في بلادي عمال بلا عمل

بقلم: عبد الجواد زيادة

أن تكون فلسطينيا يعني أن تعمل وتكد في سن مبكر، لتوافق أوضاعك لتحصيل مصاريف الدراسة، لذا عليك أن تعمل، فقد نشانا في ظل فقر مقذع، نتاج اللجوء والتهجير ألقسري، من قبل الاحتلال المقيت، وعائلاتنا الممتدة وأسرنا النووية كبيرة العدد، فطبيعة الشرق لا يؤمن بتحديد النسل، أو تنظيم عملية الإنجاب، والوضع الفلسطيني في ظل الصراع استوجب التكاثر، لتعويض الفاقد من الشهداء والأسري والجرحى، وللتوازن الديمغرافي مع الاحتلال الصهيوني الاحلالي.
هنا وجدنا أنفسنا أفراد في اسر نووية متكافلة، متوسطها لا يقل عن أربعة، وظرف البلاد السياسي والاقتصادي، بالكاد يتيح للآباء بعد شقاء، بجلب قوت اليوم، لسد رمق الأبناء بالحد الادني، من المأكل والملبس وأساسيات العيش الزهيد، فأنت تلبس حذاء وملابس أخيك الأكبر بعد أن ضاقت به، وتأخذ حقيبته البالية بعد أن ترتقها والدتك، وتخرج إلي مدرستك دون غذاء أو نقود، وتستلف كتب الدراسة من أقرانك، وتذهب سيرا علي أقدامك إلي مدرستك مهما بعدت.
كجيل اضطررنا للذهاب للعمل، باجر زهيد داخل الخط الأخضر ، مستغلين إجازاتنا المدرسية، لكي نعين آباءنا بالإعالة، أو لتخفيف أعباءنا عن كاهلهم، عملنا في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، في مجال الزراعة أو مصانع التغليف، اذكر إنني وأقراني، كنا من الهشاشة وضعف البنية وصغر السن، نتعاون لحمل صندوق البندورة، أو نتهاوي تحت ثقل بطيخة، توازي بوزنها ربع وزننا آن ذاك، أو نغفوا إرهاقا من الألم، لنعود فرحين رغم التعب، محملين بثمار ما نجني، ومصاريف زى المدرسة والحقيبة، للفصل الذي يلي، وهكذا استمر عملنا وفق نمونا الجسدي، وذهبنا لسوق العمل في مجالات أخري، لذات الهدف،
بعد ثلاث عقود من ذاك الزمن، الذي يفصل أبناء جيلي عن اليوم، ما زالت معاناتنا كفلسطينيين مستمرة، وأوضاعنا الاقتصادية تنحدر، من سيئ إلي أسوء، وما كان متاحا لنا، لم يعد متاح للأجيال التي تلتنا، فالخط الأخضر اقفل بوجه عمالنا، واضحي عشرات الآلاف متعطلين، والاقتصاد الوطني دمر بفعل ممنهج من قبل الاحتلال، ولا أفق قريب لمعالجة نسب البطالة المرتفعة، التي استشرت بين صفوف العمال والخريجين، ولولا رواتب الموظفين الحكوميين، وموظفي وكالة الغوث والمؤسسات الخاصة، وما تقدمه بعض المؤسسات الدولية العاملة في البلاد، لرأينا مشاهد الموت جوعا.
قد يري البعض في ذلك مبالغة، لكن أراها حقيقة لواقع مرير، يجب أن يتحفز الكل الوطني وذوي الاختصاص، من المؤسسات الحكومية والأهلية والنقابات العمالية، لوضع خطة إنقاذ تنموية عاجلة، فأوضاع العمال المتعطلين عن العمل قاسية جدا، والوضع الاقتصادي العام متردي للغاية، ونسب الفقر بارتفاع متواصل، من هنا يجب دق ناقوس الخطر، والبحث عن حلول خلاقة، تعزز الصمود في وجه الاحتلال، وتصلب الانتماء للوطن والمجتمع، فالفقر عدو الشعوب، وسبب الآفات الاجتماعية، فالجوعي لا يفكرون بالحرية بقدر تفكيرهم بقوت يومهم.
في يوم العمال العالمي، لأبي العامل رحمه الله، ولكل عمال فلسطين، عرفان وتقدير واحترام، ودعاء بفرج قريب، وكل عام وانتم بخير.


أ‌. عبد الجواد زيادة