فلسفة الصمود في خطاب ياسر عرفات

بقلم: باسل خليل خضر

قبيل البدء في كتابة مقالة عن الشهيد أبو عمار تجولت في العقول والقلوب عن أجمل الكلمات التي يمكن أن نوصف بها ذلك الشخص العظيم, فوجدت أن الكتاب والمفكرين العاشقين للياسر قد كتبوا كل الكلمات الموائمة لجلالة ذلك الرجل, لقد دونوا عن شخصيته وسجاياه ومعاملاته وسياساته وفكره وعقله ونضاله ومقاومته, سطروا كل ما يتبادر للذهن وما لا يخطر على البال, ولكن أردت أن أكتب في ذكرى استشهاد ذلك الرمز الوطني والزعيم العالمي مقالاً يخلد ذكراه, إلا أن كتابة هذا المقال تخضع عندي لمقاييس خاصة بي: أولاً: أن لا يكون المقال تكرار لما كتبه السابقون, ثانياً: أن يستفيد من المقال الشعب الفلسطيني في حاضرة ومستقبلة, وثالثاً: أن يليق بعظمة الراحل أبو عمار, فبحثت في تاريخ هذا العملاق حتى وجدت ما أصبو إليه في فلسفة جميلة كان ينتهجها الرئيس أبو عمار في خطابه, هي فلسفة الصمود الموجودة في ثنايا الخطابات, وهذه الفلسفة ما نحتاجها في حاضرنا, فأردت أن أعود بكم إلى زمن الرئيس الراحل, إلى الزمن الأجمل في التاريخ الوطني من حيث الشعور بالانتماء للوطن, إلى زمن كلنا حلم بالشهادة من أجل فلسطين, إلى زمن لم تتردد المرأة في التبرع بكامل ما تملك من الذهب من أجل القدس, إنه الزمن الذي كان ينادي فيه الجميع (القدس رايحين شهداء بالملايين).

لقد عاش الشعب الفلسطيني أصعب الظروف منذ احتلال أرضه, وازدادت بعد انتفاضة الأقصى شراسة العدو ضد الفلسطينيين, وبدأت تتنوع الجرائم ضد الشعب بعدة أشكال منها الحصار، والقتل، والاستيطان والتهويد, ونتيجة لتطورات العدو في استباحة الدم الفلسطيني بعد انتفاضة الأقصى, انتهج الرئيس ياسر عرفات في خطابه أسلوباً جيداً وهو الدعوة إلى الصمود والتحدي, فكان يؤمن بأن الصمود هو خير وسيلة لمواجهة الاحتلال الصهيوني, وقد ترجم خطابه عن الصمود إلى حقيقة تلامس قلوب الصابرين, فإن فلسفة الرئيس في زرع أفكار الصمود والتحدي جديرة بالدراسة والإستفادة منها.

بعد استشهاد الخالد فينا أبو عمار بدأت تتزايد الألآم والجراح, وأخذت جرائم العدو بحق شعبنا تكبر أكثر فأكثر, حتى أصبح الفلسطيني يعيش أسوء لحظات تاريخه, حصار خانق ومشدد على البضائع والسفر والتجارة, حروب تشن بجبروت عدو لا أخلاق له, وأصبح الفلسطينيون يقتلون بالألآف, والاستيطان تغلغل في الأرض الفلسطينية ينهش وينهب في وطننا, القدس تهود بالتدريج, والدولة تقوض بالقوة, فالعدو يستهدف الروح الوطنية يريدنا أن نركع ونستسلم, فهذه الحالة التي وصلنا اليها تبعث اليأس في قلوب الناس, ولكي نستنهض الأمل المفقود في قلوب الفلسطينيين يجب علينا إعادة فلسفة الصمود التي ابتكرها أبو عمار إلى الواقع الفلسطيني, والاستفادة منها في مواجهة الاحتلال.

