"العار الأبديّ" يلاحق أهالي "الجواسيس" الفلسطينيّين

إنّ العقوبات الّتي تواجه الجواسيس الفلسطينيّين لصالح إسرائيل، لا تنتهي مع تنفيذ تطبيق حكم الإعدام في حقّهم على يدّ المقاومة الفلسطينيّة، إذ تبدأ سلسلة من العقوبات الاجتماعيّة ضدّ أفراد أسرة "الجاسوس"، الّذين لا ذنب لهم سوى أنّهم من لحمه ودمه. ويدفع أفراد أسرة "الجاسوس" أو ما يعرف بـ"المتخابر مع الاحتلال"، فاتورة ارتباطه بجهاز المخابرات الإسرائيليّ، ويواجهون وصمة عار مجتمعيّة أبديّة، تتخلّلها صعوبات كبيرة في الحصول على فرص العمل والتّعليم والزواج في شكل طبيعيّ.

لا يزال الشاب عصام (32 عاماً)، وهو يسكن في مدينة خانيونس - جنوب قطاع غزّة، يذكر تفاصيل حدثت في السابعة من عمره، عندما اقتحمت مجموعة من الملثّمين المسلّحين منزل العائلة واقتادت والده إلى خارج المنزل، وقتلته أمام مجموعة من النّاس تحت مزاعم "التّخابر مع إسرائيل". وقال عصام، الّذي تردّد كثيراً بالحديث مع موقع "المونيتور" قبل أن يوافق، شرط عدم ذكر اسم عائلته: "ما زلت أذكر ذلك الملثّم، الّذي كان يقرأ ورقةً أمام المتجمهرين تتضمّن الاتّهامات الموجهة لأبي، قبل أن يقتله ملثّمون آخرون. ومنذ ذلك الوقت، أمي وأشقائي الأربعة وأنا نعيش حياة مختلفة، إذ يرمقنا الناس بنظراتهم ويعاملوننا معاملة قاسية".

أضاف: "عندما كنت أرتاد المدرسة، لم يكن أحد يرغب في مصادقتي، وكان ينعتني أطفال الحيّ بـ(ابن الجاسوس)، فكنت أشعر بقهر شديد، ولم يكن أحد يرغب في زيارتنا. كما كانت المتاجر ترفض بيعنا أيّ شيء، حتّى اضطرّت والدتي إلى اتّخاذ قرار انتقالنا من مسكننا في مدينة غزّة، والذهاب للسكن في منزل آخر في مدينة خانيونس - جنوب القطاع".

وهنا، قالت والدة عصام، وهي صاحبة الوجه الممتلئ بتجاعيد قسوة الحياة: "لقد قُتل زوجي ظلماً، فلم توجّه إليه اتهامات ولم يحاكم، وكانت بضعة دقائق فقط تفصل بين اعتقاله وقتله".

وأوضحت أنّها قرّرت تغيير مكان إقامة عائلتها، هرباً من نظرات الناس والمعاملة المجتمعيّة السيّئة، وأملا في أن يكبر أبناؤها على واقع جديد.

ورغم أنّه لا توجد إحصائيّة تحصد أعداد الجواسيس الّذين قتلتهم فصائل المقاومة المسلّحة على مدار عقود الصراع الفلسطينيّ - الإسرائيليّ، إلاّ أنّ ظاهرة إعدام الجواسيس كانت تسود كلّ مراحل هذا الصراع، خصوصاً في أوقات الحروب الإسرائيليّة، بهدف إحداث الردع والرهبة عند الناس من التّعاون الاستخباراتيّ مع إسرائيل.

وتتشابه تفاصيل المعاناة الاجتماعيّة، مع الفتاة هدى الّتي باتت تبلغ من العمر (31 عاماً) من دون قبول أيّ شاب فلسطينيّ الزواج بها في مجتمع لا يتجاوز متوسّط سنّ الزواج عند الإناث (20 عاماً)، اعتماداً على أرقام مركز الاحصاء الفلسطينيّ.

وأشارت "هدى" لـ"المونيتور" إلى أنّ والدها قُتل على يدّ مسلّحين ينتمون إلى المقاومة الفلسطينيّة بغزّة في عام 2005، ومنذ ذلك الحين وهي تعيش برفقة عائلتها المكوّنة من 6 أفراد كمنبوذين في جحيم لا يطاق، وقالت: "عندما وصلت إلى سنّ الزواج، لم يطرق أحد باب منزلنا كما الفتيات الأخريات، ولكن في إحدى المرّات وخلال تسوّقي في إحدى الأسواق الشعبيّة في مدينة غزّة، أعجب بي أحد الشبّان وطلب من والدتي الزواج بي، ولكن سريعاً ما فسد الأمر بسبب ما أخبره به الجيران بأنّي ابنة جاسوس لصالح إسرائيل".

