يحل عيد الأضحى هذا العام على سكان قطاع غزة خاصة سكان المناطق المدمرة ضيفًا ثقيلاً، بعد أن استنزفت الحرب الأخيرة، ما تبقى من فرح لهؤلاء السكان، خاصة ممن دمر جيش الاحتلال الإسرائيلي منازلهم وممتلكاتهم، وأوقع في صفوفهم الشهيد والجريح والمعتقل والمُشرد..
وعلى الرغم من مُضي شهر ونيف على انتهاء الحرب الضروس التي شنتها إسرائيل على القطاع، لم ينسى سكان المناطق المدمرة ما حل بهم، فما تزال ملامح العدوان باقية، وأعينهم ترنوا نحو تحرك لإعادة الإعمار، وما تزال روائح الموت تفوح من كل مكان.
وتقضي مئات العائلات المشردة عيدها الأول بعد انتهاء الحرب في خيام من القماش المُترهل، وأخرى في مراكز الإيواء، وأخرى في كرافانات، والمئات استصلحوا غرفًا من منازلهم المدمرة بشكل جزئي، فيما ما تزال معالم الجرائم الإسرائيلية باقية في كل زقاق.
والناظر للمنازل المدمرة على طول المناطق الشرقية والشمالية من القطاع يجد القليل ممن أثر على نفسه وضحى، لكن ذلك لم يُزيل الجُرح الذي ما زال غائرًا في قلوب الكثير، ممن خدش العدوان قلوبهم، وسرق فرحتهم بقتل أبنائهم وجرحهم وهدم منازلهم وتدمير ممتلكاتهم..
مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" تجول في المناطق المدمرة شرقي خان يونس، وقابل العديد من سكانها، من بينهم سلامة أبو جامع الذي جلس على ناصية منزله المدمر كُليًا يستظل بظله بمنطقة "الزنة" في بلدة بني سهيلا، بعد أن عاد من صلاة العيد، يتسامر برفقة جيرانه، وبدت المنطقة ساكنة ولا يكاد يرى فيها مُضحي..!.
وقال أبو جامع : "يمر علينا هذا العيد ونحن مشتتين خارج منازلنا التي لم يتبقى منها شيء، فكل الحي الذي نتواجد به دُمر عن بكرت أبيه، ولم يتبقى سوى الركام، فأشقائي تشتتوا ما بين السكن بالإيجار والبعض بمراكز الإيواء، وآخرين لدى الأقرباء".
وأضاف "هذا المنزل الذي أجلس به، يعيش به أشقائي، وأنا حيث كنت أجهز نفسي للزواج، وعمي حسن عواد أبو جامع ونجله إسماعيل بسبب القصف مطلع الحرب على القطاع، لكن على الرغم من ذلك والمأساة التي مررنا بها، وحجم المعاناة الكبير، نحاول أن نفرح، وإن كان ذالك صعبًا علينا بالوقت الحالي.
وتابع أبو جامع "لم نتوقع أن يأتي علينا عيد كهذا ولم نتصور أن يأتي يومًا نجلس فيه على ركام ليس منزل بل حي كامل يعيش به الآلاف أصبح آثر بعد عين، فاليوم جيراني مشتتين، وآخرين استشهدوا وبالأخص عائلتي التي قدمت أكثر من 50 شهيدًا، وآخرين جرحى...".
واستطرد "بصراحة الواحد منا أصبح غير قادر على التعبير، لكن حسبنا أن يكون ذلك في ميزان حسناتنا، ويكون ابتلاء لفترة مؤقتة، ومن ثم يُعاد بناء ما دمره الاحتلال، وتعود الحياة كسابق عهدها، ويأتي العيد القادم والجميع قد عاد لمنزله، والأسرى تحرروا، والجرحى شفيوا، والاحتلال اندحر".
أما المسنة المريضة رزقة أبو جامع (72عامًا) فلم تستطع حبس دموعها، وهي تتحدث مع مراسل "وكالة قدس نت للأنباء"، أثناء مقابلته لها وهي تجلس برفقة زوجها المُسن أمام منزلها المدمر بشكل كبير، عن أجواء العيد بالسنوات الماضية وهذا العام.
