يشكل إستهداف الأطفال الفلسطينيين باعتقالهم وفرض "الإقامة الجبرية" عليهم داخل منازلهم من قبل الاحتلال الإسرائيلي، خطراً ملحوظًا يحذر مختصون وباحثون فلسطينيون في مجال الأسرى من اتساع رقعته، بالوقت الذي أكدوا فيه على ضرورة تحمل المؤسسات الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان كافة مسئولياتها اتجاه ممارسات إسرائيل بحق الأسرى الأطفال والعمل على إطلاق سراحهم فوراً لما يشكل اعتقالهم التعسفي مخالفة للقوانين الدولية.
المختصون اتفقوا خلال أحديث منفصلة مع مراسلة "وكالة قدس نت للأنباء" على ضرورة العمل على كشف ممارسات الاحتلال لكنهم اختلفوا حول حجم وأهمية الجهود التي تبذلها الجهات الرسمية والغير رسمية في ذات السياق، فيما عادوا وأجمعوا على خطورة الظاهرة الجديدة التي ظهرت مؤخراً والقاضية بالافراج عن الأسير الطفل مقابل كفالة مالية كبيرة ثم حبسه داخل منزله وحرمانه من التحرك.
وتنفست الطفلة الفلسطينية ملاك الخطيب عبق الحرية، مطلع الأسبوع الحالي لكنها تركت خلفها 220 طفلاً يقبعون في السجون الإسرائيلية، وهم موزعون على كلّ من "عوفر" و"مجدو" و"النقب" و"هشارون" و"عتصيون" ومراكز توقيف أخرى. ويقبع خلف أسوار "عوفر" العدد الأكبر من الأطفال الأسرى، حيث يعتقل 99 طفلاً داخل جدرانه يحرمون من مرحلة التعليم الأساسي.
واستقبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس (ابو مازن)، مساء الثلاثاء، بمقر الرئاسة في مدينة رام الله، الطفلة ملاك الخطيب ( 14 عاما ) والتي تعتبر أصغر أسيرة فلسطينية ودام اعتقالها نحو شهرين بتهمة "قطع الطريق، وإلقاء الحجارة، وحمل سكين" .
وهنأ ابو مازن الطفلة الخطيب وعائلتها بالإفراج والحريّة، مشدداً على أن اعتقال الأطفال مخالف لكل القوانين الدولية والإنسانية.
وأشار إلى أن اعتقال الطفلة الخطيب يتناقض مع مبادئ السلام، داعياً إلى إطلاق سراح جميع الأسرى، خاصة الأطفال القاصرين القابعين في سجون الاحتلال، مؤكداً أن قضية الأسرى وتحريرهم تحتل الأولوية لدى القيادة الفلسطينية.
بدورها، نقلت الطفلة الخطيب للرئيس ابو مازن تحيات الأسيرات داخل سجون الاحتلال، ومعاناتهن من الاحتلال وهمجيته، وشكرت الرئيس على اهتمامه الشخصي ومتابعته المستمرة لقضيتها ولقضايا كافة الأسرى.
وذكر نادي الاسير الفلسطيني في بيان صحفي أن "قوات الاحتلال كانت قد اعتقلت الطفلة الخطيب في 31 كانون الأول من العام الماضي، خلال عودتها من المدرسة في قريتها بتين القريبة من رام الله ووجهت لها تهمة القاء الحجارة وحيازة سكين، فيما حكمت عليها بالسجن لشهرين وغرامة مالية بقيمة (6000 شيكل)".
ويقول مسؤول دائرة الإحصاء في هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين عبد الناصر فروانة، إن "ظاهرة الحبس المنزلي للأطفال مؤشراً خطيراً." واضاف:" يخرج الطفل من السجن بكفالة ويأمر بعدم خروجه من المنزل فيتحول الاهل الى سجانين، ويهددوا بعودة إبنهم للسجن أو دفع غرامة مضاعفه إذا أخل بشروط الإفراج".
وذكر فروانة خلال حديثه لمراسلة "وكالة قدس نت للأنباء" أن اعتقال الأطفال يمارس من قبل الاحتلال ضمن سياسة ممنهجة ومبرمجة وأنهم ينظرون إلى ذلك بخطورة بالغة". وأضاف :" ما يتعرض له الأطفال يأتي في سياق تشويه مستقبلهم من قبل إسرائيل لأنها تخشى أن يتأثر تفكيرهم وطموحاتهم بروح مقاومة الاحتلال."
ونبه فروانة إلى أن ملف اعتقال الأطفال ليس سهل وخطير ويجب أن يبقى مفتوح ويتصدر سلم أولويات الجميع دون استثناء، مؤكداً على أهمية الانتباه للملف وعدم التعاطي معه بمجرد ردات فعل.
