كما ان صلاتهم فرض يعتبر ضباط الاسعاف في قسم مجمع الشفاء الطبي بغزة عملهم ايضا فرض وواجب وطني واخلاقي، خلال 36 يوما من الحرب الاسرائيلية الطاحنة على قطاع غزة كان المسعفون لا يتوقفون عن العمل ليلا ونهارا وهم يضمدون الجرحى وينتشلون الشهداء من تحت الركام.
كان يدرك ضباط الاسعاف هؤلاء انهم قد يخرجون من بيوتهم للعمل ولا يعودوا مجددا، فكثير من زملائهم استشهدوا ومنهم من اصيب خلال الحرب، حين قام الاحتلال بشكل متعمد ومقصود كما يقولون باستهداف اربعة سيارات اسعاف ومن بداخلها.
يعود المسعف احمد مسلم (30عاما )، الى بعض اللحظات الصعبة التي عايشها خلال الحرب، حينما اشدت القصف على حي الشعف شرق الشجاعية، وانطلق مسلم هو وزميله (محمد ابو زيد) في سيارة الاسعاف نحو المنقطة المستهدفة، وحينما وصلوا وهموا بنزول الى احد البيوت التي قصفت وسمعوا صراخ الجرحى .
ويقول "نزلت الى البيت انا وزميلي ودخلنا البيت وما هي الا دقائق معدودة حتى تجدد القصف مرة اخرى، فخرجت من المنزل بسرعه الى سيارة الاسعاف، وبقى زميلي (ابو زيد) الذي استشهد داخل المنزل بسبب القصف".
ويضف في حديثه لـ "وكالة قدس نت للأنباء"، زميلي كان مسعف مستجد عمره 24 عاما، استشهد داخل المنزل، ولم نستطع انتشال جثته الا بعد ثلاثة ايام، فالاحتلال كان يمنع دخولنا الى المنقطة المستهدفة وانا لم استطع انتشاله لحظة استشهاده".
ويتابع "شعورنا صعب جدا، نحن نعلم اننا قد نسقط شهداء جميعنا باي لحظة، لكن المؤثر في كل ما جرى انتشالنا لجثث الاطفال الشهداء من تحت الركام، اول طفل حملته على يدي بالحرب كان عمره ثلاث اسابيع انتشلته من تحت ركام منازل المواطنين في الشجاعية، شعرت انه ابني".
ويضيف "مشاهد البكاء والعويل والنحيب لا تنقطع كلما وصلنا الى مجمع الشفاء لإيصال الجرحى والشهداء، كانت المشاهد مؤثرة للعوائل والمواطنين".
ويؤكد ضابط الاسعاف مسلم، ان هذه المهنة الخطرة تحتاج الى اشخاص لديهم حب التضحية من اجل الاخرين، والصبر وطاقة كبير للتحمل، وحب تقديم الخدمة للآخرين والحكمة العالية، هذه المقومات التي يجب ان تتوفر برجل الاسعاف.
ويقول "بالنهاية نحن بشر المشاهد تؤلمنا جدا، ولا اخفي ان ضباط الاسعاف يحتاجون الى مراجعات نفسية وتفريغ كبير بعد كل حرب وهذا مهم، لكن هذه الامور غير متوفرة بغزة، ونحن لا نخضع لتفريغ نفسي او مراجعات".
الضريبة التي دفعتها الطواقم الطبية بكافة اشكالها في القطاع خلال الحرب باهظة، ووفق وزارة الصحة بغزة فقد استشهد 21 شهيدا من الاطقم الطبية، واصيب 85 جريحا من تلك الاطقم، كما ودمرت اربعة سيارات اسعاف بشكل كامل، و18 سيارات اسعاف بشكل جزئي.
يقول رئيس قسم الاسعاف والطوارئ بمجمع الشفاء بغزة، صلاح القطناني (53) عاما، واصفا القسم الذي يرأسه في اكبر مستشفيات القطاع، "قسم الاسعاف هنا متواضع جدا يوجد لدينا خمس سيارات اسعاف و18 كادرا بين ضباط اسعاف وسائقين".
