في الطريق إلى بلدة بيت حانون ترى كسرة خبز يلتقطها عصفور يغدو خماصا ويروح بطانا، وطفل يحمل ذكريات قاسية ما زال يجد مساحة للعب بين الركام والدمار، وجذوع أشجار أخطأها القصف، وعائلات توضب أعراضها لحرب جديدة تخوضها مع فصل الشتاء القادم من بعيد، بعد هذا الخريف الذي اسقط كل الآمال بسرعة إعادة بناء البلدة الزراعية في أقصى شمال قطاع غزة، والتي كانت عنوانا تراجيديا مؤثر للعويل والدمار الذي لحق بها إبان حرب "الجرف الصامد" الاسرائيلية على قطاع غزة.
كل صباح مشمس تشهد البلدة وقفات ومظاهرات احتجاجية تطالب بسرعة إعادة إعمار ما دمرته الحرب الاسرائيلية التي حولت البلدة إلى كتلة من الخراب شُبهت بـ"هيروشيما"، لاسيما وان الحرب على القطاع تزامنت مع ذكرى قصف المدينة اليابانية الـ64، في اغسطس/آب الماضي.
ومع اقتراب حلول فصل الشتاء برياحه وبرودته القاسية والاحتفال بعيد الأضحى المبارك في الايام القادمة، أقام الاهالي يوم السبت خيمة اعتصام دائمة بمنطقة السوق المركزي للبلدة، تطالب بإعلان بيت حانون "منطقة منكوبة" وتقديم الخدمات لها بناء على ما يترتب على هذا الإعلان.
وكما المعتاد تحدث خلال الاعتصام الذي دعت اليه الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين شاب عشريني بكلمات تعبر بقوة عن قسوة الحياة في البلدة والتي تستدعي اعلانها"منطقة منكوبة" بعد أكثر من شهر على نهاية الحرب الإسرائيلية التي دمرت نحو 1500 منزل بشكل كلي، و1500 منزل بشكل جزئي، بالإضافة لتعرض المراكز الصحية ومنشآت الاونروا والمدارس للتدمير وتعطل شبكات الهاتف وعدم وصول الكهرباء لأجزاء كبيرة من المنطقة.
ومن بين ثنايا الركام الذي جعلته الرايات الحمراء واليافطات متواريا بعض الشيء عن الأنظار انهى الشاب العشريني حديثه تاركا الكلمة للمهندس شريف حمد عضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية وعضو اللجنة الشعبية لمساندة اهالي بيت حانون.
وانتقد حمد في كلمته امام المشاركين في الاعتصام دور بلدية بيت حانون في مساندة الأهالي والوقوف الى جانبهم، مطالبا بتخفيض وتقليل وتأجيل دفع الضرائب والرسوم حتى يتم مراعاة ظروف السكان المنكوبين .
ودعا حمد البلدية إلى المساهمة في التخفيف عن السكان لا التضييق عليهم بكثرة الضرائب والخصومات والتراخيص المجهدة، حيث تعاني بلدة بيت حانون شحا كبيرا في المستلزمات الحياتية الهامة مثل الماء والكهرباء وأدوات لوجستية عدة.
محمد نازك الكفارنة رئيس بلدية بيت حانون الذي اعتاد على المشاركة في مثل هذه الوقفات في البلدة والتي هي مسقط رأسه قال بحرقة ردا على من سبقه " ان البلدية تمارس اقل دور لها منذ سنوات تجاه المواطنين وقامت بسلسلة تخفيضات غير مسبوقة في التراخيص والجبايات حتى تخفف عن المواطن الفلسطيني في بيت حانون قدر الإمكان".
ولم يكمل الكفارنة كلمته حتى قفز له بعض أصحاب المنازل المدمرة مرددين " بكفي شعارات"، بل وصل الأمر إلى تلاسن حاد بين المعتصمين ورئيس البلدية، متهمينه بتحميل المواطن أعباء كبيرة وثقيلة بالضرائب والجبايات.
وعندما اشتد الامر حضرت قوة أمنية الى المكان،وانسحب رئيس بلدية بيت حانون تحت صيحات الاستهجان والغضب من المعتصمين من بينهم عدد لافت من النساء .
المهندس الكفارنة أثناء انسحابه بسيارته بعد احتدام التلاسن قال لمراسل " وكالة قدس نت للأنباء" وهو منزعجا للغاية "نحن كرئيس بلدية نحاول ان نشارك في كافة الفعاليات، ولا نتعامل مع الناس وفق تنظيم او عائلة، هذه وقفات في بيت حانون للمطالبة بحقوقهم، المرة السابقة ذهبوا للمدارس وقالوا ان البلدية ترفض اعلان بيت حانون منطقة منكوبة وهم يعلمون ان هذا الأمر من صلاحية الرئيس ورئيس الوزراء ".
وقال الكفارنة "إذا أعلنت الجهات المعنية بيت حانون منطقة منكوبة، حينها سيتم التعامل بشكل مناسب مع جميع المتضررين،لأنه وقتها ستكون مدخرات البلدية مطلوبة من الرئيس ورئيس الوزراء، حينها نقول لكل الناس كل حقوق البلدية في البنك".
