دراسة لحالة الرقابة العسكرية على الإعلام الإسرائيلي

بقلم: نزار نبيل الحرباوي


لظروف عقدية واجتماعية وسياسية ونفسية ، باتت الدولة التي تم تجميع مكوناتها وعناصرها من أرجاء المعمورة مضطرة للتعامل مع الواقع العام داخلياً وخارجياً بنظرة شمولية تتفق مع ذاتها ، وتحافظ على بعض نبض الحياة فيها ، لا سيما في ظل الأزمات والحروب ، باتت مضطرة اليوم أكثر من أي وقت مضى ، لأن تحسب لكل كلمة ألف حساب وحساب ، فالثورات التي اندلعت في العالم العربي كانت تحمل علم فلسطين ، وفلسطين بداخلها وقدسها وضفتها وغزتها باتت خطراً وجودياً على دولة لم يكن لها وجود قبل عام ٤٨ م .

وحتى لا يهرب الخائفون من الموت من يهود إسرائيل ، وحتى لا يترك إسرائيل أصحاب الجوازات الدولية الذين يحملونها بجوار جواز السفر الإسرائيلي ، وحتى لا تسقط نظرية ردعهم، نشأت منظومة السيطرة العسكرية التامة على وسائل الإعلام مقروءة ومسموعة ومرئية.

 إلى ما قبل العدوان على لبنان عام 2006م ،عملت الرقابة العسكريةعلى فرض القيود والتعتيم على الأسرار الاستراتيجية الكبرى ؛  كالسلاح النووي ، والعمليات الخارجية للموساد، التي قد تسبب إحراجاً لإسرائيل مع الدول الأخرى؛  كالاغتيالات وجمع المعلومات والمهمات الخاصة.

 لكن بعد 2006 بدأت الرقابة العسكرية توسع من سلطاتها، فأجبرت وسائل الإعلام على عدم بث خطابات قادة المقاومة في فلسطين ، وبعدها طورت الرقابة من إجراءاتها وأجبرت الإعلام الإسرائيلي على عدم بث المهرجانات الجماهيرية التي تقام في قطاع غزة، أو لبنان أو الدول العربية المناصرة لفلسطين ، أو تهديدات قادة الفصائل إلا على شكل خبر صحفي عابر، ثم أصبحت الرقابة العسكرية تعتم على أماكن سقوط صواريخ المقاومة بحجة أن المقاومة تستفيد منها في توجيه الصواريخ، لكن الإعلام كان يذكر الإصابات والأضرار، إلا أن الأمر اختلف في الحرب على غزة الأخيرة حيث منع الحديث عن الإصابات المادية والبشرية .
 
ويبقى التعتيم الإعلامي في الحرب العدوانية الأخيرة على قطاع غزة ، وحالة الانفجار الداخلي في القدس والداخل الفلسطيني  هو الأكثر والأشد بالمقارنة مع الحروب والمواجهات السابقة بين المقاومة والاحتلال ، وبشكل يجعل منه ظاهرة تستحق الدراسة الإعلامية .

ورغم انتشار مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة " الحرة " في البيئة الإسرائيلية،  إلا إن الرقابة العسكرية ما زالت لها الكلمة النهائية في ذلك، ويمكنها أيضاً معاقبة من يخالف تعليماتها بهذا الصدد، والرقابة هنا تشكل رادعاً قوياً لهم.

هنا لا بد من الحديث عن قوة الرقابة العسكرية وقيودها على الإعلاميين الإسرائيليين، وكيف  زادت بعد الخطابات باللغة العبرية التي وجهتها المقاومة في غزة للداخل الإسرائيلي ، فصدرت فتاوى الحاخامات بحرمة استخدام الواتس أب ، ودخلت هيئات الرقابة في حرب حقيقية مع الإعلام العام والإعلام الاجتماعي في إسرائيل في محاولة لشلّ قدرة المقاومة على التأثير في الجبهة الداخلية أثناء الحرب.

رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول بن غوريون كان قد ألقى خطاباً عاما في سنة 1948، قال فيه: "إنني أثق أنه يتوجب أن تكون هناك صحافة ناقدة، لكن علينا ألا نعطي معلومة للعدو، علينا ألا نسهم في دب الفزع في أوساط الجمهور"،بهذه الطريقة تفكر إسرائيل، ولأجل لذلك فهي تفرض رقابة عسكرية على الصحفيين أثناء الحروب، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ، وحتى في الأوقات الطبيعية على شكل ومنهجية الحياة العامة إذا كانت لها صلة بالبعد الإعلامي العام .

الرقابة من خلال الرقباء العسكريين تتابع وتوجه بشكل مستمر ، وتجدد معلوماتها وبياناتها وتعممها على وسائل ومؤسسات الإعلام ، حيث يعمل الرقيب العسكري على التحذير من نشر المواد التي فيها ضرر نفسي أو عسكري أو قانوني يلحق بإسرائيل ، كما يعمل على توزيع مواد يجب عدم التطرق إليها في وسائل الإعلام، وتعتبر محاذير يمنع الاقتراب منها.

لا شك أن الرقابة العسكرية الصارمة في اسرائيل في الحرب العدوانية على غزة كانت غير مسبوقة ، ولكنها وبكل تأكيد قد رسخت عدم قناعة الجمهور بالإعلام الإسرائيلي بالمطلق، وأوجدت قطيعة كبرى بين الجبهة الداخلية والقيادة السياسية والعسكرية في اسرائيل ، وشلت قدرة التأثير الموجه من سلطات الرقابة ومؤسساتها في الجمهور ، وهو ما أوجد أوسع حالة من الاستنكار والعصيان تعرفه إسرائيل منذ نشأتها على مستوى رؤساء البلديات والمستوطنين.
بقلم المستشار د نزار نبيل أبو منشار الحرباوي