استل حقيبته وانطلق، قبل ان ينتهي من تجفيف دموع عائلته، حمل بضع مئات من الدولارات، دخل في نفق مظلم ينقله من قطاع غزة الذي احتضنه اكثر من عقدين من الزمان الى جمهورية مصر العربية، كان بانتظاره مع عشرات الشبان من اقرانه شخص تلقى رشوة من المال مسبقا...
هذه بعض من التفاصيل المثيرة التي عايشها الشاب الفلسطيني عمر (27عاما) في رحلة الهجرة التي خاض غمارها، بحثا عن حياة مستقرة على هذه الارض، خاصة اذا كانت هذه الحياة في مملكة السويد، بالتجمع الاسكندنافي، والتي تعتبر كعبة المهاجرين خاصة من المناطق العربية التي تعج بالنزاعات والاضطرابات الامنية وهي في تزايد.
ويقول عمر"بعد ان تجمع عدد من الشبان معي داخل النفق المظلم الذي تسللنا عبره من رفح الى الاراضي المصرية، كان بانتظارنا الشخص (المرتشي) وقام بنقلنا الى شقة سكنية في احدى مناطق مدينة الاسكندرية الساحلية على حوض البحر الابيض المتوسط".
ويضيف عمر الذي تحدث لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" عبر برنامج "السكاي بي" المدعوم بخاصية الرؤية المباشرة" عندها تيقنت بانني خرجت من قطاع غزة وكان يحاول ان يلحقني ( يوسف ومحمود وسعيد وأحمد)، كما الكثير من الفلسطينيين بينهم شادي والذي قضى في الحرب الاسرائيلية الاخيرة على قطاع غزة".
ويكمل حديثه "لم يكن ينقص الفلسطيني من قطاع غزة الا ان تضرب اسرائيل هذا القطاع المحاصر بالقنابل والصواريخ حتى يقبل مبدئيا في بلاد الاحلام الاوروبية(..) فليس من الغرابة او الصدفة في شيء ان المهاجرين الفلسطينيين في بلاد ارض الجميلات(السويد) هم اكثر جالية عربية.."
ويقول عمر الذي غادر القطاع اثناء العدوان الاسرائيلي الاخير" لقد دفعت 3000 دولار امريكي ومكثت عامين وانا اجمع المال مستدين وعامل في مطعم محلي، وكان معي 9 اشخاص من بيت حانون ورفح والبريج وجباليا وخزاعة"، وهذه المناطق السكنية بقطاع غزة كانت تتعرض لقصف اسرائيلي مركز اثناء العدوان الذي استمر 51 يوما على التوالي.
ويتابع الشاب الفلسطيني الذي كان يقطن بمخيم النصيرات وسط القطاع " في هذه الرحلة تخرج من غزة عبر انفاقها حتى الاسكندرية برا والتي تحط بك على حوض البحر الابيض المتوسط لتنتقل عبر عباب البحر الى جزيرة لامبدوزا او سواحل مدينة نابولي الايطالية، كما حدث معي او كان مخطط ان يحدث"، ويوضح بالقول " هناك اشخاص بعرفهم راحوا عن طريق ليبيا وهي الطريق الاكثر سهولة ويسر، فتصل بسرعة لأنك لن تمكث في البحر سوى عدة ساعات او يوم واحد على ابعد تقدير وفي تونس بصورة اقل".
ويضيف " واجهت خطر الموت المحقق في ذلك، مكثت في عرض البحر 12 يوما الى ان وصلت الى ايطاليا ، ولكنني اخاطر لأني لن استطيع ان اعيش 20 عاما جديدة في غزة بمثل ما عشته من اوضاع مزرية كشاب لم يحمل في جيبه الا 20 شيكل (5 دولارات)."
ويقول عمر الذي رفض ان يعرف كنية عائلته وهو يذرف الدموع بحرارة فرحا لا حزنا بعد ان وصل الى مدينة مالمو السويدية الساحلية منذ ايام" نحن نتحدث عن نصف مليون شاب لا يعرف احد منهم ماذا يفعل في غزة..؟ جزء يسير للغاية منهم يعمل لأنه في حزب او فصيل ما، او انه يعرف فلان في مؤسسة دولية او حكومية او خاصة فيوظفه اما نحن(النا الله).كما يقول
وتفيد تقارير اعلامية غربية ان عدد الفلسطينيين ازداد بنسبة 15 % في الهجرة من قطاع غزة بعد العدوان الإسرائيلي الاخير والذي راح ضحيته نحو 2200 فلسطيني اضافة الى نحو 11 الف جريح غالبهم من الاطفال والنساء، فيما من من المتوقع ان تترفع نسبة الهجرة الى 40%، حسب التقارير
ويرى مختصون اجتماعيون ان ضنك الحياة في قطاع غزة المحاصر من قبل اسرائيل وعدم توفر فرص العمل اثر الانقسام السياسي الذي تشهده الساحة الفلسطينية منذ عدة سنوات، سبب رئيسي وراء اقبال الشبان على الهجرة من القطاع الى الدول الاوروبية بحثا عن حياة مستقرة .
ويصف الداعية الاسلامي طاهر لولو هجرة الشبان بانها "هروب من الواقع، ونفوز من ارض الرباط."
ويقول لولو والذي يدير مؤسسة خيرية للأيتام " اعتقد انه هؤلاء المهاجرين من غزة الى اوروبا لن يفلحوا، مع ان الوضع في غزة قهر وضنك وحصار وقتل، ولكن من الافضل ان يبقى الانسان المسلم ثابت في مكان وطنه وارضه".
واستشهد لولو المقرب من حركة الجهاد الاسلامي ويعمل طبيب للأطفال بالحديث النبوي الشريف "لقد تكفل الله لي بارض الشام واهله"، وايضا "ليس بمؤمن مكتمل الايمان من لا يعتبر البلاء نعمة والنعمة بلاء ".
وعن سبب هذه الهجرة قال لولو والذي زار عدة دول افريقية واسيوية في رحلات دعوية للإسلام " سبب هجرة الشباب هو ان هناك صدام بين نفسيات داخلية، وتضاد بين الاحزاب والجماعات وخاصة الجامعات الاسلامية وهذا مزعج ومرهق للناس".
الطبيب والداعية الاسلامي المقرب من حماس حازم السراج كان أقل تغليظا للامر بالقول " لا يمنع ان الانسان يخرج اذا كان يخاف على نفسه واهله من يثبت له اجر ومن يخرج له اجر ايضا".
ويضيف السراج الذي اكمل دراسته الطبية في مدريد الاسبانية "الحياة قاسية وصعبة في غزة ماذا يفعل الشباب في ظل الحصار وعدم العمل..؟"
وحول حرمة الهجرة يقول السراج " الهجرة ليست حرام، هذا شعب (قطاع غزة) منفتح يريد العيش، و دائما بعد كل حرب يكون هناك هجرة".
تقرير / يوسف حماد
