كيف يكتشف الأصدقاء الموسيقى في غزّة؟

تعرّفت على الموسيقى العربية عن طريق شريط "أراكَ عصي الدمع" لأم كلثوم. وجدته بالصدفة أثناء اضطرارنا للخروج من بيت العائلة القديم جنوب غزّة. فرض علينا المجتمع اعتبار أم كلثوم خاصّة بكبار السن، السمّيعة، لكن مع مطلع نص أبو فراس الحمداني وألحان السنباطي، أدهشتني طريقتها بنطق "لوعة" وقرب "ولكن مثلي لا يذاع له سر" لمراهقتي، سمعت أداء أم كلثوم كاملاً لأول مرة، وترديدها المتواصل: "نعم أنا مشتاق". تطوّرت علاقتي بالكاسيت، وتحوّل إلى أحد مقتنياتي الشخصية.

علقت سيارة الهيونداي العمومية بين حاجزيّ أبو هولي والمطاحن الفاصلين بين جنوب القطاع ووسطه وشماله. ركّزت مع الموسيقى. شدّتني بحّة أداء ذكورية بنطق: البيت القديم. "عمي لمين الأغنية هاد؟" "أظن محمد العزبي". سمعت كل أعمال محمد العزبي باحثاً عن البحّة إياها. لأكتشف لاحقاً أنها بحّة محمد رشيدي الطريّة. سمعته آلاف المرّات. كانت الأولى التي احتلّت ذاكرتي الرقمية، مع أول خطّ انترنت يدخل بيتاً مستأجراً هو بيتنا. انتهى عصر الكاسيت الكلاسيكي.

شخص بائس، يسبح في بحر كآبته المبتذلة، يكرّر سماع أغنية فلسطينية معتمدةً على مقطع متكرر: "عيش يا كديش". "شو اسم هذا النوع من الأغاني؟" أتاني الجواب: "فن ملتزم". لم تفرق معي الأغنية نفسها، أعجبني نوع الفن. وصلت أثناء البحث عن النوع إلى أناشيد ومدائح وإعلانات، ثم إلى ريم بنَّا. أغرتني لهجتها الفلسطينية، وهي تلفظ حرف القاف في أغنيتها رأس الجبل. أحمد قعبور نقلني بعد بحّة الحزن والولع المصري والكآبة الفلسطينية إلى لبنان. ثم اختط الحابل بالنابل مع أرشيف زياد الرحباني وأبحاث "غوغل" واقتراحات "يوتيوب" التي فنّدت كذبة الفن الملتزم.

***

تقول ديما أبو سليم (20 عاماً) إن أغنية "أمّانيه" كانت أول أغنية معاصرة سمعتها في التسعينيات للمغنّية اللبنانية ديانا حداد، والتي كانت أغنية شهيرة يعرضها التلفزيون بين الحين والآخر. في التاسعة، كانت تشغّل المروحة وتغني أمامها، لتضيف المؤثّرات إلى صوتها الصغير.

عبر التلفزيون أيضاً سمعت ديما أغنية "عبد القادر" للفنان الجزائري الشاب خالد، وصارت تنتظرها يومياً، وهي تقلّب بين قنوات الأغاني العربية الحديثة التي ازداد إنتاجها في تلك الفترة.

أمّا بالنسبة للأغاني الكلاسيكية، فتقول الشابة: "لم أستطع سماعها. كنت أعتقد أنّها مملّة، وطويلة، ورتيبة. لم أفهم ما كانت تقوله أم كلثوم، أو لم أحاول فهمه أصلاً. ارتبط هذا النوع من الموسيقى في ذهني بأنّها للكبار فقط. كان والدي دائم الاستماع إليها. لكن في إحدى المرّات سمعت أم كلثوم تغني "سيرة الحب"، لأندهش بجمال الأداء. كانت أوّل مرّة أستمع فيها لأغنيةٍ كاملة بصوتها. صرت أسرق الراديو لأستمع إلى نفس الأغنية التي تبثّها الإذاعة عصر كل يوم. لاحقاً وجدت كاسيت "أنت عمري" الذي داومت على سماعه بشكل يومي. ثم وصل الانترنت ومعه الـ"يوتيوب"، وصرت أتنقل بين أغاني أم كلثوم، وأهل البيت يصرخون: الصوت عالي يا ديما، وطّيه. ومع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي اكتشفت موسيقى ظافر يوسف، لتفتح لي نافذة على الفن البديل".

***

برغم أنّ أوّل أغنيةٍ سمعها محمد خالد (20 عاماً) كانت "لا والله ماني ماني" لديانا حداد أيضاً، إلّا أن لديه تجربة مختلفة. تربى محمد في عائلة متديّنة لا تستمع للموسيقى. كان في بيت عمّه حين سمع أغنيته الأولى، واندهش كيف يهزّ أبناء عمّه رؤوسهم مع الموسيقى. هل عليه أن يهزّ رأسه مع "الحرام"؟ يقول: "حاولت التفاعل مع الأغنية لكنّني لم أقدر، فشعرت بغضب شديد! تعرّفت بعد ذلك على كاظم الساهر، الذي كانت خالتي تستمع إليه، فأعجبت بأغانيه كونها بالعربية الفصحى، إضافةً لمعرفتي بكاتبها نزار قبّاني من خلال حصص اللغة العربية. أقنعت نفسي أنّ الموسيقى ليست حرام، وبدأت بمتابعة الأفلام المصرية. شاهدت فيلم "معبودة الجماهير"، واستمعت إلى عبد الحليم حافظ وهو يغني "جبّار"، وتخيّلت نفسي مكانه. تعرفت على عبد الوهاب وأم كلثوم والبقية. أعجبت بعبد الوهاب، خاصةً مع هيئته الوقورة التي تتناسب مع محاولاتي إقناع نفسي بحلاوتها، كما لأنّني مثله "أفكر بلي ناسيني وأنسى إلي فاكرني".

عندما صارت الموسيقى البديلة "موضة"، تعرّفت عليها عبر صديقٍ كان دائم الاستماع لظافر يوسف فأعجبت بأدائه، وطريقة تلاعبه بالكلام، كما أعجبت بموسيقى السوري بشّار زرقان. حالياً لم أعد أفضّل الموسيقى البديلة، وصرت أميل إلى الموسيقى الخالصة بدون كلام.

كتب/ فادي الشافعي لصحيفة "السفير" اللبنانية

المصدر: غزة - وكالة قدس نت للأنباء -