أضافت اليوم فرنسا إسمها الى لائحة الدول التي تبدي موقفاً واضحاً حول حل الدولتين. صادق برلمانها، الجمعية الوطنية، إعترف وبأغلبية كبيرة (339 مقابل 151) على الاقتراح الذي يدعو الحكومة الى الإعتراف بدولة فلسطينية بجانب دولة إسرائيل. ويشدد النص المفصل للاقتراح على وجه التحديد على أن هذا الاعتراف لا بد أن يكون مصاحباً باستئناف عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين بل ويشكل حافزاً عمليا لإعادة إطلاق المفاوضات. نص الاقتراح يشدد على الحاجة للتوصل الى حل متفق عليه بين الطرفين، حق الفلسطينيين لدولة خاصة بهم والحق الأساسي لإسرائيل بالعيش بسلام داخل حدود آمنة – وهذه هي الركائز المعروفة في السياسة الخارجية الفرنسية على مر العقود والرؤساء.
إسرائيل قد ترد على هذه الخطوة بـ"هزة كتف" وتقلل من أهميتها، بادعاء أن هذه مجرد خطوات معزولة ذات قيمة رمزية بالأساس، كما فعلت بعد تصويت إسبانيا وبريطانيا على اقتراح مشابه. هذا سيكون صحيحاً لكنه ساذج الى حد معين. هذه الخطوات تبدو وكأنها بداية "طفح جلدي" وليست مجرد خطوات معزولة، خصوصاً إذا أضفنا اليها حقيقة أن نحو 135 دولة (غالبية كبيرة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة) قامت حتى الآن بالاعتراف بشكل كامل بدولة فلسطين الافتراضية. الحرب الدبلوماسية التي يشنها الدبلوماسيون الإسرائيليون هي حول ما يسميه البعض (بجرعة كبيرة من عدم اللباقة الدبلوماسية) بـ"الأغلبية الأخلاقية" – المكونة بالأساس من دول أوروبا الغربية وشمال أمريكا.
بالإضافة الى ذلك، فإن قضية فرنسا مختلفة. يمكن تفسير الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس مع بداية جلسة نقاش الاقتراح على انه نوع من التعاون ووحدة آراء المسيطرة بين الغالبية الاشتراكية في الجمعية والحكومة. كشف فابيوس عن مبادرة فرنسية لإعادة إحياء العملية السلمية، والتي ستبدأ بقرار في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة برعاية أو حتى بتقديم فرنسي، يدعو الى عقد مؤتمر سلام عالمي، ووضع إطار زمني مدته سنتين للمفاوضات وسينتهي بوعد انه في حال فشلت هذه المحادثات، فإن فرنسا ستعترف بفلسطين بشكل أحادي الجانب. وبذلك يقوم فابيوس، المعروف عنه أنه يسهل إغراءه بالاعتراف الفوري لكن التقييدات السياسية والدبلوماسية تعيقه، دافعة به نحو تأجيل الموعد، لكنه يقدم التزاماً واضحاً، مما يجعل فرنسا أول دولة كبيرة في الاتحاد الأوروبي التي تقوم بمثل هذه الخطوة. يدّعي البعض أن هذه المبادرة هي محاولة لتصليح ما يعتبره بعض الإشتراكيين بأنه انحياز لإسرائيل خلال الحرب بين إسرائيل وحركة حماس في الصيف الأخير. تعرض الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند حينها لانتقادات حول تصريحاته الداعمة لحق إسرائيل بالدفاع عن نفسها واتهم بأنه المسؤول عن إشعال الفوضى في شوارع باريس والانتقادات ضد الحكومة.
يمكن للبعض أن يفسر أقوال فابيوس على أنها محاولة فرنسية أخرى للعب دور قيادي في القضايا الشرق أوسطية، محاولة واحدة ضمن سلسلة من المحاولات خلال العقود الأخيرة. لماذا قد تنجح هذه المحاولة أكثر من سابقاتها؟ قد لا تكون ناجحة، إلا إذا طبعاً تبين بأن الخطوة الفرنسية قد حظيت بموافقة الرئيس أوباما وأن والإدارة الأمريكية تحضر مفاجأة لإسرائيل في مجلس الأمن. سلب حق النقض الأمريكي التقليدي من حكومة نتنياهو قد يكون أسهل في حال لم يتم تقديم الاقتراح الى مجلس الأمن من قبل دولة عربية وإنما من قبل فرنسا، ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي.
نيكولا ساركوزي، الذي في طريقه الى العودة الى سباق الترشح للرئاسة الفرنسية في عام 2017، حاول جر التصويت في الجمعية الوطنية الى السياسة الحزبية الفرنسية. في مقابلة طويلة مع صحيفة "لا فيجارو" الفرنسية اليومية التي نشرت الأسبوع الماضي، انتقد ساركوزي الرئيس هولاند وحزبه بشدة لطرحهم هذا الاقتراح "في هذه اللحظة الحساسة" وحث زملائه في الحزب على التصويت ضده.
كما اتضح لاحقاً، فإن العديد من ممثلي حزب ساركوزي، بينما لم يصوّتوا لصالح القرار، فضلوا التغيّب عن عملية التصويت. مع كل الاحترام لساركوزي، فعلى الأغلب ظنوا أنها ليست فكرة جيدة الوصول الى المعركة الانتخابية المقبلة مع سجّل معارضتهم لإقامة دولة فلسطينية.
كما هو الحال في قضايا مشابهة في أوروبا، التصويت على الاعتراف بفلسطين غير الموجودة هو خطوة سهلة وشعبية جداً وليست مكلفة. إذ أنه لن يكون لها أي تأثير حقيقي في الواقع على الأرض. أكثر من أي شيء آخر، وفي الوقت الذي فيه العملية السلمية مجمدة، هو تعبير عن خيبة الأمل المدمجة بعدم الصبر اللذان يزدادان عند الحكومات والرأي العام حول العالم. لذلك، يتم ملئ الفراغ الدبلوماسي بمبادرات خارجية، بعضها رمزي وأخرى ذات فحوى. هذا التوجه سيستمر دون أي شك، مما سيزيد من عزلة إسرائيل، حتى يعثر الطرفين على طريق العودة الى طاولة المفاوضات.
كتب دانييل شيك - مستشار مستقل وسفير سابق لإسرائيل في فرنسا/ نقلا عن موقع قناة" I24 News" الاسرائيلية