وأشار فروانة إلى أن حجم الاستهداف للأطفال ليس فقط بالخطر المحدق بهم وإنما الخطر الأكبر يكمن فيما يصاحب الاعتقال من تنكيل وتعذيب واجراءات قمعية خلال المحاكمات العسكرية، إضافة إلى حرمانهم من التعليم والرعاية الصحية.
وأكد أن ما يتعرض له الاطفال يؤثر على طموحاتهم واحلامهم وتوجهاتهم." وتأسف فروانة اتجاه واقع الأسرى الأطفال قائلاً:" من المؤسف أننا كفلسطينيين نتعامل مع الملفات وخاصة الاطفال بعشوائية". مشدداً على ضرورة رفع نسبة الاهتمام بحاجة الاطفال المسجونين لدى إسرائيل".
واعتقلت إسرائيل منذ العام 2000 نحو عشرة آلاف طفل تقل أعمارهم عن 18 عاما، بمعدل 700 طفل سنوياً، بعضهم صدر بحقهم أحكام بالسجن لفترات طويلة تصل للسجن المؤبد (مدى الحياة). ويعرض الأطفال الذين تم اعتقالهم لشكل أو أكثر من أشكال التعذيب الجسدي أو النفسي، وعاشوا ظروف صعبة دون مراعاة لسنهم واحتياجاتهم.
ولفت فروانة إلى أن محاكمة الأطفال تستغرق فترات طويلة في ظل قضاء إسرائيلي غير نزيه، ولا ينظر إلى كيفية انتزاع المحققين للاعترافات من الأطفال لجعلها مستند إدانة. وأوضح أن الاحكام التي تصدر بحق الأطفال تبدأ من شهر وبعضهم عشر سنوات وبعض الاطفال سجن مؤبد وحسب دراسة فإن 95% من الاحكام الصادرة بحق الاطفال تصاحبها غرامات مالية كبيرة تكون عبء على أهالي الأطفال.
ويقول الأسير المحرر والمختص في شؤون الأسرى رأفت حمدونة إن "إسرائيل لا تفرق بين طفل وبالغ في الاعتقال وتعامل الكل بدون استثناء على نفس الوتيرة في طريقة الاعتقال والتعذيب النفسي والجسدي والضغط خلال عملية التحقيق وفي بعض الاحيان يمارس على الطفل ما لم يمارس على البالغ بمسألة التعذيب الجسدي والضغط النفسي. "
وذكر حمدونة الذي يدير مركز الاسرى للدراسات بأن ذلك يؤثر بالتأكيد على الأسير الذي كفلت القوانين والحقوق الأساسية في الامم المتحدة حقوقه. مؤكداً أن "كافة أساليب التعذيب التي يتعرض لها الأطفال داخل السجون الإسرائيلية هي محرمة دولياً(..) للأسير الطفل وغيره حقوق لا يراعيها الاحتلال وكل الاتفاقيات والمواثيق الدولية، تكفلها."
وقال حمدونة خلال حديثه مع مراسلة "وكالة قدس نت للأنباء" إن "إسرائيل عندما تنتهك حقوق الأسير تنتهك أيضا المواثيق والاتفاقيات نفسها والتي ترعاها دول متنفذة"، مناشداً المنظمات الحقوقية وخاصة التي تعنى بالطفل بأن تكشف وتضع حداً لممارسات الاحتلال . وأشار إلى أنه من المهم تطبيق اتفاقية جينيف الرابعة التي تكفل حقوق الاسير .
ومن جانبه يرى مدير مركز "أحرار" لدراسات الاسرى فؤاد الخفش أن الجهود التي تبذل على المستوى القانوني اتجاه قضية الأسرى الأطفال ضعيفة وركيكة وغير مؤثرة ، ووصفها خلال حديثه مع مراسلة " وكالة قدس نت للأنباء" بأنها "صامتة" وبحاجة الى تفعيل بشكل أكبر.
وأعتبر الخفش أنه من الضروري الضغط دولياً بشكل أكبر على سلطات الاحتلال للإفراج على الاطفال المتواجدين بالسجون حالياً ووضع حد للاستهداف المتصاعد بحق الأطفال.
وقال :" للأسف الشديد اسرائيل تصر على بقاء الأطفال بالسجن لفترات طويلة وتنتهك كل حقوقهم وتعذبهم بقسوة كالكبار، مشيراً إلى أن صمت الجهات الحقوقية الدولية وتخاذلها شكل عامل مشجع لسلطات الاحتلال لتتمادي بانتهاكاتها بحق الاطفال.
