كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية النقاب عن وثيقة سريّة تشمل خطةً لشنّ حرب خاطفة ضدّ سوريّة بهدف إعادة إنتاج واقع جديد في لبنان والمنطقة، لافتةً إلى أنّ الحديث يجري عن خطّة أرادت إسرائيل تنفيذها قبل اجتياح لبنان في شهر حزيران (يونيو) من العام 1982.
وبحسب مُحلل الشؤون العسكريّة في الصحيفة، أمير أورن، فإنّ قائد شعبة التخطيط في هيئة الأركان آنذاك، إيهود باراك، هو الذي كان وراء هذا المُخطط. ولفتت الصحيفة إلى أنّ باراك، كان في تلك الفترة مُقربًّا من وزير الأمن، أرئيل شارون، ومن رئيس هيئة الأركان العامّة، والمعروف بجزّار صبرا وشاتيلا، الجنرال رفائيل إيتان.
وأشارت الصحيفة أيضًا إلى أنّ باراك، الذي يُسّمى في إسرائيل بسيّد الأمن، كان على قدرٍ كبيرٍ من الدهاء والمكر، وتمكّن من تسليم الوثيقة مباشرةً لشارون قبيل العملية العسكريّة الإسرائيليّة لاجتياح لبنان، علمًا بأنّه كان يتحتّم عليه إبلاغ وزير الأمن إيتان.
وأوضح أورن أنّ الهدف المُعلن للحرب على لبنان كان (سلامة الجليل)، وهو الاسم الإسرائيليّ الذي أُطلق على الاجتياح، حيث وعد شارون رئيس الوزراء آنذاك، مناحيم بيغن، بأنْ يجتاح لبنان لمسافة أربعين كيلومترًا فقط، ولكنّه أخلّ بوعده، مُشيرًا إلى أنّ الهدف السريّ للاجتياح كان ما أسماه بخلط جميع الأوراق في رزمة شرق أوسطية، وإيصال المسيحيين المؤيدين لإسرائيل إلى سدّة الحكم في لبنان، علاوة على إخراج الفلسطينيين من لبنان إلى الأردن، الأمر الذي يؤدّي إلى انهيار المملكة الهاشميّة وإقامة الدولة الفلسطينيّة شرق نهر الأردن، في حين تستمر إسرائيل في السيطرة على كل الضفة الغربية وقطاع غزّة.
جدير بالذكر أنّ شارون لم يتنازل عن حلمه بطرد الفلسطينيين إلى الأردن، وعشية الغزو الأمريكيّ للعراق، وخلال اجتماع بين العاهل الأردنيّ، الملك عبد الله الثاني مع الرئيس الأمريكيّ آنذاك، جورج دبليو بوش، طلب الملك من الرئيس لجم شارون، وعدم السماح له باستغلال الحرب على العراق في العام 2003 لتنفيذ مخططه وطرد الفلسطينيين من الضفّة والقطاع إلى الأردن، وفعلاً وعده بوش بذلك، وأمر شارون بعدم الإقدام على هذه الخطوة. وتابعت الصحيفة العبريّة قائلةً إنّ خطة باراك كانت تعتمد على تفعيل قوةٍ هائلةٍ بهدف خلق واقع جديد يصوغ وعياً وصورة واقع. ولفتت الوثيقة إلى أنّ الخطة التي أُطلق عليها اسم (أورانيم)، ومعناها بالعربيّة شجر الصنوبر، رأت أنّها لا تستطيع تحقيق الهدف الأدنى، وهو منع إمكانية إطلاق القذائف تجاه إسرائيل من دون السيطرة على مناطق تحت سلطة السوريين.
أمّا فيما يتعلّق بالأهداف الواسعة فكانت تدمير البنى التحتية في كل الأراضي اللبنانيّة، بما في ذلك بيروت، والتقرب من المسيحيين بما يفرض التصادم مع السوريين في لبنان.
