غزة أرضية الصراع الخصبة في إسرائيل

تحولت غزة عقب إعلان وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل إلى أرضية خصبة لصراع بين الأحزاب السياسية الإسرائيلية، وإعلان الحرب التنافسية فيما بينها لتمرير برامجها السياسية، بالتزامن مع شن حملة تصريحات تبادل فيها قيادات هذه الأحزاب الاتهامات حول الفشل بغزة، وهو ما يؤكد عمق تلك الأزمة.

وأجمع خبراء سياسيون ومختصون في الشأن الإسرائيلي في أحاديث منفصلة مع مراسل "وكالة قدس نت للأنباء"، على أن تضارب التصريحات للقيادات الإسرائيلية بشأن انتهاء العملية العسكرية على قطاع غزة ونتائجها، يعكس ما تمر فيه الحياة السياسية حالياً من أزمة صعبة، معتبرين بالوقت ذاته أن هذه الأزمة لا تخدم الفلسطينيين ويجب الانتباه منها.

وقد أعلن يوم الثلاثاء الماضي عن التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل الذي استمر لـ51 يوماً بعد جولات من المفاوضات عقدت برعاية مصرية في القاهرة.

وبدأت تظهر الخلافات الإسرائيلية عقب العدوان على غزة، حيث باشر وزير الخارجية الإسرائيلي "أفغيدور ليبرمان" مساء أمس الجمعة، بالحديث عن إهدار إسرائيل لفرصة ذهبية لإسقاط حكم حماس بغزة "في إشارة الى فشلها في تحقيق أهدافها".

ووفقا للإذاعة الإسرائيلية فإن ليبرمان قال: "إن عملية "الجرف الصامد" تركت حماس في حالة ضعيفة، وأضاف "لم يكن المطلوب احتلال غزة ولكن كان يكفي السيطرة على مراكز القيادة وإنتاج السلاح والصواريخ".

ويعتبر الخبراء بالشأن الإسرائيلي أن تصريحات ليبرمان تأتي كإتهام إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بانه فشل في معركته ضد غزة، هذا من جانب بينما يسعي ليبرمان في الجانب الأخر من تصريحاته لعزل نتنياهو وتحقيق طموحه السياسي بأن يكون خلفاً إلى نتانياهو الذي أعتبر معركته ضد غزة أصابت "حماس" بمقتل ووجهت لها ضربة تاريخية.

وذكر نتنياهو في سياق مقابلة مع القناة الاولى للتلفاز الاسرائيلي، "إن حماس تخلت عن جميع مطالبها الا انه من السابق لأوانه معرفة ما اذا كانت المعركة ضدها ستتجدد ام لا، بينما حذرت تسيبي ليفني وزيرة القضاء الإسرائيلية من خلال مشاركتها في أحد مؤتمرات "المنتدى الاقتصادي التجاري"، أمس الجمعة، من احتمال تجدد اطلاق النار بين الجيش والمقاومة الفلسطينية إذا لم نتخذ إجراءات سياسية صارمة.

يركب خيل التطرف

وقال الخبير في الشأن الإسرائيلي الكاتب أكرم عطا الله : إن ليبرمان يركب خيل التطرف لأن الشارع الإسرائيلي متطرف والاستطلاعات الأخيرة لإعادة توزيع الكتل الانتخابية تعطي اليمين 82 مقعد وبالتالي ليبرمان يريد إن يظهر نتنياهو بانه ضعيفاً ضمن حملة تحريض كبيرة يقوم بها النخب السياسية بالمعارضة ضد الحكومة.

وذكر عطا لله أن هناك روح ناقمة في الشارع الإسرائيلي والوسط السياسي تشعر بأن الجيش لم ينتصر وتطلب باستكمال العدوان ونحن أمام حملة كبيرة ضد غزة بغرض إعادة تصعيد العدوان أو الضغط على الفلسطينيين حتى لا يطالبوا بالمزيد من الشروط خلال المفاوضات المقبلة.

