تبدي إسرائيل الرسمية درجات متفاوتة من الرفض واللامبالاة تجاه المبادرة الأوروبية الجديدة في الأمم المتحدة لوقف النار في غزة وإعادة إعمارها وتحريك مسار المفاوضات الراكدة من أجل تسوية نهائية للنزاع العربي الإسرائيلي. وتشدد مصادر إسرائيلية على أنها لا تزال تفضل العودة إلى المسار المصري عن الدخول في دهاليز المبادرة الأوروبية وتقول إن "الكرة ستعود إلى الملعب المصري في نهاية المطاف".
وتعتبر إسرائيل الاقتراح الذي تقوم الدول الأوروبية الكبرى الثلاث، ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، بمحاولة بلورته في الأمم المتحدة على شكل قرار ملزم يصدر عن مجلس الأمن أنه "اقتراح حصرم". وذهب بعض المسؤولين الإسرائيليين إلى الاستهزاء من هذا الاقتراح، مطالبين، بنوع من السخرية، أوروبا للاستفسار من حماس قبل عرض المشروع للتصويت "عما إذا كانت جاهزة لوقف إطلاق النار، وإلا لا جدوى من القرار".
ويعلن المسؤولون الإسرائيليون أنهم سيحاربون كل فكرة تنادي بإجراء مفاوضات على أساس حدود العام 1967 كجزء من أي اتفاق لوقف النار.
وقد وزعت الدول الأوروبية الثلاث يوم الثلاثاء الماضي، في مقر الأمم المتحدة وثيقة لمبادئ تنادي بإدراجها في قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي يعيد السيطرة في القطاع للسلطة الفلسطينية ويفتح المعابر لإعادة إعمار القطاع تحت رقابة دولية تمنع تعاظم قوة حماس واستئناف العملية السلمية على أساس حدود العام 1967.
وتحوي الوثيقة ورقتين بعنوان "المبادئ"، وقد اطلع عليها مسؤولون إسرائيليون من ديبلوماسيين من الدول الثلاث من دون إعطائهم نسخة عنها.
وبحسب صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية التي وصلتها نسخة من الوثيقة، فإنها تطالب باستصدار قرار في مجلس الأمن الدولي يدين كل الأعمال العدائية ضد المدنيين "بما في ذلك الهجمات عديمة التمييز التي يُصاب فيها مدنيون، وكل أعمال الإرهاب". وتضيف الوثيقة أن على القرار الأممي أن يشمل دعوة لوقف نار فوري وطويل الأمد يتوقف فيه إطلاق الصواريخ من غزة وكل عمل عسكري هجومي آخر في القطاع.
وبحسب الوثيقة، فإن القوى الأوروبية العظمى الثلاث تقترح أن يشمل قرار مجلس الأمن المبادئ التالية: إعادة قطاع غزة إلى سيطرة السلطة الفلسطينية، تحديد ترتيبات أمنية تحول دون استئناف الأعمال العدائية، حظر بيع أو تزويد السلاح والمواد التي يمكن منها إنتاج سلاح لغزة عدا للجهات المخولة في السلطة الفلسطينية، التزام بمنع تمويل الإرهاب والعمل ضده، إزالة القيود الاقتصادية والإنسانية المفروضة على قطاع غزة من أجل السماح بإعادة إعماره، ترميم اقتصادي وتطوير، فتح كامل للمعابر الحدودية مع القطاع، عبر الأخذ بالحسبان الاتفاقية الموقعة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في هذا الشأن في العام 2005، بعد خطة الفصل.
وتقترح ألمانيا، بريطانيا وفرنسا في الوثيقة أن يشمل قرار مجلس الأمن إنشاء آلية لمراقبة دولية تتابع تنفيذ القرار ومكوّناته وتبلغ الطرفين ومجلس الأمن. وتكون لهذه الآلية صلاحية التحقيق في انتهاكات وقف النار، وأيضاً المساعدة في نشاط المعابر وضمان حركة الناس والبضائع من القطاع وإليه. وبحسب الوثيقة فإن آلية المراقبة ستخدم أيضاً في التنسيق والتواصل بين "الأطراف المعنية بوقف النار" للتأكد من وجود تواصل ناجع بينها.
