صور.. "مزارعو الحدود" مشقة في الزراعة ومخاطرة في الحصاد

يعمل المزارع الخمسيني محمد النجار وأسرته (الزوجة والأبناء) بحذرٍ وخوفٍ شديد وترقب، خلال حصاد محصول الشعير من أرضه التي تقع على بعد أقل من 500 متر عن الشريط الحدودي بين قطاع غزة واسرائيل، خشية استهدافه من قبل قوات الاحتلال المتمركزة داخل الآليات العسكرية وأبراج المراقبة.
وعلى اطراف بلدة خزاعة شرق مدينة خان يونس ينتشر عشرات المزارعين في الصباح الباكر داخل أراضيهم الزراعية التي يُتاح لهم زراعتها بمشقة وعناء كبيرين بالمحاصيل الموسمية (قمح، شعير، عدس، حمص، فول.."، لخشيتهم من نيران قوات الاحتلال التي قد تطال أيٍ منهم بأي لحظة.
ويجلس المزارع النجار الذي يعتبر واحدًا من هؤلاء المزارعين بين سيقان محصول الشعير، فتارة يتلف لتفقد أبنائه ويحثهم على العمل بهمة عالية وبسرعة، وتارة أخرى للبرج العسكري الأوتوماتيكي المثبت عليه سلاح ثقيل، والجيبات المترجل من داخلها الجنود الإسرائيليين محيط البرج، خشية استهدافهم.
ويقول النجار لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "نأتي كل صباح في حدود الساعة السادسة لحصاد الشعير المزروع ما بين مسافة 500حتى 200 متر عن الشريط الحدودي، لكن نصطدم بإطلاق النار نحونا من البرج العسكري والجيبات بشكل مباشر في محاولة لطردنا".
ويضيف : "نعمل بخوف شديد ونحاول أحيانًا رفع راية بيضاء لكي يتوقف اطلاق النار نحونا، لكن يتواصل بشكل متقطع ومباشر نحونا، حتى يأتي المتضامنون الأجانب، برفقة عدد من مسئولي الجمعيات في البلدة، ويشكلوا دروعًا بشرياً أمام قوات الاحتلال، ويمنعوهم من إطلاق النار".
ويتابع : "يبقى الأجانب من حولنا فنشعر بطمأنينة ونعمل بسرعة لحصد أكبر كم من المحصول، حتى الساعة العاشرة صباحًا على أبعد تقدير نمكث داخل الأرض، ومن ثم ينسحب الأجانب، وفور انسحابهم لا يمكننا أن نبقى، وإلا سيتم اطلاق النار نحونا من قبل الاحتلال، وهذا ما حدث فعليًا في عدت مرات".
ولم يستطع النجار الذي بدت على ملامح وجهه التعب والإرهاق، بينما ينضح العرق من جبينه مع اشتداد حرارة الجو، فيما تشققت يداه من النباتات الشوكية التي تنبت بين المحصول، أن يُخفي خشيتهم من حرق الاحتلال للمحصول أو تجريفه بعد أن يغادروا الأرض.
ويشير "نزرع هذه الأرض بعناء مرة في كل عام (موسم الشتاء) لأن المحاصيل لا تحتاج لري تجعلنا نأتي ونخاطر بأنفسنا، فنزرعها ونتركها حتى تنبت وتجف في شهر أبريل ومايو، وعند حصادها نرى الموت أمام أعيننا وتحت أقدامنا عندما يثار الغبار من الأرض بعد كل رصاصة تطلق نحونا، بهدف إرهابنا".
وينوه إلى أنهم محرومون منذ نحو عشر سنوات من فلاحة أراضيهم لقربها من الشريط الحدودي، مما جعلها عرضة للتجريف والتدمير على يد الجرافات الإسرائيلية التي تتوغل أسبوعيًا بالمنطقة، وتجرف الأخضر واليابس، "فجرفتها عندما كانت مزروعة بالدفيئات، ومن ثم بالحمضيات وبعدها بالمحاصيل الموسمية."
ويشدد النجار على أن الأرض مصدر رزقهم الوحيد وواجب الجميع الوقوف بجانب المزارع ودعمه ومحاولة الحفاظ على قوت ولقمة عيشه الوحيدة وتعزيز صموده، مطالب كافة الجهات المختصة تقديم كافة مقومات الصمود والدعم المادي والمعنوي للمزارع.
