وصل تقارب حماس مع إيران ذروته في الفترة الأخيرة، وبدأ الجانبان تحضيراتهما لزيارة خالد مشعل رئيس مكتبها السياسي لطهران أواخر ديسمبر 2014
فجأة شهدت علاقات الجانبين انتكاسة مفاجئة مع نشر تقارير صحفية من وسائل إعلامية مقربة من حزب الله وإيران، ساهمت بتعكير "مؤقت" لصفو علاقاتهما.
حملة موجّهة
كانت البداية مع صحيفة لبنانيّة مقرّبة من حزب الله اعتبرت في 7 شباط/فبراير أنّ أجندة زيارة مشعل إلى طهران تتسبّب بإعاقة تجدّد العلاقة مع حماس، بسبب اشتراطه مقابلة مرشد الثورة علي خامنئي ورئيس الجمهوريّة حسن روحاني.
ووصف المتحدّث باسم حماس سامي أبو زهري في 7 شباط/فبراير التقرير السابق بأنّه مفبرك ومزوّر، داعياً إلى التوقّف عن تشويه صورة حماس.
وفي اليوم نفسه، نشرت تسريبات في طهران عن شروط إيرانيّة لإعادة العلاقات مع حماس تتضمّن استقالة مشعل من رئاسة الحركة، وأنّ حماس ليست في وضع يسمح لها بأن تضع شروطاً لكيفيّة استقبال مشعل في طهران.
تكمن خطورة التقرير الإيرانيّ السابق كونه نشر في موقع تابع للحرس الثوريّ، ويشرف عليه قائد الحرس الثوريّ الأسبق ومستشار خامنئي الجنرال محسن رضائي، ويعبّر عن السياسة الرسميّة التي تنتهجها طهران.
وعلى عكس ما رغبت فيه إيران وحلفاؤها باستهداف مشعل عبر الحملة الإعلاميّة، أكّدت حماس عبر عدد من قادتها التفافها حول مشعل، وعدم موافقتها على القفز عنه في سبيل إعادة العلاقة مع طهران، من دون دخولها في سجالات إعلاميّة خشية تدهور العلاقة مع إيران أكثر.
فقد أوضح الناطق باسم حماس والمقيم في الدوحة حسام بدران في اتّصال مع موقع "المونيتور" أنّ "المفتاح الرئيسيّ لمن يريد إقامة علاقة مع حماس هو مكتبها السياسيّ وعلى رأسه مشعل".
أمّا وزير الشباب في حكومة حماس السابقة محمّد المدهون، فقد اعتبر في 9 شباط/فبراير أنّ الهجوم الإيرانيّ العنيف على مشعل ينقل الأمور بينهما إلى مربّعات يصعب التراجع عنها.
وامتدّ النقاش الصاخب حول الهجمة الإيرانيّة على مشعل إلى صفحات التواصل الاجتماعيّ، وحمل ردود فعل متناقضة بين مؤيّدي الجانبين، لكنّه عبّر عن استفزاز كوادر حماس ممّا اعتبروه تدخّلاً إيرانيّاً غير مسبوق في شؤونهم الداخليّة، ومساساً مرفوضاً بشخص مشعل، حتّى لو اختلفوا معه في بعض القضايا.
الصوت الغائب في السجال الإعلاميّ الأخير بين حماس وإيران كان كتائب القسّام، الجناح العسكريّ لحماس، التي التزمت الصمت إزاء الحملة على مشعل.
وقال مسؤول عسكريّ في حماس طلب عدم الكشف عن هويّته لـ"المونيتور": "قد تكون كتائب القسّام الجهّة الأكثر استفادة من تجدّد العلاقات مع طهران لحاجتها إلى الدعم العسكريّ، لكنّنا لن نستلم رصاصة واحدة من أحد من دون وجود غطاء كامل من قبل القيادة السياسيّة للحركة، وعلى رأسها القائد مشعل".
وأضاف: "كتائب القسّام أحد أجنحة حماس، وليس كلّ الحركة، وهي بالتالي ملتزمة بما تقرّره المؤسّسات التنظيميّة، وسنكون داعمين لأيّ تقارب مع إيران لمصلحة المقاومة، لكنّ حرصنا على تماسك الحركة وبنيتها التنظيميّة ورمزيّة قيادتها لن يكون محلّ مساومة من أحد".
