دائمًا ما كانت تصوب كاميرات الفضائيات العالمية كـ "الجزيرة، والعربية" وغيرهما التي سُمح لها بالوقوف والتغطية على مقربة من التخوم الشمالية للقطاع، من داخل الأراضي المحتلة عام 1948م، على الأحياء السكنية القريبة من الحدود، لتلتقط مشاهد حية للقصف البري والجوي الإسرائيلي على تلك الأحياء.
وفي إحدى أيام العدوان البري، سلطت تلك الكاميرات عدساتها على حيٍ سكني يعرف باسم "أبراج الندى" الذي يبعد حوالي 1كم عن معبر بيت حانون/أيرز شمالي قطاع غزة، ويضم عشرات الشقق السكنية، وهو يتعرض لقصف جوي وبري عنيف، ما أدى لتدمير عدد من الأبراج، ومعظم الشقق السكنية به.
والمُذهل في المشهد أن القصف كان مُتعمدًا لتلك الأبراج التي غادرها سكانها في اللحظات الأولى للعدوان البري، وبشكل كثيف جدًا ، فسرعان ما تحول في غضون دقائق الحي الجميل الذي كان من أهم معالم شمال غزة، لكومة من الركام.، وتهجرت مئات الأسر التي كانت تسكنه.
والناظر لحجم الدمار عبر شاشات التلفاز يعتقد جازمًا بأنه كبير، لكن الدخول لتلك الأبراج ولحظة الوصول لها ورؤيتها بالعين المجردة، يعتقد جازمًا بأن زلزالاً ضرب تلك المنطقة، فأبراج عالية تزيد عن خمس طوابق سقطت، وأخرى تشبه المدمرة تمامًا.
دمار متعمد..
مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" تجول بين ركام "أبراج الندى" المدمر والتقى بعض الأسر الناجية من الموت داخل، ومن بينها عائلة جيهان الشاعر(44عامًا) التي نجت بأعجوبة من الموت، لحظة قصف الشقق السكنية بوابل من قذائف الدبابات لحظة خروجها من الحدود الشمالية والتوغل داخل القطاع.
وجلست الشاعر وطفلتيها فوق أنقاض شقتها المدمرة البالغ مساحتها 100متر في الطابق الثالث من أحد الأبراج شبه المدمرة، وتنظر بحصرة لشقتها التي انقلبت رأسًا على عقب، وتارة من شرفة إحدى جدران الشقة التي اخترقتها القذائف المدفعية، وتناثرت شظاياها داخل المنزل.
وتقول الشاعر لـ "وكالة قدس نت للأنباء" : "بقينا داخل الشقة أنا وزوجي وبناتي، حتى رأينا اقتراب الآليات، واشتد القصف المدفعي والجوي محيط وعلى الأبراج، مما اضطرنا للخروج هربًا من الموت، وهرولنا مُسرعين من داخل البرج لخارجه، وكان الكثير من السكان قد تركوه مسبقًا".
وتضيف "خرجنا من البرج ولم نشاهد سوى عدد قليل من السكان يهربون الساعة الثانية عشرة ليلاً، فكثير من السكان هربوا مبكرًا، وسرنا على الأقدام مسافة تزيد عن 2كم، والقصف عنيف وكل لحظة تسقط قذيفة، حتى وصلنا مشروع بيت لاهيا، وهناك توجهنا لمنزل أقربائنا في حي النصر شمال غزة".
وتشير الشاعر إلى أنها عاشت فترة عصيبة خارج منزلها، وعندما عادت بعد انتهاء العدوان البري، وإعلان تهدئة مدة 72 ساعة، صُدمت بحجم الدمار بشقتها، وبالحي السكني الذي كان تعيش فيه، "فكانت تتوقع دمار طفيف، تحطم بالنوافذ، تشقق جدران فقط، لكن الشقة دمرت وأصبحت غير صالحة للسكن".
وتلفت إلى أن شقتها تعرضت للقصف في حرب 2008_2009م، وخلال عدوان 2012م، لكن بشكل جزئي، "وهذا العدوان دُمرت بالكامل"، مؤكدة أن ما حدث من الواضح للجميع أنه تدمير مُتعمد لتلك البنايات، وعمليات تهجير جماعي داخل الوطن للسكان".
نوم فوق الركام..
وما إنّ فرغنا من الشاعر، تحركنا بين المباني المدمرة، وصعدنا على مصاعد مدمرة للطابق الثاني والثالث ببرج مجاور، ونادينا بصوتٍ عالِ على أي شخص داخل البرج، حتى ظهرت لنا أسماء نوفل( 45عامًا) ونجلها، وطلبنا منها الإذن بالدخول لشقتها المدمرة للحديث معها ورؤية حجم الدمار.
وتحدثت نوفل وهي تجلس على كرسي محطم تبقى لها من طقم كنب دمر بالكامل، بعد تعرض شقتها والبرج الذي تعيش فيه للقصف المكثف من الدبابات والطائرات، وتقول : "ما حدث خراب ودمار كبير، لحي سكني مأهول، ويقع على مقربة من الحدود وهي تشاهده، ولم يُشكل يومًا خطر على الاحتلال الإسرائيلي".
وتساءلت "ماذا فعلت تلك الأبراج السكنية التي يعيش بها المئات من السكان المدنيين العزل، حتى يتم قصفها بهذا الشكل وتدميرها؟!"، وتضيف "ما حدث يفوق الخيال، فالدمار هائل، ويحتاج لوقت طويل لإعادة إعماره من جديد، فالاحتلال تعمد التدمير والتخريب قبل الانسحاب".
وأصبح مأوى نوفل كغيرها لمدارس الإيواء التي فُتحت أمام ألاف اللاجئين الذين نزحوا من مناطق مختلفة من القطاع، وتلفت إلى أنها تبيت منذ يومين داخل الشقة، على فراش بالي عثروا عليه تحت ركامها، "لأن الحياة على الركام أفضل بكثير من المدارس التي انتشرت بها الأمراض، والحياة صعبة بها..!".
وبعد أن غادرنا شقة نوفل، وقبيل خروجنا من الحي، أمسك بنا كريم الكفارنة الذي جلس في خيمة وضعها أمام الأبراج، وتحدث لنا بصوتٍ عالِ ممتعض وغاضب : "مفيش حدا مدور علينا، عندي ست أفراد، وين أروح فيهم، كنت عايش في مخازن تحت الأبراج، بعد أن ضاقت بي السُبل".
وتساءل الكفارنة "وين بدي أروح؟، عائلتي في حواصل لدى إحدى العائلات التي لا نعرفها بمنطقة التوام شمال غزة، والحواصل التي كنت أعيش فيها لم أعد أراها، بعد أن سقط البرج بأكمله، في أعقاب تعرضه لقصف بري وجوي مباشر".
ويشدد "سأقوم بالمبيت في شقة مهجورة مدمرة، أو البقاء في هذه الخيمة، حتى أجد مأوى وسكن لأبنائي، فاليوم أصبحنا مُشردين بلا مأوى، وحياتنا مأساوية، لا تُطاق، ولم يصلنا بعد أحدًا، ونتمنى أن ينظروا لنا بعين الرحمة، ويساعدونا بتوفير مأوى حتى بناء الأبراج مُجددًا".
