بدأ مؤتمر إعادة إعمار غزة في القاهرة أمس من دون حضور إسرائيل، وهي من بين أكثر الدول ذات الصلة بالموضوع. وبرغم أن هناك في العالم من يتساءل أصلاً عن سبب عدم قيام العالم بإجبار إسرائيل على إعمار ما خربته بنفسها في القطاع، فإن الأميركيين طالبوها بحضور المؤتمر والمساهمة في إعادة الإعمار.
وكشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية النقاب عن أن هذه هي المرة الأولى التي تغيب فيها إسرائيل عن أي مؤتمر للدول المانحة للفلسطينيين، لكنها بررت ذلك بوجود توافق مع مصر حول الأمر.
وفي البداية فإن مسألة المعابر حول قطاع غزة، وتحديداً مع إسرائيل ومصر، تحتل جانبا مركزيا في كل قضية إعادة إعمار القطاع حيث ترى عدة دول أنها لا يمكنها تقديم المساعدة المالية من دون ضمان تسوية مسألة المعابر. وبرغم أن مسألة المعابر مختلف بشأنها حتى الآن مع إسرائيل ومصر، إلا ان جانبا من الخلاف لا يزال قائما بين الفلسطينيين أنفسهم.
وتخشى أوساط فلسطينية أنه من دون حرية تنقل البضائع، وخصوصاً مواد البناء، يغدو كل حديث عن إعادة إعمار القطاع مجرد كلام لأن الإعمار من دون حرية معابر سيتطلب سنوات طويلة.
وقد كشفت "هآرتس" النقاب عن أن وزراء خارجية من حوالي 30 دولة يشاركون في المؤتمر الدولي لإعادة إعمار غزة لكن ليس بينهم أي ممثل إسرائيلي. وبحسب الصحيفة فإن هذا تم نتيجة تفاهم هادئ بين مصر ورئاسة الحكومة الإسرائيلية لعدم دعوة تل أبيب. وقالت إن هذا الموقف جوبه باعتراض من الخارجية الإسرائيلية التي رأت وجوب الإصرار على المشاركة في المؤتمر الذي يؤثر في إسرائيل.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي قوله انه قبل بضعة أسابيع بدأ ديوان الرئاسة المصرية بنقل رسائل لتل أبيب مفادها أن مصر لن تدعو إسرائيل للمؤتمر. وبحسب المسؤول الإسرائيلي فإن مصر طلبت من إسرائيل تفهم ذلك موضحين أنهم يخشون من أن مشاركة ممثل إسرائيلي سيدفع دولا عربية كثيرة خصوصا السعودية والإمارات المتحدة لعدم المشاركة. وأوضحوا أيضا أن أساس المبالغ التي ستصل للإعمار ستأتي من دول الخليج وليس من الاتحاد الأوروبي أو أميركا لذلك فإن مشاركة إسرائيل قد تفشل المؤتمر. كما قال المصريون ان مشاركة إسرائيل قد تدفع الفلسطينيين إلى عدم المشاركة خصوصا بعد خطاب الرئيس محمود عباس أمام الأمم المتحدة واتهامه إسرائيل بـ"إبادة شعب" في غزة وطلبه تقديم قادة إسرائيل للمحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
وأشار المسؤول الإسرائيلي إلى أنه جرت مداولات في تل أبيب بهذا الشأن أصرت فيها الخارجية على حضور المؤتمر وممارسة الضغط على مصر لإرسال الدعوة. وبررت الخارجية موقفها بأن الغياب عن المؤتمر يعطي انطباعا بأن إسرائيل تتقبل المقاطعة المفروضة عليها، وأنه في وقت يدعو فيه نتنياهو للتعاون مع الدول العربية لتحقيق السلام مع الفلسطينيين، فإن لإسرائيل مصلحة واضحة في المشاركة.
لكن نتنياهو ورجاله رأوا خلاف ذلك وقررت رئاسة الحكومة الاستجابة للطلب المصري وتم إبلاغ القاهرة أن إسرائيل لن تغضب إذا لم تدع للمؤتمر. وقال المسؤول الإسرائيلي ان "فحوى رسالة ديوان نتنياهو لمصر هي أن إسرائيل تتفهم مصر والحساسيات ولن تمارس ضغوطا لدعوتها".
من جهة أخرى أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي، أفيعدور ليبرمان قبيل افتتاح مؤتمر إعادة إعمار القطاع أن شروط إعادة الأعمار تم تنسيقها بين إسرائيل والولايات المتحدة. وقال إنه "ليست هناك مطالب أميركية. وهناك تفاهمات بيننا". وبحسب كلامه فإن "فرضية الأساس الإسرائيلية هي أننا بالتأكيد معنيون بالترميم المدني لغزة. ونحن بالتأكيد نريد الحديث أكثر عن آلية الرقابة، وكيف ستمر المواد والأموال. هناك تفاهمات لا بأس بها".
ورفض اعتبار أن إسرائيل غائبة عن المؤتمر، قائلاً إنه "ليس صحيحا أن إسرائيل لا تشارك في المؤتمر. ويستحيل إعادة إعمار غزة من دون مشاركة إسرائيلية ومن دون تعاون إسرائيلي. لكننا نفهم القيود على الدول العربية. في كل حال سنحاول أن نكون إيجابيين بقدر ما يتصل الأمر بالبنى التحتية المدنية والترميم المدني. والعتاد سيمر عبر حواجزنا الحدودية. لا شأن لنا ضد الأطفال أو المدارس أو العيادات".
ولاحظ المعلق الإسرائيلي المختص بالشأن الفلسطيني آفي يسسخاروف في مقالته في موقع "والا" أن إسرائيل وحماس معنيتان بالإسراع في إعادة إعمار القطاع بينما مصر والسلطة الفلسطينية ليستا في عجلة من أمرهما.
وكتب أن هناك شراكة مصالح حاليا بين إسرائيل وحماس المعنيتين بإعمار سريع للقطاع. فحماس معنية بالاسراع لأن كل تأخير في إعادة الإعمار وفتح المعابر امر يعني هزيمة في الحرب الأخيرة ضد إسرائيل بينما إعادة الإعمار وفتح المعابر وتخفيف الحصار تؤكد ادعاء الانتصار على إسرائيل. وبغية تسهيل إعادة الإعمار وافقت حماس على التخلي عن صلاحيات الحكم المدنية رغم أنها ليست مستعدة للتخلي عن صلاحياتها الأمنية.
أما إسرائيل فتريد الإسراع في إعادة الإعمار لأنها ترى فيه استمرارا لاستراتيجية الهدوء التي ينتهجها نتنياهو وحكومته. أي السعي للهدوء ووضع اللاحرب من دون حل المشاكل الجذرية حتى لو لم يتم تجريد غزة من السلاح. وكل ذلك من أجل شراء عدة شهور من الهدوء إلى أن تأتي الجولة المقبلة.
ويعتبر يسسخاروف مصر والسلطة الفلسطينية "طرفين إشكاليين في الوضع القائم. فإعادة الإعمار السريع من دون تغيير الوضع السلطوي في غزة تعزز سيطرة حماس. وهذا أقل إشكالية عند إسرائيل التي ترى في حماس شريكا وفي أبي مازن عدوا استراتيجيا". وفي رأي يسسخاروف فإن القاهرة ورام الله منزعجتان في الوقت الراهن "لذلك فإنهما تماطلان في إعادة الإعمار"
كتب حلمي موسى لصحيفة "السفير"اللبنانية"
