ذهب سمير النجار "40عامًا" من سكان حي أبو ريدة جنوب شرق بلدة خزاعة الحدودية شرقي مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، متوجسًا لأداء صلاة العشاء بالمسجد المجاور لمنزله في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك كعادته برفقة سكان الحي.
وما إن انتهى النجار والمصلين من أداء صلاة العشاء وقبيل المباشرة بصلاة التراويح، انقلب هدوء البلدة الحذر لجحيم، بفعل القصف العنيف والعشوائي من قبل المدفعية والدبابات والطائرات الإسرائيلية بمختلف أنواعها على منازل البلدة ومحيطها وبكافة الأحياء.
ترك النجار وبقية المصلين صلاتهم وتحركوا مسرعين لمنازلهم، واشتد القصف الإسرائيلي، وبدأ يسمعوا مُحركات الآليات تتحرك من حدود البلدة لداخلها، مع تكثيف تحليق الطائرات، واشتداد القصف البري والجوي، فأيقن ومن معه بأن القوات البرية الإسرائيلية اجتاحت البلدة.
وأمام هذه الحالة تجمع أكثر من 50 فرد من عائلته وأقربائه في الطابق الأرضي من منزل أحد أقربائه (البدروم) للاحتماء من القصف، وإذا بقذائف مدفعية تستهدف منزله ومحيطه والمنزل الذي يتحصنون فيه والمدرسة التابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" المجاورة لمنزله تمامًا.
وتناثرت الشظايا عليهم، ما أدى لإصابة خمسة، واستغاث المحاصرين من شدة لقصف ليلة كاملة بالصليب الأحمر والإسعاف وغيرهم، ولم يتمكن أحد من الدخول، مع إحكام الجيش الإسرائيلي سيطرته على البلدة من مداخلها الرئيسة المؤدية للبلدات المجاورة لها، وقصف الطرقة المؤدية لها.
ومرت الليلة العصيبة والقاسية على النجار ومن معه، على وقع أنات الجرحى المحاصرين، وصراخ وعويل الأطفال والنساء، حتى أتي شخص يقطن بجوار منزلهم، يخبرهم بالخروج من المنازل، استعدادًا للخروج من البلدة بتنسيق من الصليب، وما إن صار خارج المنازل حتى تعرضوا للقصف وإطلاق النار المباشر.
ويقول النجار لـ مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" بعدما تنهد والتقطت أنفاسه : "شاهدت دمار وخراب كبير بالطرقات، والمزارع، والمنازل، وعدد كبير من الدبابات، والقوات الخاصة التي تتجول بين الطرقات، منهم الملثمين ومنهم غير الملثمين ويحملون شتى أنواع السلاح..".
ويرافقه لحظة محاولته الخروج عبر طريق ترابي بمنطقة أبو طعيمة جنوب غرب بلدة خزاعة حوالي "200شخص"، بينهم خمس مصابين ينزفون، فاقترب منهم الجنود، وتحدث معنا باللغة العربية وطلب منا التوقف وأشهر سلاحه نحونا، وقلنا له "إحنا مدنيين شو بدكم منا".
قام الجيش باحتجازنا ومنع كثير منا الخروج من داخل البلدة، وأمر ما بين سنة 16 حتى 40 الوقوف في ناحية، ومن هم فوق ذالك في ناحية أخرى، وأمرنا بخلع ملابسنا، "وطلب من النساء هز أجسادهنّ..!"، "فصرخنا عليهم، ورد علينا جندي بالقول (شيكت..شيكت بالعبري) أي (اسكت)، وأمرونا بالجلوس أرضًا وأيدينا على أعناقان"..
وأضاف النجار "أرجعوا النساء على المنازل، ونحن نقلونا لأرض (راضي) في البلدة، ووضعونا برفقة عشرات المعتقلين تحت أشعة الشمس الحارقة، وقيدوا أيدينا للخلف، وبقينا نجلس بملابسنا الداخلية، ونثروا الرمال علينا بأرجلهم وأيدهم، ودخان الدبابات الأبيض والأسود".