وذكر أن الفلسطينيين مطالبين بتفعيل دورهم لما له من أهمية خاصة وأنه يشكل عامل ضغط على المؤسسات الدولية التي يفترض ان تلعب دورا مهماً وضاغطاً لنصرة هؤلاء الاطفال والزام اسرائيل باحترام حقوق الطفل.
ولا يتمتع الأطفال المعتقلين لدي إسرائيل بأي من تلك الحقوق التي نص عليها إعلان حقوق الطفل الذي اعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة 1386 (د-14) المؤرخ في 20 تشرين الثاني 1959، وكذلك اتفاقية حقوق الطفل التي اعتمدت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 44/25 المؤرخ في 20 تشرين الثاني1989.
وكفلت الاتفاقيات لكافة الأطفال بلا استثناء أو تفريق أو تمييز، حق التمتع بتلك الحقوق وفي مقدمتها حقهم بالتمتع بطفولة سعيدة ينعمون فيها بحياة آمنة، ومنع تعريض أي طفل للتعذيب، أو لغيره، من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو غير الإنسانية، أو المهينة.
وأصدرت مؤخراً مؤسسة الميثاق لحقوق الإنسان، تقريراً بعنوان "طفولة ضائعة وقانون غائب" للحديث عن الانتهاكات الحقوقية التي يتعرض لها أطفال القدس ممن تعتقلهم شرطة الاحتلال الإسرائيلي.
وعكس التقرير ومن خلال الإفادات التي جمعتها المؤسسة حالة مستمرة من الانتهاك الواضح لحقوق الأطفال دون أدنى اعتبار لطفولتهم الغضة ولتأثيرات تجربة الاعتقال على مستقبلهم.
ومن جملة ما يقع على الأطفال من انتهاكات أثناء الاعتقال حسب التقرير: أن يمنعوا من مرافقة أهاليهم أثناء التحقيق، أو يحرموا من الحقّ في استشارة محام قبل بدء التحقيق معهم، أو يحرموا من النوم لساعات طويلة، أو أن يجبروا على التوقيع على إفادتهم المكتوبة باللغة العبرية دون أن يتأكدوا من مطابقة ما كتب فيها مع أقوالهم.
ومن أشد أنواع الانتهاك الاعتداء الجسدي متمثلاً بالضرب العنيف وأحياناً الضرب بالكهرباء.
ويناقش التقرير إجراء الحبس المنزلي، ويقدم معلومات قانونية أساسية عنه، كما يناقش تداعياته وتأثيراته على حياة الطفل ونفسيته.
وعلى عكس ما يظن كثيرون أن الحبس المنزلي هو "عقوبة قانونية"، فإنه مجرد إجراء قانوني تُقيّد وفقه حركة الطفل إلى حين انتهاء الاجراءات القضائية بحقه وإصدار المحكمة حكمها في قضيته. وكثيراً ما يترافق الحبس المنزلي مع قيود مشددة، كالمنع من الخروج إلى المدرسة، أو اشتراط الحبس المنزلي خارج الحيّ الذي يسكن فيه الطفل.
وبين التقرير ومن خلال الإفادات التي جمعها، أن هذا الاجراء الذي يفترض أن يكون لصالح الأطفال، تحول في كثير من الأحيان إلى نقمة، ولا أدل على ذلك من تصريح العديد من الأطفال أنهم يفضلون البقاء داخل المعتقل على الخروج للحبس المنزلي بين أهاليهم.
ومن الآثار المرافقة للحبس المنزلي، توتر العلاقة بين الطفل وأهله نتيجة شعوره بأن أمّه وأباه هما من يعتقلانه، وأن البيت الذي يفترض أن يكون موقع الشعور بالأمان أصبح هو السجن. كما يترتب على الحبس المنزلي في كثير من الأحيان حرمان الأطفال من حقهم في التعليم، وخلق أوقات فراغ طويلة لديهم لا يعرفون كيف يقضونها، وشعوره بالضغط وممارسة الرقابة الذاتية على نفسه.
وختمت المؤسسة تقريرها بتقديم توصيات لتفعيل الجهود المؤسساتية الفلسطينية في سبيل التخفيف عن الأطفال المعتقلين والمحبوسين منزليا في مدينة القدس.وترى مؤسسة الميثاق ضرورة تضافر جهود المحامين مع جهود المدارس والمرشدين التربويين والاجتماعيين للتخفيف من تداعيات الاعتقال والحبس المنزلي، إضافة إلى تفعيل حملات رفع الوعي الحقوقي بما يحصل من انتهاكات وكيفية التعامل معها، وصولاً إلى تقديم شكاوى ضد أفراد شرطة الاحتلال، على ما يرتكبونه من اعتداءات.
تقرير مراسلة "وكالة قدس نت للأنباء / هديل وادي