وقالت أبو جامع وهي تبكي : "ما في عيد هذا العام، كل سنة بيكون الأطفال أولاد أبنائي بعلبوا من حولي، ولابسن ملابس جديدة، وأبنائي عندي بذبحوا الضحية، والكل فرحان وبخير، لكن هذا العام، أولاد مشتتين كل واحد بمنزل، ولم يدخل علي أحد بعد، ولم نُضحي..".
وأضافت "كنا نمتلك بقالة كبيرة، ولم يتبقى سوى القليل من البضائع التي كانت بداخلها، بعد أن تم تدميرها خلال الحرب، التي لم يمر مثلها علينا من قبل، كذلك استشهد أكثر من ستة شباب بمحيط منزلنا، فاليوم أصبح الحي مُدمر، فكل مكان يقع عليه النظر هو مُدمر".
وتابعت أبو جامع "ربنا يصلح الحال، ويدخل الفرحة على كل مسلم موحد، ويتقبل الله طاعاتنا، ويعوضنا خير بما فقدنا، ويجمع شملنا، ويعاد بناء منازلنا المدمرة، ويعود السكان لمنازلهم، وتعود الحياة لطبيعتها، وأجواء الفرحة والحب والزيارات بين الأقارب والجيران كما كانت بالسابق".
أما في بلدة خزاعة، التي تقع على التخوم الشرقية لخان يونس، فحاولت فرحة العيد الدخول للبلدة، عبر بعض الأضحيات التي أثر بعض سكان البلدة أن يذبحوها هذا العام، على الرغم من مشاهد الدمار التي ما زالت باقة، ورائحة الموت التي تفوح من كل مكان.
وقابل مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" الشاب إياد سالم قديح، وهو يجلس برفقة أطفاله مقابل منزله المُدمر ينظروا بحسرة لجيران لهم أشتروا خروف أضحية، وآخرين عجلين وبقرة، بعدما كان الحي الذي يقطن فيه يُضحي بأكثر من 20 عجل بكل عيد "حسب قوله".
وأوضح قديح إلى أنه لم يُضحي هذا العام، لأنه فقد كل ما يملك مع منزله الذي تدمر بالكامل ولم يتبقى سوى غرفة استصلحها ويعيش بها، لكنه اكتفى بمشاهدة الأضاحي في محاولة منه لإدخال الفرحة على قلوب أطفاله، الذين اصيبوا بالصدمة خلال الحرب.
وأشار إلى أن السنوات الماضية الكثير من الناس سكان البلدة ضحوا، لكن هذا العام، الناس فقدت كل شيء، فمعظم البلدة لحق بها أضرار، عدا كل شارع وحي به شهداء وجرحى ومعتقلين ومُشردين..، لكن نحن صامدون صابرون مرابطون، لن نتخلى عن منازلنا وبلدتنا، سنبقى بها، وسنعيد الحياة لها.
ولفت قديح إلى أن الفرحة بالكاد تكون معدومة هذا العام، ولم يتوقعوا أن يمر عيد كهذا، "ففي كل عام يمر العيد علينا بفرحة وبهجة وبأجواء احتفالية مميزة"، وأضاف "إن كانت لنا أمنية فهي أن يندحر الاحتلال، ونُصلي بالقدس العام القادم، ويحل السلام العادل، ويُنصف شعبنا المظلوم، وتعاد منازلنا المدمر كسابق عهدها..".
أما جميلة قديح (64عامًا) فتعتبر العيد هو سلامتهم من الحرب، وعودتهم للبلدة رغم الدمار والخراب الكبير الذي طالها، وتساءلت "كيف نشعر بفرحة وخيرة شباب البلدة استشهدوا، ومعظم جيراننا هدمت منازلهم، ودمرت أراضيهم..!".
وقالت قديح : "ما شاهدناه من خوف ورعب وتدمير للإنسان والشجر والحجر والحيوان والطير ..لا يمكن أن يُنسى، وما مر علينا ما مر على دول كُبرى تمتلك جيوش، لكن صبرنا وثبتنا، هو الذي جعل إسرائيل تنسحب، وإنشاء الله العام القادم يأتي ونحن بخير وسعادة، ونُصلي بالقدس جميعًا، ويندحر الاحتلال".