عندما أردت أن أستخلص فلسفة الصمود من خطاب الياسر ووجدت الكم الهائل من الخطابات للراحل لا يكفيها مقال بل تحتاج إلى موسوعات, فقررت أن أدرس عينة عشوائية من الخطابات وهذه العينة عبارة عن جميع الخطابات لشهر مايو 2001, فرجعت لجميع الخطابات في ذلك الشهر وقمت بتحليلها وقسمتها كالآتي: تسعة خطابات يدعو فيها إلى السلام والحل العادل, وستة خطابات يدعو فيها إلى حماية الشعب الفلسطيني, وخمسة خطابات يدعو فيها الشعب الفلسطيني إلى الصمود والتحدي كطريق لمواجهة الاحتلال, وخطابان كانا بمثابة إدانة لجرائم الاحتلال, وخطاب واحد كان إشادة بطرف معين لدعمة للشعب الفلسطيني.

عند الرجوع لتلك الخطابات خلال الشهر المذكور نجد أن موضوع مقالنا وهو فلسفة الصمود والتحدي قد حظيت بخمسة خطابات للرئيس, وفي المقابل خطابات السلام تسعة, والحماية الدولية ستة, ولكن ما أود قوله إن الصمود ليس فقط خمس خطابات بل كل خطابات الرئيس على مدار الشهر كانت تدعو بين ثناياها وفي جوهرها إلى بث روح الأمل ودعم الصمود وتعزيز التحدي, فهو عندما يتحدث عن السلام فان ذلك بهدف مساعدة الشعب على الحياة والاستراحة من مسلسل الحروب والآلم, ويتطلع لبناء مستقبل واعد لهذا الشعب المعطاء, وهذا يصب في رصيد صمود هذا الشعب, وعندما يتحدث عن حماية الشعب الفلسطيني في ستة خطابات فإنه يسعى لإيقاف ذبح الناس بألة الدمار الصهيونية, لمساعدة الشعب على الصمود, وعندما يدين ويستنكر ويشيد فكل ذلك من أجل هذا الشعب, وقد دعا خلال الشهر خمس مرات بشكل واضح الى الصمود والتحدي في وجهة المحتل, فنحن شعب لا نمتلك سوى الصمود.

تحدث أبو عمار تسعة مرات عن السلم ويعد حديثه عن السلام بمثابة خطوة عملية تمكنه من زرع الأمل والصمود في ذوات أبناء وطنه, ولذلك أردت أن آتي بحديث ونقوم بتحليله كمثال على خطابات السلام, في يوم الخميس 03/05/2001 "أكد الرئيس ياسر عرفات التزامه بالمبادرة المصرية – الأردنية, وعملية السلام, وشدد الرئيس على أن لغة العنف والقصف لن تخدم مصالح الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي", يمكن استخلاص فلسفة الرئيس في الصمود من هذا الخطاب, من حيث التأكيد والتشديد على مصالح الشعب الفلسطيني, فإن الأهالي عندما يشعرون بأن قائدهم يسعى بكل قوة من أجل مصالحهم فإن ذلك من شأنه أن يزيد من صمود وتحدي هذا الشعب الجواد.

كذلك الأمر بالنسبة لخطبه في الحماية الدولية, التي يطالب المجتمع الدولي بالقيام بواجبه القانوني والأخلاقي بحماية الشعب الفلسطيني من مهلكة الموت المبرمج الذي يفرضه الاحتلال, فإن هذه الخطابات تدعو في صميمها إلى فلسفة الصمود التي يتبعها الشهيد أبو عمار في تسكين ألآم شعبه, وإذا ما اقتبسنا أحد الخطابات خلال الشهر (العينة) فإننا نجد أن الصمود والتحدي لا يغيب عن خطاب الرئيس أبداً، ففي يوم الخميس 03/05/2001 "شدد الرئيس ياسر عرفات على ضرورة العمل على ضمان الحماية الدولية الفورية لمنع استمرار العدوان الإسرائيلي ضد شعبنا الفلسطيني, ومقدساته المسيحية والإسلامية في القدس الشريف والخليل وبيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور وغيرها, ووقف مسلسل القتل اليومي لجماهيرنا", نلمس من هذا الخطاب روح التضامن من الياسر مع شعبه الذي يعاني من الحصار حيث إن الحصار لم يكن فقط بعد 2007, فالحصار منذ بداية انتفاضة الأقصى حيث أعلن وزير المالية في نفس اليوم من خطاب الرئيس السابق أن الخسائر الفلسطينية بسبب الحصار الإسرائيلي بلغت 4348 مليون دولار منذ ايلول 2000 حتى نيسان 2001.

