الصمت، والصمت اليائس المتضجر كان باديا في نفس ووجه (ابو الامير) الذي فقد كل ما يملك خلال دقائق معدودة، واضطر قسرا ان يرى ذلك أمام عينيه، حيث مكث قرابة العقدين من الزمان من عمره حتى ينشأ نفسه كتاجر فلسطيني في قطاع غزة المضطرب بالأحداث السياسية والعسكرية.
مساحة 1000 متر مربع، تقدر بدونم كاملا من الارض تقع شرق بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، كانت مسرحا لبناء شركة حسين سرور(ابو الامير) لصناعة الادوات البلاستيكية المنزلية، لكن الحرب الاسرائيلية الاخيرة التي استمرت 51 يوما على قطاع غزة برا وجوا وبحرا، كانت تفيض بالصواريخ والقذائف التي تضمر دمارا وخرابا لكل شيء فلسطيني حيا كان او يعتاش من وراء الاحياء.
حسين سرور أكمل الـ(40 خريفا) من عمره حديثا، ولكنه لم يستطع ان يكمل نجاحه العملي في مصنع البلاستك الخاص به والذي احرقته القذائف الإسرائيلية خلال الحرب العسكرية المنصرمة على قطاع غزة والتي حملت اسم "الجرف الصامد" اسرائيليا.
يقول لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء"،"عندما سمعنا من شهود عيان"والحديث لـ سرور، ان "المصنع قصف من قبل الاحتلال في بداية العمليات العسكرية على غزة، وانت تعرف بيت حانون منطقة تعتبر قريبة من الاحداث في مثل هكذا امور، علمنا ان المصنع قصف الساعة 11 مساءا في اول ايام الحرب، ثم توجهنا صباحا وما زالت النيران في المكان والدخان الاسود في كل مكان(..) لم نستطع ان نكمل المشهد وعدنا خشية من القصف الذي كان يسمع في الجوار".
ويضيف سرور وبجواره نجله الاصغر محمد وهو يتفقد المصنع واصفا شعوره عندما حطت قدمه في اول نظرة للمكان بعد ساعات من اشتعال النيران فيه وما زالت تدب في المكان قائلا" شعوري لا يوصف، لا اجد الكلمات المناسبة، انه امر مؤلم للغاية ان يحرق ما تملك امام عينك ولا تستطيع فعل شيء".
ويقول سرور الذي وصل الى المصنع بعد قصفه من قبل المدفعية الاسرائيلية بساعات وكانت اعمدة الدخان السوداء تغطي القطاع من اقصاه الى اقصاه" لقد كان هناك بضاعة جديدة في المصنع وهي عبارة عن 80 طن من البلاستيك الجاهز والخام، والقصف ادى الى احراقها بالكامل"، وعن تشبيه الكمية التي احرقت بصورة اكثر توضيحا قال " عندما يتم احراق 30 شاحنة جار ومجرور، هكذا تعادل 80 طن".
حسين سرور (ابو الامير) والذي لديه 8 ابناء، كان مصاب بغصة واضحة في نبرة حديثه اليائسة بعد ان قضى 14 عاما مع مصنعه في عمل دؤوب يقول " لقد بنيت المصنع في عام 1998 في بدايات بسيطة ثم كبر، واصبحت الآمال تكبر الى ان اصبح بهذا الحجم، والان كما ترى امسى كومة من الرماد والركام".
وفي المشهد حيث كل شيء اسود داكن، بل ان الحديد الصلب اصبح ملتوي نتيجة الحرارة الشديدة الناتجة عن القصف المركز بالمدفعية على المصنع الذي يستورد بضائع منها ما يأتي من اسرائيل...يكمل سرور حديثه لمراسلنا وهو يتفحص رأس قذيفة اسرائيلية وجدت بجواره " لقد خسرت 3 ملايين دولار في دقائق وهي ثمن البضاعة والمصنع والمكان والحديد والتجهيزات اللوجستية، وتم احراق وتدمير المصنع بالكامل، لقد كان هناك عمال اوقفوا رزقهم بهذا القصف، بصراحة لا استطيع التعبير كثيرا، ولكن الوضع والشعور بالقهر امر مزعج".
وحول الحديث عن التقييمات من قبل الجهات المختصة للمصنع، يوضح سرور وهو يشير الى مادة كيميائية صفراء اذابها الحريق بالقول" هذه المادة غير قابلة للاشتعال ولكن شدة النيران التي غطت سماء بيت حانون كاملة ادت الى إذابة المادة وهي صبغة للبلاستك ، نحن ننتظر كما الجميع الحصول على تبرعات او تعويض للمصنع، نحن نسمع الكثير ونتمنى ان نرى ما يحدث في الوقت القريب القادم حتى نعيد ترميم المكان وانفسنا".
هذا واعلن اتحاد الصناعات في قطاع غزة ، بأن العدوان الإسرائيلي الاخير على القطاع كبّد المصانع "خسائر فادحة"، قدرت بـ150 مليون دولار امريكي.
وقال وزير العمل في حكومة الوفاق الفلسطيني مأمون ابو شهلا " نحن نؤمن المساكن ومراكز الايواء للنازحين واصحاب المنازل المدمرة سوف نحاول جاهدين في ظل حالة العجز المالي الكبيرة ان نعاين باقي المتضررين".
واضاف" ندرك ان العدوان كان شرسا على غزة، والمصانع تركت خسائر كبيرة، ناهيك عن العمال الذين توقفوا عن العمل، وحاجة المواطن الان لأي شيء حتى يستر نفسه به، نحن نعمل المستحيل حتى نخرج بشيء ايجابي للجميع خاصة اصحاب المنازل المدمرة والنازحين".
وحول تقييمات الوزارة للمصانع المدمرة قال ابو شهلا " لقد قامت لجنة الطوارئ بحصر الكثير من المصانع المدمرة وسوف يتم تعويض اصحابها خلال الوقت القادم وننتظر الترتيبات لذلك".
هذا وتنتظر مئات العائلات الفلسطينية اعادة اعمار قطاع غزة والمنشئات الحيوية والبنية التحتية بعد الحرب المدمرة ...
تقرير وعدسة/ يوسف حماد