وتابع "حتى أتى ضابط عربي يُمسك كلب كبير، وكلاب أخرى برفقة جنود أخرين وقال (كل 25 شخص يقفوا بناحية، وإلي يروح شمال أو يمين راح نطخه..!)، وبدأنا نسير على الأقدام نحو بوابة موقع صوفا، التي تبعد أكثر من 5كم، وأمامنا دبابات وخلفنا كذلك..".
وما إن وصل النجار ومن معه من المعتقلين بوابة موقع "صوفا" شاهدوا عشرات الجنود والجيبات العسكرية والأليات، وبدأوا بالتقاط الصور لهم، وبعضهم يحكوا لهم (أنتم إرهابيين، أنتم حماس..)، وأدخلوهم لداخل الأراضي المحتلة سيرًا على الأقدام مسافة "5كم" أخرىن "حسب قوله".
ويبين أنهم شاهدوا كثير من الجنود والدبابات والجيبات داخل الأحراش والأشجار الأخرى، ورفع بعضهم السلاح عليهم، ويقول : "حاولوا أن يجعلونا نشرب الماء عنوة، لكننا لم نقبلهم، وقلنا لهم أننا صائمون، حتى أتي ضابط كبير، وسألنا (أنتم حماس) فقلنا له (إحنا مش حماس)..".
وأعقب الجنود أعين النجار ومن معه ونقلوهم عبر لحافلات لمنطقة تقع شمال قطاع غزة، داخل الأراضي المحتلة، وأنزلوهم في ساحة كانوا يسمعوا فيها صوت القصف المدفعي وأصوات الطائرات بكثافة، حتى أدخلوهم كل شخص لوحده لغرفة التحقيق، ويسألوهم عن (الأنفاق، والصواريخ وأماكن تواجدها، وعناصر المقاومة..).
وتعرض خلال التحقيق الذي استمر لنحو نصف ساعة وبعده للضرب بالأيدي والأرجل من قبل الجنود، وركلات قوية، ورفعوا الأعصب عن عيونهم، وحرموهم الطعام والماء، عدا جو الرعب الذي عاشوه بفعل القصف المدفعي العنيف من حولهم.
وتلفظ بعض الجنود عليهم بألفاظ بذيئة، وبعضهم سب الذات الإلهية، ويحرموهم الوضوء للصلاة، ما جعلهم يمدوا أيديهم لتيمم بالتراب الذي يجلسون عليه، وأثناء التيمم تعرضوا للضرب على ظهورهم وأيديهم بالأرجل والأيدي، حتى نقلوهم باليوم الخامس للاعتقال بحافلات لمكان اعتقال أخر.
وباليوم الخامس أتى جيش الاحتلال الإسرائيلي لهم بقليل من الخبز والماء، ورفضنا تناوله، وأخبروهم بأنهم سيطلقوا سراحهم غدًا، أي قبل عيد الفطر المبارك بيوم "حسب ما يروى النجار" وبالفعل أطلقوا سراحهم قرب معبر بيت حانون/إيرز شمال القطاع.
حتى شاهدنا يافطة مكتوب عليها غزة وعليها إشارة، وسيارة إسعاف مكتوب عليها باللغة العربية كلمة إسعاف، وخرجوا من بوابة المعبر وكان القصف متواصل لم يتوقف، والتهدئة التي أعلن عنها لمناسبة العيد لم تدخل حيز التنفيذ، حتى شاهدوا سيارات الصليب ووصلوا نقطة الارتباط الفلسطيني.
وسجل النجار ومن معه أسمائهم لدى الإرتباط والصليب، وتم نقلهم بحافلات لمستشفى في شمال القطاع لفحصهم، وبعدها نقلوا لمدينة خان يونس، واعتقدوا بأنهم ذاهبون لبلدة خزاعة، ولم يعلموا أنها ما زالت محاصرة، وارتكب بها مجازر، ودمر معظم أحيائها، ويمنع الدخول والخروج منها، ومعظم سكانها باتوا نازحين في مراكز الإيواء.
وعاش النجار الذي ترك خلفه عدد من المعتقلين من جيرانه وأقربائه، فصول جديدة من المعاناة داخل مراكز الإيواء، حتى انتهت الحرب وعادوا لبلدتهم فوجودها مدمرة، وعدد كبير من أبنائها تشتتوا ما بين شهيد وجريح ومعتقل ومشرد، وهو منهم بسبب تدمير منزله الصغير من "الإسبست".