وتابعت الفتاة حديثها وعيونها امتلأت بالدموع: "لا يهمّني إن كان والدي قد قُتل مذنباً أو غير مذنب، ولكن ما ذنبي أنا وبقيّة أفراد عائلتي من هذه النّظرة المجتمعيّة السلبيّة تجاهنا".

 

وأشارت إلى أحد أشقائها، وهو يدعى محمّد (24 عاماً) وحاول العثور على أيّ عمل، إلاّ أنّ كلّ الأبواب كانت موصدة أمامه، ممّا دفعه إلى سلوك طريق السرقة لإعالة أسرته، الأمر الّذي جعله معتقلاً حاليّاً لدى الأجهزة الأمنيّة في غزّة.

وكانت عناصر ملثّمة من المقاومة الفلسطينيّة، أعدمت ستّة عملاء دفعة واحدة في أحد شوارع حيّ الشيخ الرضوان في شمال مدينة غزّة، خلال الحرب الإسرائيليّة على غزّة في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2012، ووضعت على أجسادهم لوحة كبيرة كتب عليها أسماؤهم وأسماء عائلاتهم، واتّهاماتهم الّتي تدور كلّها حول التّخابر مع إسرائيل.

كما نفّذت المقاومة الفلسطينيّة، خلال الحرب الإسرائيليّة الأخيرة على غزّة (7 يوليو -27 أغسطس) حكم الإعدام رمياً بالرصاص في حقّ 18 متخابراً مع إسرائيل في حدثين منفصلين، وجرى ذلك أمام حشد من المواطنين.

ورأى المتخصّص في علم الاجتماع الدّكتور درداح الشاعر، أنّ نظرة المجتمع تجاه عائلات "الجواسيس" تتّسم بالتّحقير والعار والمزج بين الجاسوس مقترف الذنب وأسرته الخالية من الذنب، وقال لـ"المونيتور": "تتعرّض عائلات الجواسيس لنظرة مجتمعيّة قاسية، حيث لا يرغب أحد في مجاورتهم أو مصادقتهم أو إجراء أيّ نشاط أو تعاون معهم، خصوصاً في ما يتعلّق بالعمل أو الزواج والمصاهرة، وهذا الأمر يتسبّب بتفكّك هذه العائلات وتشتّتها وتغيير مكان إقامتها أو حتّى تغيير اسمها هرباً من هذا العار".

وشدّد على ضرورة أن يحتضن المجتمع هذه العائلات لا أن يلفظها من أجل حماية أفرادها من الانحراف نتيجة الضغوط المجتمعيّة عليها، وتقديم كلّ أشكال الدعم إليها.

من جهته، اعتبر رئيس الهيئة المستقلّة لحقوق الإنسان صلاح عبد العاطي، إلحاق العار بأهالي الجواسيس لصالح إسرائيل، شكلاً من أشكال العقاب الجماعيّ، مشيراً إلى أنّ القانون الفلسطينيّ لا يوفّر أيّ حماية لهم، وقال لـ"المونيتور": "إنّ نبذ المجتمع لأهالي الجواسيس الّذين يعملون لصالح إسرائيل، يعدّ من أشكال العقاب الجماعيّ، فلا يوجد أيّ قانون يحمي هؤلاء الأهالي من هذا العار. وبالتّالي، يعاني هؤلاء الأهالي من المقاطعة والعزلة من المجتمع إلى الأبد".

وبيّن أنّ تجربة الثورة الجزائريّة ضدّ الاحتلال الفرنسيّ، في التّعامل مع الجواسيس، تدع نموذجاً جيّداً، حيث كان قتلة قوى المقاومة والثورة يقتلون الجواسيس سرّاً من دون الإعلان عن أسمائهم من أجل حماية أهاليهم وأبنائهم من العار المجتمعيّ.

وبالنّسبة إلى درداح الشاعر، فرأى أنّ إزالة هذه النظرة المجتمعيّة السلبيّة تجاه عائلات الجواسيس، تتطلّب عملاً إعلاميّاً وتوعويّاً كبيراً، وقال: "لكن مؤسّسات الدولة المختلفة لا تهتمّ بإزالة هذه النّظرة وتترك أهالي العائلات يعانون وحدهم".

تقرير/ رشا أبو جلال/ لموقع "المونيتور"

المصدر: غزة - وكالة قدس نت للأنباء -