لم يفضِ الوضع الراهن في قطاع غزة إلى تحسس أملٍ، وان كان كدبيب النمل بعد 170 يوما من تناثر دماء الفلسطينيين أطفال ونساء برجالهم لأجل وجبة سمكٍ قد لا يعود قاطفيها، كما لم تتحسس أجساد الضحايا في قطاع غزة الذين سقطوا طوعا وقسرا دفئ قبورهم بفعل أعمال النهب والسرقة التي طالتهم تحت ظفر الأرض، ولم تمنع حرمة موتهم من أعياهم جشع الحياة من كسر شواهدهم وبيعها بثمن بخس لأجل مغنم يصيبونه.
وليس الحال بالأفضل على من هم على سكان سطح البسيطة غير المنبسطة في شؤونها بغزة المحاصرة، وهم كما أقرانهم الأموات، ولكنهم أحياء ينتظرون بردا قارساً او موتا يحرقهم او يسويهم بمنازلهم كما هي هواية اسرائيل في عملياتها العسكرية التي ما زالت مستمرة بالحصار المطبق على القطاع من جهات الدنيا الأربع.
لا فضاضة من ان يصبح حال الفلسطيني الطيب كما الفلسطيني الميت وان أصبح الكثيرون يفضلون الأخيرة كما الحاجة مريم 76 خريفا من العمر أشدها بأسا آخر 10 سنوات في حياتها، كما تقول.
كذلك لم يتفاجئ الشرطي رامز والذي يعمل في غرفة استقبال المكالمات الطارئة من عشرات الاتصالات التي تتحدث عن حوادث سرقة عديدة تطال كل ما يمكن سرقته في الشوارع والمنازل، والقبور حديثا.
حيث تحدث الشرطي رامز الذي اكتفى بالاسم الأول " تلقيت 20 مكالمة خلال 72 ساعة عن حالات سرقة، ناهيك عن تقديم محاضر في مراكز الشرطة شمال قطاع غزة".
وتحدث رامز الذي يعتمر قبعة زرقاء لا يوجد أية رتبة عسكرية على كتفيه وهو الذي يتبع داخلية غزة "الوضع صعب، لجأ الناس لأشياء غير قانونية لسد حاجتهم، والشرطة تعمل على مدار الساعة لكشف كل الحوادث".
في حين قالت السيدة أم حمزة ان منزلها تعرض للسطو أمام عينيها ولكن الأمر فشل، لاننا لم نملك شيء في المنزل، وعن تفاصيل الحادث تقول أم حمزة 35 عاما من سكان شمال قطاع غزة دخل منزلي صباح يوم شاب وآخر يبدو انه بلغ الـ50 عاما، يرتدون ملابس تدل على أنهم من علية القوم يحملون دفاتر وأجهزة كمبيوتر محمولة، وقالوا أنهم من وكالة الغوث لمعاينة الأضرار، وتبين بعد مغادرتهم انهم لصوص.
وتابعت قائلة "دخلوا المنزل ووجدوني اجلس مع جارتي ويبدو انهم لم يجدوا ما يريدونه لان المنزل لا يوجد فيه شيء ولا أضع إي حُلي او مجوهرات في يدي او على جسدي، ما دفعهم للقول لبعضهم "الوضع ناشف خلينا نطلع" حسب أم حمزة.
ولم تعرف السيدةانهم لصوص إلا بعد ان اتصلت بمقر الاونروا المحلي، والذين نفوا إرسال أي مهندسين الى منطقتهم.
وعن هذا الحال قال الناطق باسم شرطة غزة أيمن البطنيجي، ان حالات السرقة تعد محدودة ولا ترتقي لظاهرة، ولكنه رفض تحديد عددها او حالات التبليغ عن السرقة التي تصل المراكز بقطاع غزة بصورة توضيحية.
واكتفى البطنيجي بالقول "الشرطة تعمل بجهد بالغ في مراقبة الاوضاع الميدانية وحراسة المواطن بغزة (..) من الطبيعي ان تحدث حالات سرقة كما باقي المجتمعات ولكنها طبيعية.
وزاد البطنيجي ان الشرطة قامت بالكشف عن حالات سرقة الدراجات النارية، واسطوانات الغاز وإرجاعها إلى ذويها، في زمن قياسي (..) الشرطة لا تتلقى رواتب منذ شهور كثيرة، وتقوم بجهد مضنٍ؛ للكشف عن كل شيء على كل الأوجه".
وعن سرقة شواهد القبور قال البطنيجي "هناك بلاغات عن هذا الأمر، ونحاول التحقق من صحة البلاغات ومتابعة حيثيات الأمر بصورة أوسع، والشرطة تعمل جاهدة على الكشف عن كل من يخالف القانون ويتعدى على حرمات المواطن المغلوب على أمره بغزة."
بدوره قال المواطن حمودة عابد 27عاما، ان دراجته النارية تعرضت لسرقة فاضحة أمام أعين كاميرا المراقبة في عتمة الليل.
وأكد عابد والذي أمد مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" بمقطع فيديو لسرقة دراجته النارية، والتي تم تصويرها من خلال كاميرا وضعها بصورة احترازية في حين تعرض لسرقة، وهو ما تم بالفعل.
واظهر مقطع الفيديو الذي عرضه عابد 3 فتية، مكشوفي الوجه يقومون بعملية تغطية لسرقة الدراجة النارية، ويلاحظ من الصورة ان الوقت يشير إلى ما بعد منتصف الليل، حيث كان الأجواء تحت البرد القارس، حيث تندر الحركة البشرية في ذلك الوقت.
وعبر عابد عن استياءه الشديد من كثرة السرقات قائلا انه قدم الشكوى من شهر ولم يتم العثور على الفاعلين، مع انهم ظاهري الوجه في الفيديو الذي قدمه للعناصر الأمنية في جهاز المباحث العامة في بلدة جباليا.
ويقول عابد لمراسلنا "السرقات تظهر الوضع الصعب، ولكن هذا ليس حل، هذه أملاك مواطنين، يجب على الأجهزة الأمنية ان تبذل جهدا اكبر من ذلك من خلال تسيير دوريات اكبر في منطقة شمال غزة.
الجدير بالذكر ان اسرائيل شنت في السابع من يوليو/ تموز الماضي، حرباً على قطاع غزة استمرت 51 يوما، أدت إلى مقتل أكثر من ألفي فلسطيني، وإصابة نحو 11 ألفاً آخرين، وفق وزارة الصحة الفلسطينية، فيما أعلنت وزارة الأشغال العامة والإسكان الفلسطينية، أن إجمالي الوحدات السكنية المتضررة جراء هذه الحرب بلغ 28366.
وبدأت الأيام الأولى لحصار غزة، عندّما فرضته إسرائيل على القطاع إثر نجاح حركة حماس في الانتخابات التشريعية في يناير/ كانون الثاني 2006.
ثم عززت إسرائيل الحصار، وشدّدته في منتصف حزيران/ يونيو 2007 إثر سيطرة الحركة على القطاع، واستمرت في هذا الحصار رغم إعلان حماس التخلي عن حكم غزة مع تشكيل حكومة توافق وطني فلسطينية أدت اليمين الدستورية في الثاني من يونيو/ حزيران الماضي.
وفي الأعوام الثمانية الماضية نال الحصار، من كافة تفاصيل وشؤون الحياة في القطاع وجعلت من غزة وفق وصف المؤسسات الأممية "مدينة لا تصلح للحياة" تدخل عامها التاسع مع الحصار.
تقرير/ يوسف حماد