وتابع حديثه " عندها، مباشرة نعفي جميع الناس من الضرائب والجبايات والتي هي مقوم أساسي للبلدية التي تعاني كما الناس."
"لا يحق لرئيس البلدية ان يعفي كل الناس، ولا يوجد أي قانون يصرح له بذلك، نحن كبلدية لا نتلقى دعم من احد، لا من الرئيس ولا من حكومة، فهذه الأموال التي نجبيها من الناس نقوم بتوزيعيها على الناس."، مضيفا "رغم كل شيء نفذنا سلسلة برنامج إعفاءات في المياه والبناء والتطوير، اضافة الى اعفاءات للشهيد والجريح والأسير كل هذا الكلام من الصندوق الخاص بالبلدية وليس من أي دعم ".
وعن الاتهامات التي وجهها المتحدثين في الاعتصام للبلدية قال المهندس الكفارنة " هذا الكلام فقط عبارة عن مزايدات، لان المتحدث اليساري هو عضو في اللجنة الشعبية لمساندة اهالي بيت حانون ويعرف التفاصيل عن اوضاع البلديات وانه لا يوجد شيء لديها، حيث تقوم بنفسها على الجبايات التي خفضت للنصف، نظرا لمعاناة المواطنين بعد العدوان، وهو يعلم ان البلدية لا تستطيع اعفاء الموطنين كلامه داخل الوقفة هذا طعن وتحريض، وهذا عيب وطني".
وهاجم رئيس البلدية القائمين على الوقفة بالقول "انا اتهم القائمين على الوقفة بالتحريض واظهار البلدية على انها تمتنع عن مساعدة الناس، لان النية ليست سلمية في هذا الاحتجاج، وهم يعلموا ان البلدية ليس في يدها حل سحري".
وعن مغادرته للاعتصام قصرا قال الكفارنة "انا خرجت طوعا، لان دعوتنا كانت لحضور الكلمة، وانا كرئيس بلدية جالس في الخيمة حتى نساند الموطنين ونقف معهم لا ضدهم واتيت الى هنا حتى أتحدث بذلك، لكن يبدو ان النية مبيتة لاحداث بلبلة وهذا يتحمل مسؤوليته القائمين على الوقفة".
شريف حمد عضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين رد على اتهام رئيس البلدية قائلا "بالتأكيد نحن لا نحرض، المطالبة بالحق ليست تحريض".
واضاف حمد متحدثا لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء"، " التلاسن الذي حدث بين الموطنين ورئيس البلدية ادى الى التهجم اللفظي على رئيس البلدية في الوقفة،ربما بفعل فاعل لانهاء الوقفة (..) نحن سكان بيت حانون حاضرون نطالب بحقنا بصوت عالي، هذه البلدة التي احتضنت الكل الفلسطيني في الحرب والكرب والفرح وصمدت في كل شيء، لا يمكن ان تعيش في ظروف إنسانية صعبة كهذه، يجب ان توضع على سلم اولويات الرئاسة والحكومة والبلديات".
وعن سبب مغادرة رئيس البلدية رفض حمد التعليق، قائلا " يجب ان يسأل عن سبب مغادرته، هذه البلدية بامكانها اعفاء الناس من الضرائب والجبايات، هناك حلول كثيرة مع الوضع الحالي للبلدية يتمثل في جدولة وتأجيل وتقصير الجباية لذلك من الممكن ان تساهم في ازاحة الهم عن قلوب الناس".
ويبقى المواطن في بيت حانون ينتظر، بخفي حنين إعادة الاعمار مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل بنية تحتية غير مؤهلة لاستقبال هذا الفصل الذي شهد فيضانات كبيرة العام الماضي، فيما لم يجد المواطن غير الصمت والوقفات الاحتجاجية للتعبير عن كثير من حسرته وأوجاعه أمام وسائل الاعلام ، بانتظار ما سيتمخض عن المؤتمر الدولي لاعادة اعمار غزة والذي سيعقد في القاهرة 12 من اكتوبر/تشرين اول المقبل.
وبيت حانون هي بلدة زراعية تقع شمال شرق قطاع غزة على بعد نحو 6 كيلومتر عن مستوطنة "سديروت" الاسرائيلية الواقعة داخل أراضي 48، وتقدر مساحتها بحوالي 20025 دونما، فيما يبلغ عدد سكانها في آخر الإحصائيات نحو 38028 نسمة.
وتعرضت بيت حانون خلال الحرب الاخيرة والحروب السابقة (2008/2012)على قطاع غزة لقصف ودمار شديدين وخاصة خلال العملية البرية التي نفذتها قوات الاحتلال الاسرائيلي على طول المناطق الحدودية شمال وشرق قطاع غزة، ما ادى الى تدمير آلاف المنازل والمدارس والمراكز الطبية وتشريد معظم سكان البلدة.
واستشهد خلال الحرب الإسرائيلية الاخيرة على قطاع غزة والتي بدأت في السابع من يوليو/تموز الماضي واستمرت لـ51 يوما، أكثر من 2200 فلسطيني، وأصيب أكثر من 11 ألف آخرون، كما دمرت عشرات آلاف الوحدات السكنية. ولامؤسسات المدنية
تقرير وتصوير : يوسف حماد
