لم تترك الأليات الإسرائيلية التي ما زالت تحاصر بلدة خزاعة لليوم السادس على التوالي، بيتًا أو مسجدًا أو طريقًا أو حقلاً زراعيًا.. إلا وقضت عليه وحولته أثر بعد عين، وقتلت وجرحت واعتقلت كثير ممن لم يحالفهم الحظ بالهروب من داخل البلدة، والنزوح لمراكز الإيواء.
ونزح نحو 10 ألاف نسمة يقطنون بلدة خزاعة الحدودية شرقي مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، تحت وطأة قصف الدبابات الإسرائيلية التي اجتاحتها بإسناد من القوات الخاصة والطائرات بمختلف أنواعها منتصف الأسبوع الماضي.
ويتفاقم وضع المحاصرين داخل البلدة خاصة من كبار السن والأطفال، فيما بدأت تتحلل جثث الشهداء، وروائح اجسادهم تفوح في شوارع البلدة، لعدم تمكن فرق الإسعاف من الدخول للبلدة سوى مرة واحدة مساء السبت، ونقل خمسة جرحى وحالتين مرضيتين وعدد من المحاصرين من كبار السن.
ومع تفاقم وضع البلدة المحاصرة، تتفاقم معاناة من نزح منهم داخل مراكز الإيواء والمشافي التي لجئوا لها، ففي كل مكان بخان يونس تجد، من يجلس على جنبات الطرقات، وبعضهم افترش الأرض وانهك من التعب وغرق في النوم..!
ويمر أول ايام عيد الفطر على البلدة، وسكانها قد تشتتوا، فجزء كبير منهم ارتقى شهداء وتحللت أجسادهم، وجزء أخر أصيب بعضهم انتشل والبعض الأخر يصارع الموت، وجزء اعتقلته قوات الاحتلال ونقلته لداخل إسرائيل تحت التعذيب، أما الجزء الأكبر فنزحوا لمراكز الإيواء..
ويكتوي قلب سكان خزاعة مع سماع تكبيرات العيد من أبواق المساجد، ويستذكرون تلك الأيام التي كان يتجمع بها الأهالي في مصلى واحد بالعراء، ويخرجون بعدها للاحتفاء بالعيد، من تزاور، وتناول الحلوى والفسيخ..، وكل ذلك أصبح بالسنبة لهم ذكرى..!
ولم يتوقع لو للحظة سكانها أنهم سينزحون من بيوتهم، وتحطم جنازير الدبابات مساكنهم، وتقتل الحرب عدد كبير من سكانها، وتعتقل وتجرح عدد، وأنهم سيقضون لأول مرة العيد في مراكز الإيواء، فكل من نقابله لم يستطع أن يُكمل كلمة حتى يجهش بالبكاء.
ويؤكد سكان البلدة لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" أن قوات الاحتلال ارتكبت أشبه بحرب إبادة بحق البلدة، فقضت بشكل متعمد على كل شيء بها ولم يعد مسكن صالح، فيما تؤكد المعلومات الواردة أن الجيش الاسرائيلي قتل كثير من سكانها وقصف منازل وتحولت ركامًا فوق رؤوس ساكنيها.
وكانت خزاعة طيلة أيام العدوان خارج نطاق التهدئات الإنسانية التي تم التوافق عليها بين الفصائل الفلسطينية ووافقت عليها إسرائيل بطلب الأمم المتحدة وفرنسا، فلم يُرفع الحصار عنها لو للحظة، فيما يواصل الجيش عملياته بداخلها ليل نهار.
ويقول محمد قديح لـ "وكالة قدس نت للأنباء" : "البلدة تدمرت بالكامل، لم تعد صالحة للحياة، لكننا سنعود لها يومًا، وسنبني منازلنا، لكن ما يهمنا هو خروج الدبابات منها، كي نعرف من تبقى على قيد الحياة ومن استشهد..!".
ويشير قديح "نشعر بألم وتعتصر قلوبنا مع حلول العيد الذي نقضيه بمراكز الإيواء، (فلم نكن يومًا نتصور أو نتوقع أن يحدث بنا هكذا، فكل شيء جميل في خزاعة أصبح ذكرى مؤلمة)، فقوات الاحتلال عندما اجتاحتها، دخلت تحت القصف العنيف برًا وجوًا بشكل غير مسبوق.
ولا يختلف شعور قديح عن جاره نادر أبو روك الذي تمكن في ثالث أيام العدوان على خزاعة من الخروج تحت وطأة القصف، ويقول : "نجونا من الموت بأعجوبة، فالقذائف كانت تسقط بكل مكان، وفي بيوتنا، ومن حولنا، وبكل دقيقة كانت تسقط قذيفة".
ويشير أبو روك "كثير من سكان البلدة استشهدوا، وكثير فُقد الاتصال بهم، وعلمنا أنا العشرات اعتقلوا، وأن البلدة تعيش كحصار مخيم اليرموك في سوريا وأسوأ، فالكهرباء مقطوعة تمامًا، والماء، وبدأ ينفذ الطعام المتوفر لهم، وحياتهم مهددة بالخطر".
ويلفت إلى أن العيد يمر عليهم بألم شديد، لأن معظم العوائل تشتت ما بين شهيد ومعتقل وجريح، ومن لم يُصب دمر بيته، "فالبلدة مُحيت عن الخارطة، وأهلها مشتتون في مراكز الإيواء والطرقات، وجثث أبنائها في الشوارع، وكأنها بالفعل مذبحة، ولم يبقى منها سوى الذكرى..!".
وتشن إسرائيل منذ السابع من الشهر الجاري عملية عسكرية ضد قطاع غزة أطلقت عليها اسم "الجرف الصامد" قبل أن تتوسع فيها وتبدأ توغلاً بريًا محدودًا الخميس قبل الماضي، ومنذ بداية العملية قتلت إسرائيل 1036 فلسطيني، وأصابت أكثر من 6ألاف آخرين، معظمهم من النساء والأطفال والمسنين، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة.
تقرير بعدسة "وكالة قدس نت للأنباء"
تصوير: عبد الرحيم الخطيب