وأوضح عطا الله أن نتنياهو يريد أن يغطي نتائج عملية "الجرف الصامد"، وحجم قدرات المقاومة الفلسطينية على التصدي للعدوان، وبقائها لأخر لحظة في إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، وهو ما أفشل أحد أهداف المعركة وهو وقف سقوط الصواريخ على البلدات الإسرائيلية وخاصة غلاف غزة.

واتفق المختص في الشأن الإسرائيلي توفيق أبو شومر مع نظيره عطا الله، بأن تصريحات ليبرمان تأتي في إطار حملته للصعود إلى سدة الحكم كرئيس للوزراء بدلاً من نتنياهو، لذا يستخدم ملف قطاع غزة والترويج له بإرهاب، وهي ملفات مقبولة شعبياً في الشارع الإسرائيلي، والتي من خلالها يضمن الحصول على أصوات المستوطنين وخاصة في غلاف غزة.

وربط أبو شومر ما يجري حالياً من صراعات داخلية في إسرائيل في سياقها التاريخي، قائلاً: العلاقات الحزبية السياسية الإسرائيلية طول الفترات السابقة تعيش أزمات لم تنقطع وخاصة عندما يكون حدث كما هو الآن في غزة، أيضا كما حدث في عام 2006 في حرب لبنان، وقعت هجمة شرسة من الأحزاب لإسقاط الحكومة، معتبراً ما يجري سيكون ضد الفلسطينيين، لإنتاجه يمين أكثر تطرفاً مما هو عليه الأن.

واعتبر أبو شومر أن الدم الفلسطيني هو الثمن الذي تستخدمه الأحزاب الإسرائيلية من أجل الصعود إلى الحكم، ولكن هذه المرة الأمر يختلف لوجود خلطة جديدة، بوجود يمين أكثر تطرفاً ويسير نحو يمينية "إرهابية".

ورأي أبو شومر أنه من الضروري جداً في الوقت الحالي فهم الساحة السياسية الإسرائيلية قبل وضع الخطط لمواجهتها، خاصة في ظل الحملة التي يروجها اليمين، في الإعلام العالمي حول وصف غزة بأنها كتنظيم "داعش"، مؤكداً على ضرورة مواجهة ومسح هذه الحملة.

ولا يلمس أبو شومر أي تغيراً على سياسة نتنياهو لا خلال العدوان ولا بعده، معللاً ذلك لخضوعه إلى السياسة المركزية الإسرائيلية، مبيناً أن تصريحات نتانياهو التي دعا فيها الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى أن يختار ما بين السلام أو حماس، ويأتي ذلك في سياق تعزيز فصل الضفة عن غزة، لتصبح الضفة كيان متنازع عليه يمكن حل مشكلته في الأردن وتبقي غزة هي الكيان الفلسطيني الوحيد.

وفسر أبو شومر تصريحات ليفني بأنها تأتي في إطار دعم الجيش الإسرائيلي، لأنها تدرك أنه من الصعب أن تصبح في يوماً ما رئيسة وزراء، وهي تمارس من تصريحاتها دور الناقد للحكومة فقط، بينما يرى عطا الله أن ليفني تري أنه إذا لم يكن هناك مساراً سياساً لهذه المعركة يقضي في النهاية إلى التفاوض مع الفلسطينيين، فإن المعارك قد تتجدد.

وأشار عطا اله إلى أن ليفني تود القول بأن هذه المعركة إن لم تنتهي بحل سياسي فإن القتال سيعود مجدداً، مرجحاً أن يكون حديث ليفني تريد منه الإشارة عملية سياسية أكبر، تخدم برنامج حزبها، الذي يدعوا إلى دائما إلى استمرار المفاوضات مع الفلسطينيين.

تقرير: سلطان ناصر

المصدر: غزة – وكالة قدس نت للأنباء -