إن البرود السياسي ظل ملازماً للعلاقة بين الحركتين، ويصعب فهم هذا وإدراكه من دون اللجوء إلى تفسير النشوء التاريخي حيث انبثقت النواة الأولى لحركة الجهاد الإسلامي من تنظيم الإخوان المسلمين الفلسطينيين في قطاع غزة، وذلك بسبب رفضها البقاء على خط الجماعة الهادئ تجاه مقاومة الاحتلال الإسرائيلي آنذاك، وبافتراق المجموعة الجهادية التي تغيرت قناعاتها الإخوانية في أوائل الثمانينات، وتأسيسها حركة الجهاد الإسلامي، وإعلان برنامج هذه الحركة، نشأت منذ البداية علاقة غير ودية.
وكان أساس هذه العلاقة هي نظرة الإخوان إلى حركة الجهاد كمجموعة منشقة عن التنظيم الأم، ونظرة حركة الجهاد إلى الإخوان في المقابل، كجماعة كبيرة لكنها مترددة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي بالكفاح المسلح، واستمرت النظرة غير الودية والمتسمة بالبرود السياسي هي المسيطرة على العلاقة الثنائية بين الطرفين.
وفيما بعد وتحديداً بعد نشأت السلطة الفلسطينية 1994م، حدث تقارب كبير بين الحركتين، انعكس بالتالي على السلوك اليومي والممارسة الميدانية في الداخل الفلسطيني، وتنسيق المواقف في الخارج، ولعل أهم العوامل التي ساهمت في حدوث مثل هذا التقارب هو التشابه في مواقف الحركتين، سواءً فيما يتعلق بموضوع التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، أو ما يتعلق بطبيعة العلاقة مع السلطة الفلسطينية، إضافة إلى نمط إدارة الصراع مع الاحتلال عبر التأكيد على المقاومة، والعمليات الجهادية، بالإضافة إلى التعاطي الايجابي لحركة حماس مع إيران وحزب الله اللبناني، وقيام علاقات بينهم قائمة على المصالح المشتركة، وتوحيد العدو، مما انعكس إيجاباً على العلاقة بين حماس و الجهاد الإسلامي لما للجهاد من ارتباط وثيق بالطرف الإيراني وحزب الله اللبناني، سواءً على الصعيد السياسي أو الإعلامي أو الدعم المالي والمادي.
وقد استمر هذا الوضع في العلاقة بين الحركتين، وحتى عام 2006م، دخلت العلاقة بين الطرفين مرحلة جديدة حيث اختلفا الطرفين في البرنامج السياسي والتعامل مع السلطة الوطنية الفلسطينية، ودخول الانتخابات التشريعية، وحول موضوع المقاومة والكفاح المسلح.
فقد رفضت حركة الجهاد التحالف مع حركة حماس في الانتخابات، وبعدما فازت حماس امتنعت حركة الجهاد في الدخول إلى الحكومة الفلسطينية، على اعتبار أن هذه الانتخابات أجريت تحت مظلة اتفاق أوسلو، والتي ترفضها الحركة.
وإن حدث هناك بعض التقارب والتواد في تصريحات قادة الحركتين، بعد هذه الانتخابات التشريعية، وفي هذا الصدد يقول "خالد البطش" القيادي بحركة الجهاد الإسلامي" أن حركة الجهاد الإسلامي على استعداد أن تقم كل ما هو مطلوب منها لتسهيل قيام حماس بدورها في قيادة السلطة والشعب الفلسطيني، ونحن مستعدون للحوار والنقاش مع حركة حماس على مختلف الأصعدة والبرامج، ولن نكون عقبة أمام نجاح حركة حماس في قيادة السلطة، ولكن من موقعنا من المقاومة، وليس في الحكومة، ونعتذر في المشاركة بالحكومة لقناعة حركة الجهاد الإسلامي بأن اتفاق أوسلو ما زال المرجعية السياسية للنظام السياسي الفلسطيني، وهذا موجود قبل أن تستلم حماس السلطة، وأيضاً استحالة الجمع العملي بين السلطة والمقاومة، بخاصة في الضفة الغربية.