جاء التعليق الإيرانيّ الرسميّ الأوّل على هذا التوتّر مع حماس من مستشار رئيس مجلس الشورى الإيرانيّ حسين شيخ الإسلام، الذي قال في 12 شباط/فبراير إنّ ترتيبات زيارة مشعل إلى طهران هي مسؤوليّة أصحاب البلد الإيرانيّين، وليس مهمّة مشعل أن يضع لنا قواعد استقباله، في إشارة للقائه بخامنئي وروحاني.
الأزمة السوريّة
وتنفي أوساط في حماس تحدّثت إلى "المونيتور" رافضة كشف هويتها حديث إيران عن الخلاف مع حماس حول أجندة زيارة مشعل إلى طهران ولقائه مع المرشد والرئيس أم لا، وتؤكّد أنّ "الجوهر الأساسيّ لتعثّر الزيارة ليس أسباباً إجرائيّة بروتوكوليّة، على أهميّتها، لكنّها سياسيّة، متعلّقة برغبة إيران بانتزاع موقف من مشعل حول الملفّ السوريّ".
وأضافت: "تريد إيران في صورة واضحة أن تسفر زيارة مشعل التي طال انتظارها عن تراجع في مواقف حماس السابقة، قد تصل إلى الدعم العلنيّ للرئيس بشّار الأسد، وهو أمر صعب الحصول في ظلّ ما تشهده سوريا من دماء نازفة في كلّ مكان".
وهو ما أكّده المتحدّث باسم الكتلة البرلمانيّة لحماس مشير المصري بقوله لـ"المونيتور" إنّ "العلاقة مع إيران في الفترة الأخيرة انتابها بعض الفتور والتأثّر نتيجة موقف حماس من الثورة السوريّة".
ورغم هذا الاستهداف لمشعل، فلا يبدو أن حماس راغبة بإحداث قطيعة مع إيران، حيث وصل وفد قيادي منها يوم 7/2 إلى طهران، مكون من جمال عيسى وعلي بركة وخالد القدومي، والتقوا بمساعد وزير الخارجية الإيراني "أمير عبد اللهيان"، الذي أكد بلغة دبلوماسية أن علاقة إيران بحماس طيبة ومتينة، متجاهلاً الحديث عن مشعل بصفة إيجابية.
وأكّد رئيس العلاقات الخارجيّة في حماس أسامة حمدان، في حديث إلى "المونيتور" أنّ "حماس حريصة على علاقة متوازنة وإيجابيّة مع إيران، مع وجود جهّات، لم يسمّها، تسعى إلى عرقلة هذه العلاقة، والحيلولة دون إعادتها إلى مربّعها الأوّل عبر عمليّات التشويش"، مؤكّداً "وجود قنوات تواصل قائمة مع طهران".
وأبلغ مسؤول فلسطينيّ في لبنان، توسّط سابقاً بين حماس وإيران، "المونيتور" هاتفيّاً من دون ذكر اسمه أنّه "من الواضح أنّ الحملة الموجّهة ضدّ مشعل تؤكّد وجود تيّار متنفّذ في إيران وحزب الله لا يريد تجديد العلاقات مع حماس، نظراً إلى وجود حالة من عدم التوافق الداخليّ في بيروت وطهران، إرضاء للحليف السوريّ في دمشق المعارض للتقارب مع حماس".
أخيراً... فإنّ النقاشات الداخليّة في حماس بين غزة وبيروت والدوحة، حيث مراكز صنع القرار في الحركة، تؤكّد أنّه إذا أجرت مقارنة بين المحافظة على تماسك حماس التنظيميّ، بزعامة مشعل، أو تجديد تحالفها مع قوى إقليميّة، ومنها إيران، فإنّها ستفضّل الخيار الأوّل، مع عدم الرغبة في التفريط باكتساب المزيد من العلاقات الخارجيّة، لكنّ ذلك يعني بوضوح إرجاء زيارة مشعل إلى طهران حتّى إشعار آخر، مع عدم قطع "شعرة معاوية" بينهما.
بقلم عدنان أبو عامر لموقع "المونيتور"
