على الرغم من أنّ التفجير الغامض الذي وقع في أحد المفاعل النوويّة في العاصمة الإيرانيّة، طهران، سيطر على الأجندة الإسرائيليّة، وتناولته وسائل الإعلام العبريّة على مختلف مشاربها من جميع النواحي، إلا أنّ صنّاع القرار في تل أبيب، من المستويين الأمنيّ والسياسيّ، التزموا صمت أهل الكهف، ولم يؤكّدوا أوْ ينفوا، علاقة إسرائيل بهذا التفجير.
المسؤول الإسرائيليّ الوحيد، الذي غردّ خارج السرب، كان وزير الاستخبارات، يوفال شطاينتس، وهو من المُقربين جدا لرئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، حيث قال في حديث خصّ به القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيليّ، أنّ المخابرات الإسرائيليّة تملك معلومات مؤكّدة جدًا، مفادها أنّه في الماضي وقع انفجار في نفس المفاعل الإيرانيّ، بارتشن، دون أنْ يتطرّق إلى الانفجار الأخير، وساق قائلاً في معرض ردّه على سؤال إنّ الهدف الرئيسيّ لإسرائيل، كان وما زال وسيبقى تأخير وصول الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة إلى الأسلحة النوويّة بكلّ الطرق، على حدّ تعبيره.
علاوة على ذلك، لفت إلى أنّه خلال المحادثات الإستراتيجيّة التي أجراها مؤخرًا في واشنطن مع الأمريكيين، كان البرنامج النوويّ الإيرانيّ في صلب المفاوضات، لكنّه لم يكشف عن فحوى المحادثات، أوْ النتائج التي تمّ التوصّل إليها بين تل أبيب وواشنطن. يُشار إلى أنّ الوزير شطاينيتس كان قد كشف مؤخرًا النقاب عن قيام إيران عام 2001 بالتجارب في موقع بارتشين على تكنولوجيا يمكن استخدامها في تفجير قنابل نوويّة، على حدّ تعبيره.
وكانت وكالات الأنباء أفادت أنّ انفجارًا شديدًا وقع الليلة الماضية في منشأة بارتشين النووية الإيرانية، ممّا أدى بحسب وكالة الأنباء الإيرانيّة (ايسنا) إلى مقتل شخصين على الأقل وإصابة 17 شخصًا آخر بجروح.
وذكرت الوكالة الإيرانيّة أنّ الانفجار وقع في الوحدة لإنتاج المواد المتفجرة بالمنشأة الواقعة جنوبي شرقي العاصمة طهران. أمّا فضائية (العربية) فذكرت أنّ الانفجار وقع في المفاعل النووي بالمكان. وأفيد أنّ الانفجار تسبب في نشوب حريق بالمنشأة حيث شوهدت السنة النار على بعد كبير من الموقع كما تحطمت نوافذ في مبان على بعد 15كيلومترا منه. ويذكر أنّ الوكالة الدولية للطاقة الذرية تشتبه في قيام الإيرانيين بتجارب في موقع بارتشين على مواد شديدة الانفجار قد تستخدم صواعق لتفجير القنابل الذرية. ويُشار إلى أن إيران تمنع خبراء الوكالة الدولية من زيارة هذا الموقع. وفي سياقٍ متصّلٍ، من المقرر أن تعقد غدا في طهران جولة محادثات أخرى بين خبراء الوكالة الدولية وبين المسؤولين الإيرانيين حول البرنامج النووي الإيرانيّ.
أمّا الصحافي الإسرائيليّ المختّص بالشؤون الإستراتيجيّة، رونين بيرغمان، فقال للقناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيليّ إن الرئيس السابق للموساد الإسرائيليّ، مئير داغان، كان قد رجحّ عدم قدرة إيران على امتلاك سلاح نووي قبل عام 2015. وذكّر بأنّ داغان قال إنّ البرنامج النوويّ الإيرانيّ تراجع سنوات للوراء بسبب سلسلة من الأعطال التي واجهته.
وأضاف بيرغمان، نقلاً عن مصادر رفيعة جدًا في إسرائيل قولها إنّ إيران لا تزال بعيدة عن القدرة على إنتاج أسلحة نووية وأنّ سلسلة من الإخفاقات جعلت هدفها في الحصول على هذه القدرة يتراجع سنوات عديدة إلى الوراء والتي يمكن إن تصل تقريبًا إلى عام 2015.
ولفت بيرغمان إلى أنّ فترة عمل داغان تركزت على قضيتين أساسيتين أولهما البرنامج النوويّ الإيرانيّ، وكذلك اغتيال قادة حزب الله اللبناني وحركة حماس والعلماء الإيرانيين وهي العمليات التي نسبت المسؤولية عن تنفيذها في معظم الأحيان لجهاز الموساد (الاستخبارات الخارجيّة)، والذي التزم الصمت المُطبق.
وقال بيرغمان أيضًا في معرض ردّه على سؤال إنّ السبب الرئيسيّ، الذي دفع رئيس الوزراء الإسرائيليّ، أرئيل شارون، إلى تعيين داغان رئيسًا للموساد، هو ثقته الكبيرة جدًا في قدرات داغان على إبطاء المشروع النوويّ الإيرانيّ، مُشددًا على أنّ شارون وضع هذه المهمّة على رأس أولويات الموساد الإسرائيليّ، علمًا بأنّ هذا الجهاز يتبع مباشرة لرئيس الوزراء في إسرائيل. علاوة على ذلك، حذّر داغان مؤخرًا من مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، وكشف بحسب صحيفة (يديعوت أحرونوت) في اجتماعات مغلقة أفكاره من القضايا المختلفة التي تواجهها إسرائيل، وخصوصًا إيران التي يعتبر أنّ برنامجها النوويّ يُشكّل تهديدًا وجوديًا على إسرائيل. ونقلت الصحيفة عن داغان قوله في هذه الاجتماعات إنّ الإيرانيين ما زالوا بعيدين جدًا من القنبلة النوويّة، وأنّ برنامجهم يتأخر مرة تلو الأخرى بسبب الوسائل التي يتم تنفيذها ضدهم، في إشارة إلى عمليات سرية عسكرية والكترونية.
وتابعت الصحيفة قائلةً إنّ داغان تحدّث في الماضي عن أنّه لا ينبغي على إسرائيل المسارعة إلى مهاجمة إيران، أوْ شنّ حرب إلا في حال تعرضت لهجوم، أو عندما يكون السيف مسلطًا على عنقها، وليس مسلطًا فحسب، وإنمّا يقطع اللحم الحي، على حدّ وصفه.
في السياق ذاته، ووفق وثائق أرشيف الأمن القومي الأمريكيّ التي أفرج عنها مؤخرًا، فإنّ سياسة عدم تأكيد وجود سرّ إسرائيل المحفوظ والأسوأ تعود إلى اتفاق بين أمريكا وإسرائيل في عام 1969، حين وقّع الرئيس ريتشارد نيكسون اتفاقًا مع رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مئير، تضمّن اعترافًا سريًا بالحقيقة غير المعلنة للبرنامج النووي الإسرائيلي، وهي أن الولايات المتحدة ستقبل بهذا البرنامج ما لم تعترف إسرائيل بالأمر علنًا.
