في موازاة الحديث عن مؤتمر إعادة إعمار قطاع غزة، تتحدث الصحف الإسرائيلية أيضاً عن المفاوضات التي ستجري بين إسرائيل وحركة حماس لتبادل الأسرى أو جثامين الجنود. وتشير "يديعوت أحرنوت" إلى أن إسرائيل تتوقع أن تعمد حماس إلى ابتزازها وترفع الأسعار في المفاوضات التي لم تبدأ بعد. وكانت رئاسة الحكومة الإسرائيلية قد عينت العميد احتياط ليئور لوتان منسقاً لشؤون الأسرى والمفقودين، ليتولى إدارة هذا الملف الحساس.
وقد رفض الحاخام الأكبر للجيش الإسرائيلي رافي بيرتس إبقاء أية شكوك بشأن مقتل الجندي أورون شاؤول من لواء "غولاني" والضابط هدار غولدن من لواء "جفعاتي". وقرر بعد عقد محكمة شرعية يهودية برئاسته أن أورون قتيل غير معلوم مكان دفنه، فيما غولدن قتيل اعتيادي بل سمح بدفنه.
وعدا عن المغزى الحاسم لهذا القرار على عائلتي شاؤول وغولدن، كان لذلك مغزى استراتيجي واضح في مواجهة حماس التي أملت أن تكسب من اختطاف الجثتين أثناء القتال. وأكد الحاخام أن أحداً من قيادة الجيش أو الدولة لم يضغط باتجاه الإعلان عن الجنديين قتيلين، وأن السرعة في اتخاذ القرار كانت جراء إدراك القلق القائم، وبعد جباية شهادات كافية من الجنود ومن الوقائع الميدانية.
وسهل هذا الإعلان على الحكومة الإسرائيلية التعامل مع الأمر ليس على أساس وجود أسرى في يد حركة حماس، وإنما على أساس وجود جثامين أو أشلاء. وجنب هذا الجيش التعرض لضغوط من جانب العائلات أو وسائل الإعلام، كما منع التكهنات ومحاولات استغلال الوضع إعلامياً من جانب حماس.
وطفت مسألة جثمانَي الجنديين الإسرائيليين على السطح أيضاً، حينما التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع رئيس "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" بيتر ماورر، حيث طلب منه المساعدة في إعادة جثتي شاؤول وغولدن. وأعلن ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية في حينه أن نتنياهو حمل بشدة أمام ماورر على حركة حماس التي تنتهك حقوق الإنسان وتتخذ المدنيين دروعاً بشرية.
وبحسب المعلق العسكري لصحيفة "يديعوت أحرنوت"، أليكس فيشمان فإن حماس تنوي استنزاف إسرائيل في مفاوضات مضنية على جثتي الجنديين بالطريقة نفسها التي أدارت بها مفاوضات صفقة جلعاد شاليت. ويلاحظ أن تصريحات قادة حماس في الأسابيع الأخيرة لا تشهد على إدراكهم للوضع الإقليمي الذي يعيشونه وعلى خطر أن يؤثر سلوكهم التفاوضي في مسألة الجثمانين على مهمة إعادة إعمار القطاع.
ويبين فيشمان أن حماس، حتى في مفاوضات وقف النار حاولت أن تحقق الإفراج عن أسراها المعتقلين في إسرائيل، في حين قيّدت إسرائيل الثمن بالإفراج عن معتقلين تم اعتقالهم خلال الحرب نفسها.
ويقول إن إسرائيل حاولت الربط بين وقف النار وإعادة الجثث، لكن حماس عارضت ذلك بشدة مطالبة بقناة تفاوض منفصلة. وفعلاً انفصلت المفاوضات على الجثمانين عن مسار المبادرة المصرية لوقف النار.
ويُعتبر أن لحظة تراجعت إسرائيل، نشأت الحاجة إلى بلورة طاقم مفاوضات يدير المهمة بدلاً من رجل الموساد السابق دافيد ميدان، الذي كان طلب إنهاء مهمته. فتم تعيين العميد ليئور لوتان ليبدأ مسار مفاوضات فعلي.
وشكل تعيين نتنياهو للوتان منسقاً لشؤون الأسرى والمفقودين، إعلاناً بجدية إسرائيل في إنهاء هذا الملف. وبحسب الإعلان فإن لوتان تطوع لمهمة العمل من أجل إعادة أي جنود أو مدنيين إسرائيليين يقعون في الأسر أو يتعرضون للاختطاف. وبديهي أن مهمة إعادة جثماني شاؤول وغولدن تحتل مكانة مميزة، نظراً إلى أن الحرب لم يهدأ غبارها بعد، ولدى إسرائيل أوراق ضغط قوية تتمثل في إمساكها بملف إعادة إعمار القطاع.
ومعروف أن لوتان كان بين أشد المعارضين لسن قانون يقيد الحكومة عند مناقشتها أمر الإفراج عن معتقلين في إطار صفقات تبادل أسرى. والمشكلة أن الحكومة التي عينت لوتان لهذه المهمة هي نفسها الحكومة التي قيدت نفسها بقيود القانون الجديد. وقد خدم لوتان في الماضي رئيساً لدائرة الأسرى والمفقودين في شعبة الاستخبارات العسكرية، وقد أدار مفاوضات مع "حزب الله" لتبادل الجنود الثلاثة والعقيد ألحنان تيننباوم.
وقال فيشمان إن حماس شرعت منذ الأسبوع الفائت بإشاعة آمال كبيرة بأن صفقة كبيرة باتت على الأبواب. وأضاف أنها تحاول عبر ذلك تحطيم المعنويات الإسرائيلية عبر إشاعة أنها تحتجز لديها ليس مجرد جثامين أو أشلاء من خلال رفع صور لأورون شاؤول في شوارع القطاع بقصد إهانة إسرائيل. ويخلص إلى أن المرحلة الثانية من المفاوضات بين إسرائيل والوفد الفلسطيني المشترك في القاهرة مقرر أن تبدأ في 28 من الشهر الحالي. ومنطقي الافتراض أن المفاوضات بشأن الأسرى ستجري في موعد قريب من ذلك.
كتب حلمي موسى لصحيفة " السفير" اللبنانية