ويضيف في حديث لـ" وكالة قدس نت للأنباء"، "الامكانيات متواضعة جدا ومحدودة، يوجد فارق هائل بين حجم الحرب الاسرائيلية على القطاع، وقدرتنا المحدودة لإنقاد الجرحى والشهداء والتعامل مع هذه الحرب الكبيرة".
ويضيف "ورغم ذلك لا يمكن ان نقول اننا فقدنا السيطرة على الاوضاع، ولأجل ذلك كنا نعمل بطاقة مضاعفه جدا، لا نغادر عملنا ليلا نهارا، العمل كان بلا توقف بلا راحة، حتى اسرنا كنا لا نراها، مهمتنا الاولى كانت انقاذ الجرحى".
ويوضح القطناني الذي انتظرناه حتى انتهى من الصلاة هو وزملائه للحديث معنا "هناك طواقم اخرى شاركتنا في اسعاف المواطنين، من الهلال الاحمر الدولي، والدفاع المدني الفلسطيني، والخدمات العسكرية، وحتى المؤسسات الخاصة، وسيارات المواطنين المدنية كانت تنقل الجرحى والشهداء الى المستشفيات".
ويقول "نحن في قسم الاسعاف التابع لوزارة الصحة الفلسطينية، فقدنا ثلاث شهداء من زملائنا خلال الحرب واصيب عشرة اخرون، الشهداء زملائي اعرفهم جيدا، وهم عاطف الزاملي ويوسف الزاملي، ويوسف الشيخ عيد، وهؤلاء استشهدوا شرق رفح تم قصفهم وهم بسيارة الاسعاف بشكل مباشر من الاحتلال".
ويقول "قبل يوم واحد من استشهادهم كنت انا وعاطف الزاميلي في ورشة اصلاح سيارات الاسعاف، تفاجئت من خبر استشهادهم وتأثرت جدا".
ويوضح القطناني، يوجد ثمانية مراكز اسعاف وطوارئ لوزارة الصحة منتشرة في قطاع غزة، ومنطقة عملنا اينما يطلبنا الوطن .
اما ضابط الاسعاف ماجد البلبيسي، يوضح ان "العمل في الليل اثناء الحرب كان اكثر خطرا من العمل في النهار، لأن قطاع غزة كان غارق في الظلام، فلا يوجد كهرباء تنير الشوارع او المنازل المدمرة والمستهدفة".
ويسرد البلبيسي احد المشاهد الصعبة التي عاشها خلال عمله، فيضيف "اذكر اننا توجهنا اكثر من 15 سيارة اسعاف من مختلف الاطقم الطبية، الى منطقة مسجد التوفيق بحي الشجاعية، حينما وصلنا وجدنا ان اغلب المنازل هناك مدمرة، الجرحى والشهداء كانوا تحت الركام".
ويوضح في حديث لـ "وكالة قدس نت للأنباء"، استطعنا انتشال خمسة شهداء وعشرات الجرحى، وبقى من بقى تحت الركام نحن لم يكن لدينا امكانيات لرفع الركام نعمل في ادوات بسيطة لكن هذا كان يؤلمنا جدا".
وحول كيفية العمل بالتنسيق مع الصليب الاحمر بأخذ موافقة من الاحتلال بالسماح لهم الدخول لبعض المناطق الخطرة، يقول البلبيسي "لوكنا سوف ننتظر تنسيق الصليب الاحمر، لما اسعفنا احداً، الصليب لم يكن يستطيع ان يحمي نفسه، والاحتلال كان يماطل في اعطاء موافقة بدخولنا اكثر المناطق المستهدفة".
على مدخل مستشفى الشفاء وبمقابل باب الاستقبال، يستغرب المارين عندما يرون كوم من الحديد وضع هناك، لكن كوم الحديد هذا هو لأربعة سيارات اسعاف كان الاحتلال استهدفها خلال الحرب ودمرها تدميرا كاملا.