علاوة على ذلك، جاء في الوثيقة إنّه حتى لو كان من الممكن السيطرة عسكريًا على مواقع المقاومة الفلسطينية حتى بيروت، والانضمام إلى المسيحيين من دون التصادم مع السوريين، فإن هناك شكًا في إمكانية تحقيق تغيير قابل للاستمرار في بنية النظام في لبنان حتى يصمد بعد مغادرة إسرائيل، من دون أن تثبت إسرائيل في وعي كل الجهات في لبنان التفوق الإسرائيليّ على السوريين في استخدام القوّة العسكريّة. وتابعت الوثيقة قائلةً: كانت الضرورة تقتضي السيطرة على الأجواء من أجل تسريع وتيرة القتال، وفي المقابل، فإنّ استمرار وجود منظومة صواريخ أرض ـ جو في البقاع، يُعرّض للخطر على المدى الطويل مصداقية قوة الردع الإسرائيليّة، وبنسبة لا تقل عن ذلك حرية الطيران شرقي البقاع.
وبناءً على ذلك، رأت الوثيقة أنّ هذه القضية تُشكّل محفزًا إضافيًا لضرورة العمل ضدّ السوريين في حال تنفيذ عملية في لبنان، ومن غير المعقول فرض قيود على سلاح الجو، وإذا تمّ تفعيل سلاح الجو ضد صواريخ أرض ـ جو يجب أن يكون ذلك في البقاع، ومن الأفضل تفعيل سلاح الجو ضدّ كلّ المنظومة الصاروخية، واستغلال النتائج من أجل تفعيل قوة هائلة من سلاح الجو والقوات البرية ضد القوات البرية السورية، خاصة في الجولان، على حدّ تعبير الوثيقة، التي أعدّها باراك. وبحسب الصحيفة، تناولت الوثيقة المخاطر التي قد تنتج بسبب العملية، ومنها وقف الحرب العراقيّة-الإيرانيّة وتوجّه الجيش العراقيّ للحرب إلى جانب سوريّة، تراجع مصر عن اتفاق السلام المُسّمى (كامب ديفيد)، وقيام أمريكا بممارسة الضغوطات على إسرائيل، وعليه اقترح باراك العمل ضدّ السوريين بطريقة الحرب الخاطفة، على غرار عدوان حزيران (يونيو) من العام 1967، مُشدّدًا على أنّه توجد أهمية كبيرة لظروف بدء العملية حتى تتوافر القوة الكافية لتحقيق إنجازات برية فوريّة تدفع السوريين إلى الهزيمة خلال 72 ساعة، كي يكون الإنجاز الفوريّ الجزئي قد تحقق خلال 24 ساعة، مثل تدمير منظومة صواريخ أرض ـ جو بكاملها في الجولان، والسيطرة على طريق دمشق ـ بيروت، وخلُص باراك في خطته إلى القول، بحسب الصحيفة العبريّة، إنّه في أعقاب ذلك يُصبح من المُمكن مع ضبابية المعركة تجاه الدول العظمى وحلفاء العرب، منع ردّ ناجع، وبعد جلاء الضبابية سيدفعهم ذلك إلى التسليم بالواقع الجديد الذي نشأ، على حدّ تعبيره.
يُشار إلى أنّ الخطة لم تخرج إلى حيّز التنفيذ، بينما غرقت إسرائيل في الوحل اللبنانيّ عقب الاجتياح، ومن سخرية القدر أنّ باراك، في أيار (مايو) من العام 2000، عندما كان رئيسًا للوزراء، هو الذي قرّرّ الانسحاب من لبنان، الذي كان شريكًا فعلاً في إغراق إسرائيل فيه.
كما أنّ لجنة تحقيق حكوميّة تشكّلت في تل أبيب وقررت منع شارون من تبوأ منصب وزير الأمن بعد تورطه في مجزرة صبرا وشاتيلا، كما أنّ العديد من الكتب التي صدرت فيما بعد، أكدّت على أنّ بيغن، اعتزل الحياة السياسيّة بسبب ورطة أوْ لعنة لبنان.
نقلا عن /راي اليوم