وتضيف الوثيقة أنه سيطلب من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بلورة خطة مساعدة للسلطة الفلسطينية في كل ما يتعلق بتعزيز قدرتها على الحكم في القطاع. كذلك تشير إلى أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة مطلوب منها أن تساهم في إعادة إعمار القطاع بالتنسيق مع الأمم المتحدة وعبر عقد مؤتمر دولي خاص في هذا الشأن.
ومطلوب أيضاً من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تقديم المساعدة للسلطة الفلسطينية في ما يتعلق بدفع رواتب العاملين الحكوميين في غزة، وأيضاً لتحسين قدرات قوات أمن الحكومة الفلسطينية.
غير أن أحد أهم البنود وأشدّها حساسية في الوثيقة يتعلق باستئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين بعد انتهاء القتال في غزة. وجاء في وثيقة المبادئ: "يدعو مجلس الأمن إلى استئناف عاجل لجهود الطرفين والأسرة الدولية لتحريك مفاوضات تهدف للتوصل إلى سلام شامل على أساس رؤيا دولتين ديموقراطيتين – إسرائيل وفلسطين - تعيشان بسلام جنباً إلى جنب على أساس خطوط العام 1967 بسلام وأمن".
وقالت مصادر أوروبية إن هذه الوثيقة أعدّت من أجل حث الخطوات لإعلان وقف لإطلاق النار وتحريك العملية السلمية بعد تعثر المساعي التي بذلها الأردن باسم المجموعة العربية لاستصدار قرار في هذا الشأن. وقد عارضت الولايات المتحدة مشروع القرار الأردني الذي يوجه إدانة صريحة للعدوان الإسرائيلي ويطالب بتشكيل لجنة تحقيق دولية في جرائم الحرب الإسرائيلية.
ويعتبر الأوروبيون مبادئ الوثيقة منصفة، لأنها تلبي متطلبات إسرائيل الأمنية من ناحية، والمطالب الفلسطينية بفك الحصار. وحثّ الأوروبيون الأمين العام للأمم المتحدة على تحويل هذه الأفكار إلى قرار ملزم من مجلس الأمن الدولي.
ويبدو أن مشروع القرار الذي تحاول أوروبا تمريره يحظى بدعم أوروبي واسع ومن أعضاء في مجلس الأمن الدولي وربما بتفهّم وتنسيق أميركي. وهذا ما قد يسبب إرباكاً لإسرائيل التي تخالف حتى الولايات المتحدة في كل ما يتعلق بتحريك العملية السلمية.
وأشارت مصادر أوروبية إلى أن الخطوة الأوروبية في مجلس الأمن بدأت عندما تهاوت المبادرة المصرية لوقف القتال في منتصف الأسبوع. ومن الجائز أن المبادرة الأوروبية عادت وحركت إسرائيل نحو القاهرة من جديد حيث يعلن الإسرائيليون أنهم يفضلون المبادرة المصرية.
وتشير أوساط إسرائيلية إلى أنها تنتظر نتائج اللقاء بين الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والفلسطيني محمود عباس اليوم في القاهرة، لرؤية ما إذا كان سيحدث تقدّم نحو وقف النار أم لا. وبحسب مصدر إسرائيلي فإنه "في كل سيناريو ستكون مصر لاعباً مركزياً، لأنها هي التي ستتحكم بمعبر رفح والذي فقط فتحه يمكن أن يلبي مطالب حماس".
عموماً، هناك إشارات أولية عبر عنها حديث عضو المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية أمس، بقوله إن الحركة ستنظر بإيجابية لأي مبادرة دولية تمكّن الشعب الفلسطيني من حقوقه في ظل المساعي لبلورة قرار من مجلس الأمن الدولي.
وقال الحية في مقابلة مع قناة "الجزيرة" الفضائية إنه "إذا ما تحققت مطالبنا فنحن جاهزون لنستجيب لذلك، علماً أن هذه المطالب معروفة وواضحة ولا تحتاج إلى مفاوضات جديدة". وأضاف عضو الوفد الفلسطيني إلى مفاوضات وقف إطلاق النار أنه "منذ اليوم الأول للعدوان أعلنا أن ما يريده شعبنا ومقاومته هو إنهاء العدوان والحصار المفروض منذ سنوات على قطاع غزة، وبالتالي فإنه لا تنازل عن هذه المطالب".
كتب حلمي موسى لصحيفة "السفير" اللبنانية
