موسى جبّارين من مدينة أم الفحم في المثلث الشماليّ، داخل ما يُسّمى بالخط الأخضر، والذي يبلغ من العمر 77 عامًا، ما زال يذكر جيّدًا الرئيس الفلسطينيّ الراحل، الشهيد ياسر عرفات. وعندما عاد عرفات في العام 1994 إلى غزّة، وصل جبّارين إلى ديوانه، ولكنّ الحرّاس منعوه من الدخول.
جبّارين لم يتنازل، وطلب منهم أنْ يتصّلوا بالرئيس عرفات ويُبلغوه بأنّ موسى جبّارين يتواجد في الخارج بانتظاره. بسرعة، يروي جبّارين، للصحافي جاكي خوري، من صحيفة (هآرتس) الإسرائيليّة، كان الجواب أدخلوه بسرعة. خرج أبو عمّار وتعانق مع جبّارين، وذرفا الدمع، وهما اللذان لم يلتقيا منذ 26 عامًا. في العام 1967 و1968 كانا يلتقيان سرًا، تقريبًا كلّ أسبوع، حيث كان كلّ واحد منهما مسؤولاً عن منطقة، جبّارين عن أم الفحم وعرفات عن جنين.
وزاد جبّارين: كغيري من الشباب العربيّ الفلسطينيّ في الداخل، أردت الانضمام إلى الكفاح الوطنيّ بعد النكسة التي لحقت بأمتّي العربيّة في العام 1967، وبسبب استيائي العارم من الزعماء العرب، على حدّ قوله. وخلال اللقاء، الذي تمّ بين عرفات وجبّارين، قام الاثنان باستعادة الذكريات المشتركة بينهما، وتحديدًا العمل السريّ في مغائر أم الفحم وجنين، عندما عمل عرفات بكلّ قوته من أجل إحياء النضال الوطنيّ الفلسطينيّ. ولفتت الصحيفة العبريّة، إلى أنّ جبّارين كشف هذه القصة بعد حوالي خمسين عامًا لأوّل مرّة خلال اللقاء الذي تمّ في بيته، مُشدّدًا على أنّه والرئيس الراحل عرفات خططا لاغتيال الجنرال موشيه دايّان، الذي كان بالنسبة لهما يُمثّل العسكريتاريّة الإسرائيليّة.
وأوضحت الصحيفة أنّ جبّارين روى عن عرفات ما كان يعرفه القلائل فقط عن شخصيته، وقال: التقيت بعرفات لأوّل مرّةٍ في شهر أيلول (سبتمبر) من العام 1967، أيْ ثلاثة أشهر بعد عدوان العام 1967، كان اللقاء في منطقة جنين، والوضع كان صعبًا للغاية، ففي المنطقة سادت فوضى عارمة، الجيش الأردنيّ، كباقي الجيوش العربيّة، كان مهزومًا، والحدود كانت مخترقة، حيث كان عرفات يعبر الحدود من الأردن ويصل إلى الضفّة الغربيّة، وتمّ التعارف بيني وبينه بواسطة أحد أقاربي، قال جبّارين.
ولفت إلى أنّ التعارف مع عرفات كان له تاريخ، إذ أنّ والد جبّارين حارب العصابات اليهوديّة في العام 1948، وكان قناصًا محترفًا، حتى أنّهم أسموه عزرائيل، وأنا ورثت اللقب والمهنة منه. وأضاف: رأى عرفات أنّ العرب الفلسطينيين، الذين بقوا في إسرائيل، هم رأس الحربة في النضال ضدّ إسرائيل، ودائمًا منّا نُفكّر بكيفية تشكيل خلايا فدائيّة بهدف تهريب الأسلحة، وكنّا نلتقي في الأحراش أوْ في المغارة، وفي بعض الأحيان مانوا يستبلوننا في بيوتهم، ذلك أننّا دائمًا بحثنا عن بيوت لها عدّة مخارج، على حدّ قوله. وكشف النقاب أيضًا أنّه كانوا يُلقبّون عرفات مرّة أبو عمّار وأخرى أبو محمود، وذلك إذا كان في المكان وجوهًا جديدة، حتى لا يتعرّفون عليه، لقد كان رجلاً ذكيًّا جدًا، يُجيد الألاعيب، ودائمًا عرف أين يختبئ، ومع مرور الوقت، أضاف جبّارين، توطدّت العلاقة بينهما وزادت الثقة بينهما، وقرر عرفات تعييني مسؤولاً عن تنفيذ العمليات في المنطقة، وتابع: وصل عرفات مرّة إلى حدود أم الفحم، التقيت به، وقال ليّ بالحرف الواحد، لا أستطيع أنْ أُعيّن شخصًا غريبًا مسؤولاً عن المنطقة، فأنا أُريد واحدًا من المنطقة ويعرفها جيّدًا.
وفي معرض ردّه على سؤال حول العملية الأكبر والأخطر التي خطط لها سويّةً مع عرفات قال جبّارين: اغتيال موشيه دايّان، وزير الجيش الإسرائيليّ، وكان مهمتي تعقبه ومراقبة تحركاته، لكي نتخذ قرارًا بتحديد المكان الذي ستتّم فيه عملية الاغتيال، وأخيرًا، شدّدّ المُسّن الفحماوي، على أنّ المكان الذي تمّ اختياره هو أحد المطاعم في شارع (همسغير) في مدينة تل أبيب. وأضاف أنّه بأمرٍ من عرفات، انتقل إلى مدينة تل أبيب وعمل في فرن للخبز، الأمر الذي سمح له بالتجوال في المدينة وتعقّب دايّان، وفعلاً تمكّنت من تحديد موقعه، حيث كان يُسافر في سيارة من طراز (ساب)، وكان يأكل في مطعم (أكروبوليس) في شارع (همسغير)، وفي بعض الأحيان كان يأكل في شارع (كارليباخ، وأحيانًا في مطعم يوسف ناصر في حيّ العجمي بمدينة يافا، قال جبّارين.
وقررنا سويّة أنْ تتّم عملية الاغتيال في شارع (همسغير)، حيث كان الخطة تقضي بإطلاق ثلاثة صواريخ على دايّان من طراز أر.بي.جبي، ولكن بعد مرور عدّة أشهر، زاد جبّارين، كُشفت خطتنا، اعتقدنا أنّ أحد أفراد الخلية قام بالوشاية، ولكن تبينّ فيما بعد أنّ الشخص روى لقريب عائلته عن الخطّة، والأخير بهدف الحصول على وظيفة مُدرّس قام بهذه الفعلة التي اعتبرها خيانة.
وقال إنّ إسرائيل أخفت قضية التخطيط لاغتيال دايّان، لأنّهم أرادوا الإخفاء بأنّ الفدائيين وصلوا إلى تل أبيب. وبعد التحقيق تمّ تقديم لائحة اتهام ضدّي في المحكمة العسكريّة، وحُكم عليّ بالسجن لمدّة أربع سنوات. وخلُص إلى القول: بالنسبة ليّ عرفات ما زال القائد، لن أنساه ما دمت على قيد الحياة، العالم عرفه كثوريّ، إسرائيل قالت إنّه إرهابيّ، شعبه رأى فيه زعيمًا وقائدًا كبيرًا وحامل لواء المقاومة، ولكن بالنسبة لي، قبل كل شيء، عرفات كان أخًا وصديقًا، قال جبّارين.