خطاب الصمود

كما عودنا الرئيس الراحل أن يشعر بمعاناة شعبه ويوصلها بأعلى صوته إلى كل الشرفاء والاحرار في العالم, ولا تغيب عن قلوبنا كلمته (نحن مع مجرى التاريخ وسننتصر طال الزمن أم قصر), لقد صنع أبو عمار من خلال عبقرته أجيالاً من المواطنين يستمتعون بتحمل أعباء الوطن لا يهمهم من عاداهم وهم لمنتصرون, إنه أسلوب الرئيس الذي لم يتكرر في تاريخ النضال الفلسطيني, فقد تعلمنا منه الصمود والتحدي كوسيلة نرهق بها الوجود الصهيوني.

خطابات أبو عمار في الصمود كثيرة ولذلك اخترنا خطابات شهر مايو كعينة, وسنضع بين أيديكم بعض الخطب من ذلك الشهر, كي نزداد ثقه بتذكر خطاب الرئيس ونتعلم منه كيف تكون حياتك ووطنك معاً, يوم الأربعاء 16/05/2001 يؤكد أبو عمار "أن العدوان الإسرائيلي هو محاولة لتركيع شعبنا الذي لن يركع إلا لله, وسيرفع شبل وزهرة من أبناء الشعب الفلسطيني علم فلسطين على أسوار القدس", الكثير يتذكر هذه الكلمة جيداً التي كان يرددها ياسر عرفات باستمرار حتى أصبحت ضمن ثقافة المناضل الفلسطيني, وأصبحت تورد الأمل في شرايين الصابرين, فالقلوب كانت تخفق فرحاً واستبشاراً بنصر الله عند سماع هذه الكلمة بصوت الراحل أبو عمار, فإن هذه الكلمة وغيرها من كلمات الرمز كانت تنزل على قلوب المنكوبين والمجروحين برداً وسلاماً, وتستنهض فيهم الحس الوطني.

تعلمنا منك يا سيدي الرئيس أن نفتخر بأننا فلسطينيون وتعلمنا أن الوطن يستحق منا الغالي والنفيس, وفي هذا المقال لا يمكن أن ننسى كلمة عظيمة لشمس الشهداء, في يوم الخميس 17/05/2001 "أكد الرئيس ياسر عرفات أن الإسرائيليين تناسوا أننا شعب الجبارين, وأننا لا يمكن أن نهن ولا أن نركع ولا أن نستسلم", فإن الصمود الفلسطيني مدين لهذه الكلمة بالكثير, فهي سر من أسرار الصمود والتحدي, لقد رددها جميع الفلسطينيين بجميع أصواتهم الناعمة والصلبة وفي جميع مناسباتهم الحزينة والفرحة, لقد دوت كلمة شعب الجبارين في كل قلوب الشرفاء والأحرار, وأصبحت ناراً تحرق المحتل, فكانت هذه الكلمة تنزل على الإسرائيليين صاروخاً يهز أركانهم, وتحفر في عقولهم أن هذا الشعب لا يمكنه أن يموت, وفي المقابل تنزل نفس الكلمة على قلوب الفلسطينيين سحابة أمل تمطر عليهم مشاعر الحب والانتماء وتغذي صمودهم وتنعش وجودهم, نعم إنها فلسفة الرجل العظيم في بناء صرح من الصمود داخل كل إنسان فلسطيني, كم نحتاج مثل هذه الكلمات الآن, فإن صمودنا الحالي عبارة عن بقايا الصرح الذي تم بناؤه على يد هذا العملاق ياسر عرفات.

في يوم السبت 19/05/2001 أكد الرئيس ياسر عرفات "أن الشعب الفلسطيني صامد وعزيمته كالحديد, لن يتوانى, أو يتراجع, أو يستسلم, ولن يتخلى عن أهدافه, ومكتسباته, ولن يسمح بتدنيس مقدساته", إن شعبنا محظوظ لأنه وجد مثل هذا الرئيس في تلك المرحلة, هي كلمات تؤكد أننا شعب يستحق الحياة, وتبعث رسالة للمحتل بأنك مهما تماديت في جرائمك فإنك ستجدنا أعظم منك في صبرنا وتحملنا ألآلم من أجل فلسطين.

رحمك الله يا شمس الشهداء، وإننا على العهد باقون، معاً وسوياً وجنباً إلى جنب حتى القدس حتى القدس حتى القدس.