ولا يختلف الحال كثيراً بالنسبة للمزارع محمد قديح عن نظيره النجار، فهو الأخر يقول لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "نأتي كل صباح لأرضنا الزراعية البالغة مساحتها نحو ثماني دونمات وتبعد أقل من 500 متر عن الشريط الحدودي، لحصاد محصول الشعير، ونتفاجأ بتمركز الجيبات خلف التلال ومحيط الأبراج العسكرية تنتظر وصولنا لتطلق النار نحونا بجانب الأبراج".
ويلفت قديح إلى أنهم لا يجدوا ما يحميهم من إطلاق النار (الغير مبرر) _حسب وصفه_ سوى افتراش الأرض حتى ينتهي، وما إنّ يأتي الأجانب تدب الطمأنينة بقلوبنا، ونعمل براحة إلى حدٍ ما، وما إن يغادر الأجانب تأتي الجيبات مُجددًا وتجبرنا على ترك الأراضي".
وينوه إلى أن المحصول لديه يفترض أن يُحصد بأسبوع أو عشرة أيام على أبعد تقدير، لكن يبقى نحو أسبوعين لعدم تمكنهم من العمل لساعات طويلة سوى بضع ساعات في الصباح الباكر بحماية الأجانب، ومن ثم يغادرون، مطالبًا كافة المؤسسات المعنية بتوفير حماية للمزارعين وإعمال القوانين الدولية التي كفلت الحق بالحياة.
وعلى مقربة من معبر صوفا شمال شرقي مدينة رفح ينهمك المزارع شادي معمر وعماله الخمسة من الصباح الباكر حتى المساء في حصد محصول الشعير داخل أراض زراعية تبعد نحو 800 متر عن الشريط الحدودي، وكأنهم في صراعٍ مع الوقت وهم يعملون.
ويقول أبو معمر لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء : "نقوم بحصد الشعير منذ أسابيع مبكرًا قبل أن ينضج بالكامل، خشية من تعرضه للحرق بفعل إطلاق قنابل ضوئية أو حارقة من قبل جنود الاحتلال نحو الأراضي الزراعية، كذلك نقوم بنقل ما نحصده يوميًا لمنطقة آمنة بعيدة عن الحدود".
مساحات يحرم منها المزارع..
بدوره، يقول مدير عام الإرشاد في وزارة الزراعة في غزة فتحي أبو شمالة إنّ "نحو 15 ألف دونم تقع على الحدود بعمق 350 متر لا يستطيع المزارعون الوصل لها والاستفادة منها، وهناك مناطق قريبة يمكن الاستفادة مهنا عبر زراعة القمح والشعير ولا يمكن زراعتها بالفواكه والخضروات، وفي ظروف غير آمنة يضطر المزارعين لحصدها قبل النضج مما يؤثر عليهم ويتكبدون خسائر فادحة، كما يحدث الآن".
ويضيف أبو شمالة : "موسم الحصاد شارف على البداية، محصول الشعير قبل القمح فالأخير ينضج بعد أسبوعين من الشعير"، مشيرًا إلى أن قطاع غزة واقع تحت حصار جائر، فبخلاف المناطق الغير آمنة، هناك ارتفاع مستمر في مستلزمات الانتاج حتى المتوفر لا يتحمله المزارع، ومشاكل منع تصدير الفائض من المنتجات بسبب إغلاق المعابر.
ويشدد "رغم كل المعوقات وما يمارسه الاحتلال من الاجراءات الجائرة إلا أن صمود المزارعين ووقوف الوزارة والمؤسسات والجمعيات، ساهم في أننا نتوقع بعام2014م اكتفاء ذاتي بالخضار والفاكهة بنسبة 75%، أما القمح والشعير يحتاج لمساحات شاعة والقطاع محدود المساحة."
ويتابع أبو شمالة "مهما قدمنا من دعم للمزارع نبقى مقصرين بلا شك، لكن نحاول مع المؤسسات تقديم ما يلزم، وقمنا بهذا الموسم بالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمساعدة 1000 مزارع بزراعة 5 آلاف دونم قمح ومدهم بالبذور وكميات من الأسمدة، وهذا جزء بسيط ويحتاج المزارع لكل احترام وتقدير ودعم".

عدسة "وكالة قدس نت للأنباء" رافقت مزارعي الحدود اثناء حصاد الشعير بالمنطقة الواقعة شرق خان يونس في هذا التقرير..

تصوير: عبد الرحيم الخطيب

المصدر: خان يونس – وكالة قدس نت للأنباء -