أمسك الخمسيني أبو أحمد بإحدى يديه يد زوجته الأربعينية المصابة بمرض السرطان في القلون والأمعاء، وبيده الأخرى أمسك بعدد من الأوراق والتقارير الطبية بما فيها التحويلة التي حصل عليها للعلاج بمعهد ناصر في جمهورية مصر العربية، وعيناه شاخصتين نحو الشخص الذي ينادي على أسماء المسافرين.
وبعد الجلوس نحو ساعتين بالصالة الخارجية لمعبر رفح البري بين آلاف المسافرين من الحالات الإنسانية، حالفه الحظ بعد أن سمع اسمه وزوجته، وصعد بالحافلة الخامسة، برفقة نحو خمسين مسافر أخر، لكنه لم يرتاح بعد بشكلٍ كامل، لتخوفه من بطء العمل بالمعبر من الجانب المصري.
وأعادت السلطات المصرية صباح اليوم الثلاثاء فتح معبر رفح البري، السماح للحالات الإنسانية "مرضى، إقامات، جوازات أجنبية، طلبة،.."، بعد إغلاقٍ دام لنحو 48 يومًا، ويشهد المعبر منذ الصباح تكدس للألاف من الراغبين بالسفر، على الرغم من تحديد آلية السفر مسبقًا من قبل إدارة معبر رفح.
معاناة متراكمة
ويقول أبو أحمد الأب لثمانية أبناء تتراوح أعمارهم ما بين خمسة أعوام و25 عامًا، لـ مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "أذهب لعلاج زوجتي من شهر سبتمبر عام 2008م، ولم أعاني من السفر، سوى منذ أشهر، جراء إغلاق المعبر لفترات، منذ عزل الرئيس محمد مرسي منتصف العام الماضي".
ويضيف _بنبرة ألم وخوف، وبدا عليه التعب_ "زوجتي بحاجة لجرعة علاج (كيماوي)، كل شهر ونصف، وعندما يتأخر فتح المعبر عن الموعد، تبدأ تتألم وتموت ألف مرة باليوم، ونحن لا نمتلك شيئًا، سوى الانتظار حتى يفتح المعبر ونسافر كغيرنا".
ويتابع أبو أحمد "التحويلة الطبية معي منذ نحو ثلاثة شهور، ولم أتمكن من السفر المرة الماضية عندما فتح المعبر، لوجود ازدحام شديد، وبقيت أنتظر منذ ذلك الحين، وأعيش أنا وأبنائي حالة سيئة وفي خوف وقلق، ونحن ننظر للمريضة وهي تتألم، وتُمسي وتضحي على حافة الموت..ّ".
ويستطرد "حتى أتى اليوم، وتم تسهيل سفرنا، بعدما تسليم جوازات سفرنا أمس، والأمور تسير بشكلٍ جيد، ونتمنى أن تسير بشكل جيد حتى الجانب المصري، لأن الوضع صعب جدًا، وزوجتي تشعر بألم بعظامها وهي تجلس بجواري".
ويشير أبو أحمد "كل تأخر بالعلاج يتسبب بانتكاسة صحية بحالتها"، ويتمنى وزوجته أن تتحسن حركة معبر رفح ويبقى مفتوحًا على مدار الساعة، ويستثني المرضى المزمنين والمصابين بأمراض خطيرة كـ "السرطان" خلال إغلاق المعبر لفترات طويلة.
معاناة الزيارة والعودة
وعلى بعد أمتار جلست الستينية فاتن عرفات على كرسي بجوار عدد من المُسجلين للسفر بالصالة الخارجية، ووضعت حقائبها بجوارها، وأمسكت "بعكاز" تتكئ عليه أثناء السير، وتنتظر أن ينادي العاملين بالصالة على اسمها لتصعد للحافلة.
وتقول عرفات لـ مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "جئت لغزة قادمة من دولة الإمارات بشهر فبراير الماضي لزيارة أهلي الذين يعيشون في قطاع غزة، ومنذ أن قدمت سجلت للسفر..!، وكان من المفترض أن أغادر مطلع شهر إبريل، لكن إغلاق المعبر لم يمكنني من السفر".
وتوضح عرفات أنها كانت ترغب بالعودة لعائلتها مُجددًا للإمارات قبل انتهاء الإقامة، لكن المعبر المغلق لفترة طويلة حال دون ذلك، مشيرة إلى أنها جددت التسجيل للسفر لدى مكاتب وزارة الداخلية في غزة السابقة أكثر من مرة، لحين تمكنت اليوم من السفر".
وتلفت إلى أن السفر أصبح مشقة كبيرة، فالقدوم لغزة معاناة والخروج منها معاناة أكبر، وبعد أن جربت وقدمت هذه المرة ستبقى تفكر ألف مرة قبل أن تأتي، متمنية أن يتم فتح المعبر على مصرعيه، "وتتحرك الناس بكل أريحية على جانبي المعبر، وتسافر الناس لأعمالها ودراستها ورؤية أقربائها..".
أولوية السفر ومعاناة العالقين
وقال رئيس هيئة المعابر والحدود ماهر أبو صبحة : "إنّ نحو 15 ألف مواطن من أصحاب الحالات الإنسانية ينتظرون فتح المعبر من أجل السفر، من بينهم 3800 مريض مع مرافقه، والباقي أصحاب إقامات وجوازات سفر أجنبية وطلاب دراسات عليا".
وأضاف أبو صبحة في بيان صحفي تلقت "وكالة قدس نت للأنباء" نسخة عنه "قدًّرنا من جانبنا على إعطاء الأولوية للمرضى ليتمكنوا من السفر خصوصاً بعد وفاة عدد منهم خلال فترة الإغلاق وأعلنا ذلك".
ولفت "توجه اليوم الآلاف من الراغبين في السفر (وكل منهم صاحب حق) لكن العدد المتاح لدينا قليل خصوصاً الحديث عن يومان أي بواقع 1500 مسافر في أفضل الأحوال، وهذا يعني بقاء 13500 مسجلين منذ أشهر هم بحاجة ماسة للسفر".
وناشد السلطات المصرية بفتح المعبر حتى يتمكن الجميع من السفر، "وهذا حق لنا على الشقيقة مصر، ونعتذر من أهلنا فنحن نبذل كل ما في وسعنا لكن المعطيات صعبة ونسأل الله تعالى الفرج القريب".
عدسة/ عبد الرحيم الخطيب
