مهند.. "حلاق" خزاعة فوق الركام !

أمسك "الحلاق" مهند قديح (28 عامًا) بماكينة قص الشعر، ووقف يتبسم ويسامر زبائنه في داخل محله المدمر بصورة كبيرة، جراء القصف الذي طاله، خلال الاجتياح الإسرائيلي البري، الذي تعرضت له بلدته خزاعة أقصى شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة.
وبدا على مهند مرحًا كعادته كما يعرفه سكان البلدة، تارة يتحدث مع ممن يصفف شعره، وتارة مع بقية زبائنه الذين جلسوا على كراسي متهالكة تبقت من محله المدمر، وينصب معظم حديثهم عن يوميات العدوان على البلدة، والأسابيع التي قضوها خارج بلدتهم، بعدما نجحوا بالهروب منها، تحت وطأة القصف العنيف..
ولم تمنعه كميات الركام الكبيرة التي نقلتها الجرافات الإسرائيلية ووضعتها داخل محله، بعد أن حطمت مدخله، من القيام بتنظيفه، ونقل الركام لخارجه، والاستعانة بماكينة قص شعر يمتلكها والده، ليستأنف العمل على كرسي متهالك، بعد أن قام بإمداد محله بتيار كهربائي، عن مسافة تزيد عن 200متر..
وحطم القصف والتجريف الذي تعرض له محل مهند، معظم معدات تصفيف الشعر، فلم يتبق منها سوى القليل، حتى أن "المرايا" التي تتواجد على جدران المحل، من أمامه ومن خلفه، ليرى "الزبون" أثناء الحلاقة، تهشمت، وبقيت مكانها، حيث يستخدمها في عمله.
ويفضل كثير من سكان البلدة "الحلاقة" لدى الشاب مهند الذي يعتبر من أشهر مصففي الشعر وأمهرهم في خزاعة، ويضم محله الشهير باسم "مهندكو" -حمام ساونا ومكان مخصص لتجهيز العرسان- وبدا ذلك من خلال إصرار الزبائن عليه على فتح المحل وتوفير كهرباء وأدوات "حلاقة"، كي يحلق لهم.
وقال قديح لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "فتحت المحل قبل نحو خمس سنوات، بتكلفة بلغت حوالي (11ألف دولار أمريكي)، ولم أتوقع يومًا، أن يتعرض، أو تتعرض بلدتي لهكذا دمار وخراب وقصف وقتل على يد الجيش الإسرائيلي".
وأضاف "عدت للمحل بعد إعلان وقف إطلاق النار، ولم أجد ملامح له، لأن الجرفات وضعت ركام المنازل بداخله  وجرفت الطريق(..) وبعد أيام من سريان وقف إطلاق النار، قمت بتنظيف المحل، بمعاونة الجيران، وأعمل بداخله على حلاقة رؤوس الزبائن ولحاهم".
وتابع قديح "رغم أن المعدات تحطمت، والكراسي، والمرايا، والماكينات والمقصات(..)، وباب المحل، إلا أنني أعمل من فوق الركام، وهي رسالة تحدي وصمود للمحتل الإسرائيلي، الذي راهن على ترحيلنا من بلداتنا ومنازلنا، أننا باقون هنا ولن نرحل، وسنعود للحياة، ونتعالى على جراحنا، وآلامنا..".
سليمان النجار (16 عامًا)، أحد الزبائن، وواحدًا من سكان بلدة خزاعة المدمرة، قال لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "أول مرة أحلق منذ أن خرجنا من بلدتنا، وعدنا لها بعد انتهاء العدوان، فلم يكن لدي أي رغبة بالحلاقة، ونحن نازحين خارج البلدة، لدى أي حلاق أخر".
وشدد النجار "نحن أصررنا على الحلاقة فوق الركام، ورغم أن المحل شبه مدمر، ولم يتبق فيه سوى قليل من الأثاث، الذي تم استصلاحه، لكن نحن نريد أن نحلق هنا، ونبقى هنا في بلدتنا، ونعيد الحياة لكل شيء فيها، ليس فقط محل الحلاقة، ولن نستسلم للدمار، والقتل، والقصف الذي تعرضنا له، هذه رسالة تحدي لإسرائيل بأن أصحاب الأرض باقون، وأنتم سترحلون يومًا".
وتعرضت خزاعة خلال الحرب البرية، لمجزرةٍ بشعة، أدت لاستشهاد العشرات من أبناء البلدة، إضافة إلى اعتقال واصابة المئات ، بعد أن تعرضت لوابل من قصف الدبابات والطائرات والمدفعية، قبل أن تدخلها القوات الإسرائيلية الراجلة والمحمولة، وتفرض حصارًا عليها لأكثر من أسبوعين.
ونفذت قوات الاحتلال خلال حصار البلدة، اعدامات ميدانية "حسب روايات السكان، وتوثيق مؤسسات حقوقية كالمرصد الأورمتوسطي"، كما استخدم السكان دروعًا بشرية، وهجر معظمهم لخارجها، فيما هدمت عشرات المنازل بشكل كلي، والمئات بشكل جزئي، وجرفت مساحات شاسعة من أراضي البلدة.
وتقع بلدة خزاعة إلى الشرق من مدينة خان يونس، وتحاذي السياج الحدودي مع اسرائيل ، وتبلغ مساحة البلدة ما يقارب (4000 دونم)، في حين يبلغ عدد سكانها حوالي (15آلف نسمة) تعد نسبة اللاجئين النسبة الأكبر من السكان، الذين اقتلعوا وشردوا من بيوتهم وأراضيهم عام 1948م، سواء من شرق البلدة أو من مدينة يافا، "وفق بلدية خزاعة".
واستشهد خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة الذي بدأ في السابع من يوليو الماضي واستمر لـ51 يومًا،  أكثر من 2200 فلسطيني، وأصيب أكثر من 11 ألف آخرون، كما دمرت عشرات آلاف الوحدات السكنية.

المصدر: خان يونس – وكالة قدس نت للأنباء -