب الإنتاج،وإقامة المعامل لتصنيع وتعليب الأغذية.

 

وماذا لو خُصصت مناطق من أملاك الدولة لهذه الغاية؟!... ونُظمت, فكل ما ليس ملكاً للأفراد هو ملك عام شريطة أن تكون ملاصقة لمناطق الإنتاج لتمثل وحدة إنتاجية صناعية متكاملة تخفف من استغلال الوسطاء التجاريين،من أجل البناء عليها ضمن الشروط التالية:

1- يباع متر الأرض بسعر لا يزيد عن10%من سعر الأراضي المجاورة مضافة إليها قيمة الخدمات.

2- لحفاظ على نسبة50%منها أن تكون مشجرة.

3- إقامة أبنية لورش التحضير لمستلزمات الزراعة.

4- إقامة أبنية لورش تحضير المنتجات الزراعية والحيوانية للبيع،أو التصدير.

5- إعداد مقاسم بحسب الحاجة لإقامة مصانع تُعد الإنتاج للتسويق المحلي والعربي،والعالمي.

6- يسمح للجمعيات التعاونية بإدارة هذه المشاريع،بل يقدم لها كل دعم يشجعها على العمل.

7- تنظيم القرى كمثيلاتها في العالم المتحضر لتصبح أماكن راحة واستجمام .

 

وذات الفكرة يمكن تطبيقها على تنمية الثروة الحيوانية، واستزراع الأسماك، فطول الأنهار الداخلية العربية16.6ألف كيلو متراً،ومساحة الخزانات والسدود2.4مليون هكتار مع انطلاقة قوية لتأمين المراعي،وتخصيص مساحات منها للمربّين وللجمعيات التعاونية التي ستنشأ،ومساعدة الدولة لهم على استزراع المراعي بنباتات تحتاج إلى كمية قليلة من الماء كنباتات الأتربلكس والهوهبا،ويمكن اللجوء لتقليد دول متقدمة بوضع جرّة من الفخار أمام النبتة المزروعة فرشح مائها كافٍ للسقاية حيث تُملأ من حين لآخر.

 

الأمل كبير بزيادة الهمة....إنها قضية حياة،،وقضية استقلال ورفض للتبعية وواجب وطني أساسي .

نداء من قلب كل عربي....أرجو الله أن يستجيب له المعنيون بذلك.

 

دمشق: 11 - 10 - 2013

محمد علي الحلبي