وبعد سيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007م، زاد من منسوب الاحتجاج لدى حركة الجهاد على سلوكيات حماس المتعلقة بالتعامل معها، وازدادت العلاقة توترا بعد أن قررت حماس عدم المشاركة الميدانية ضد التصعيد الإسرائيلي على قطاع غزة، وسعي حركة حماس إلى الهدنة مع إسرائيل.
لكنه ظل هذا الخلاف في إطار محدود، وساهمت قيادة الحركتين في استيعابها عبر الحوارات وتنسيق المواقف بينهما.
إن مناخات التشكك وعدم الثقة لدى قواعد الحركتين من جهة، والتنافس الميداني بين عناصر وكوادر الحركتين في العديد من الأحيان من جهة، جعلت من أفكار وأطروحات الوحدة والتقارب بين الحركتين والتي كان أخرها دعوة حركة حماس على لسان رئيس الحكومة المقالة "إسماعيل هنية" خلال لقائه مع وفد من قيادة الجهاد الإسلامي في مكتبه بغزة إلى فتح حوار معمق بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي من أجل تحقيق الوحدة الاندماجية التامة بين الحركتين- غير ذات صلة، أو قاصرة على ميدان التداول النظري وسجينة الجانب الشعاراتي دون أي نصيب على أرض الواقع في أفضل الأحوال.
وعلى الرغم من القواسم المشتركة وعناصر التقارب الهامة بين الحركتين، وفي مقدمتها وحدة التوجه والطابع الديني الذي تحتكم له كل من حماس والجهاد الإسلامي من باب أن كلا الحركتين انبثقت عن الإخوان المسلمين بالأساس، إلا أن مواطن الخلاف بين الحركتين كثيرة لدرجة التناقض في بعض المواطن(سواء فيما يتعلق بالخلاف الأيديولوجي الناجم عن الاختلاف في المواقف السياسية بين الطرفين، أو موقف الطرفين من المشاركة في الحكم والسلطة، أو الموقف من مقاومة الاحتلال، أو رؤية الطرفين لعلاقاتهما الخارجية)، وظل مسار العلاقة الذي يحكم الحركتين يغلب عليه التأرجح وعدم الثبات، وأن الطرفين لا ينشدّان إلى محور معالجة استراتيجي بقدر ما يحتكمان إلى محددات تعايش وتنسيق اعتيادية لا ترقى إلى حجم ومستوى التحديات الإستراتيجية التي تستهدف المشروع الإسلامي المقاوم الذي تحمله الحركتان، في وجه مشروع التسوية المدعوم بقوة من لدن النظام الإقليمي والدولي بقيادة الإدارة الأميركية.
إلا أن حماس تسعى جاهدة إلى تمتين علاقاتها مع حركة الجهاد الإسلامي باعتبار ذلك ضرورة – كما ترى حماس- لمواجهة التحديات التي تتعرض لها حماس سواء فيما يتعلق بموقفهما الرافض لتسوية القضية الفلسطينية والداعم لحق المقاومة أو بكيفية إدارة حركة حماس لقطاع غزة، وأيضاً فيما يتعلق بعلاقاتها مع الدول العربية والإسلامية، وخاصة الأردن لاسيما أن نسبة المواطنين من أصل فلسطيني في الأردن يزيد عن نصف السكان تؤيد الحركة الإسلامية، وخاصة حركتي حماس والجهاد، وكذلك التأييد الكبير للحركة بين المواطنين من أصل أردني، وهو ما ينعكس على حضور حماس وتأثيرها في الرأي العام الأردني وعلاقاتها بالأردن.
إضافة إلى إعادة علاقات حماس مع إيران وحزب الله التي توترت بعد قيام الثورة السورية في بداية عام 2011م، لما لحركة الجهاد من علاقات وثيقة مع إيران وحزب الله، حيث من الممكن أن تقوم حركة الجهاد بدور الوسيط بين حماس وكلا من إيران وحزب الله لعودة هذه العلاقة.
ومن هنا يمكن القول أن حركة الجهاد الإسلامي تمثل أحد الخيارات المؤثرة في سياسات حركة حماس وعلاقاتها الخارجية.
بقلم: د.أشرف طلبه الفرا
