مع اقتراب موعد زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى واشنطن لإلقاء خطاب التحدي للرئيس الأميركي باراك أوباما في الكونغرس، يحتدم السجال بين المسؤولين في الحكومتين.
وبعد أن غمز وزير الخارجية الأميركي جون كيري من قناة نتنياهو حين ألمح إلى أنه لا يعرف عمَّ يتحدث حينما يتكلم عن الاتفاق النووي مع إيران، قالت مستشارة الأمن القومي سوزان رايس إن نتنياهو يخرب العلاقة مع أميركا.
وقد تكاثرت في اليومين الأخيرين التسريبات بشأن خلافات داخل الحكومة الإسرائيلية حول الاتفاق مع إيران. فبعد الوثائق الجنوب أفريقية عن موقف "الموساد"، نشرت صحف أميركية أن مستشار الأمن القومي الإسرائيلي يوسي كوهين يعارض خطاب نتنياهو أمام الكونغرس.
وقد تصاعدت المواجهة بين الإدارة الأميركية ورئيس الحكومة الإسرائيلية، واتخذت منحى شديداً بإعلان رايس، في مقابلة تلفزيونية، أن خطاب نتنياهو أمام الكونغرس الأميركي، في الثالث من آذار المقبل، "سيكون مدمراً لنسيج العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة".
وأشارت إلى أن "العلاقات بين إسرائيل وأميركا كانت على الدوام مهمة للحزبين، ولحسن الحظ فإن الألاعيب السياسية لم تدخل إلى هذه العلاقات على مدى السنين. ولكن ما جرى في الأسابيع الأخيرة، كجزء من الدعوة التي وجهها رئيس مجلس النواب جون بوينر وقبول نتنياهو لها قبل أسبوعين من الانتخابات (الإسرائيلية) قاد، من الجانبين، إلى إدخال قدر من الحزبية إليها. وهذا ليس مؤسف فقط، وإنما مدمر لنسيج العلاقات بين الدولتين. لقد كانت العلاقات مهمة دوماً للحزبين، وينبغي الحفاظ على ذلك لمصلحة الموضوع. فعندما يتم إدخال ألاعيب السياسة لهذه العلاقات، تنشأ مشكلة. ونحن نريد الحفاظ على هذه العلاقات قوية، من دون ارتباط بالحزب القائم على السلطة في أي من الدولتين".
وكان كيري انتقد نتنياهو أمام لجنة الميزانية في مجلس الشيوخ، على خلفية معارضته لاتفاقية الإطار التي تتبلور بين إيران والقوى العظمى. وقال كيري ملمحاً إلى نتنياهو إن "كل من يتراكض الآن ويقفز، ويقول إنه لا يحب الصفقة، أو شيئاً من هذا القبيل، أبداً لا يعرف ما هي الصفقة. ليست هناك صفقة حتى الآن، وأنا أقترح على الناس الانتظار لرؤية ما ستسفر عنه المفاوضات".
وبديهي أن أقوال رايس وكيري جاءت بعد أن عاد نتنياهو وعدد من وزرائه وحملوا بشدة على الاتفاق مع إيران. وقال نتنياهو إنه "للأسف، المعلومات التي تصلني في الأيام الأخيرة تؤكد الكثير من مخاوفنا بشأن الاتفاق المتبلور بين القوى العظمى وإيران". وأكد أن "هذا الاتفاق، إن أبرم، سيسمح لإيران بالتحول إلى دولة حافة نووية".
وتتحدث أوساط إسرائيلية عن أن فرص نجاح نتنياهو في عرقلة إبرام اتفاق مع طهران تراجعت، في أعقاب تآمره مع الجمهوريين. فعدد أعضاء الكونغرس الذين تراجعوا عن تأييدهم لخطة تشديد العقوبات على إيران خلافاً لموقف أوباما تزايد بشكل كبير. كما تراجع أيضاً عدد المستعدين للوقوف ضد أي اتفاق يبرمه أوباما مع إيران، بحيث لا تتوفر غالبية الثلثين المطلوبة للتغلب على "الفيتو" الرئاسي ضد فرض عقوبات جديدة على إيران.
وتشير المعطيات الإسرائيلية إلى أنه قبيل دعوة نتنياهو، كانت إسرائيل بحاجة إلى عدد قليل آخر من الديموقراطيين المؤيدين لامتلاك غالبية الثلثين. وبعد دعوة نتنياهو، واعتبار الديموقراطيين ذلك مؤامرة حزبية من جانب الجمهوريين، صار من شبه المستحيل النجاح في جمع التأييد المطلوب. ويشهد على ذلك أعداد النواب الديموقراطيين المحتجين على خطاب نتنياهو، وبينهم العديد من النواب الأميركيين اليهود.
من جهة أخرى رفض نتنياهو دعوة للقاء أعضاء مجلس شيوخ ديموقراطيين أثناء زيارته واشنطن الأسبوع المقبل. وكتب، في رده على الدعوة، أنه "برغم تقديري جداً لدعوتكم الكريمة للقاء مع أعضاء مجلس شيوخ ديموقراطيين، فإنني أؤمن أن القرار بفعل ذلك في هذا التوقيت قد يفاقم الرؤية المضللة بأن دوافع حزبية تقف خلف زيارتي القريبة".
وكان عضوا مجلس الشيوخ الديموقراطيين ريتشارد دوربين وديان فاينشتاين وجَّها الدعوة إلى نتنياهو للقاء مغلق مع أعضاء مجلس شيوخ ديموقراطيين، وحذرا من تحويل العلاقات الأميركية - الإسرائيلية إلى موضوع داخلي يثير انشقاقاً، قد يجر نحو "عواقب متواصلة"، كما جاء في دعوتهما.
وكتب نتنياهو في رده أنه يقبل "تماماً" أن العلاقات القوية بين الدولتين بنيت على دعم كامل، مشدداً على "أنني أفهم أيضاً كامل أهمية الدعم التام من أجل التأكد أن الحلف بيننا سيبقى قوياً أيضاً في المستقبل".
وجاء في الدعوة استنكار لخطاب نتنياهو، وأن "هذه الخطوة غير المسبوقة، يمكن أن تزعزع المقاربة ثنائية الحزبية المهمة بشأن إسرائيل، وهو ما يقلقنا بشدة بوصفنا أنصاراً قدامى لإسرائيل". واعتبرت أن زيارة نتنياهو "تضحي بالتعاون العميق والراسخ مع إسرائيل لمصلحة نقاط حزبية قصيرة المدى - الأمر الذي لا ينبغي فعله مع أمن إسرائيل".
وقد أعلن عضو الكونغرس الديموقراطي ستيف كوهين، المشهور بتعاطفه مع إسرائيل، أنه لن يحضر خطاب نتنياهو، مضيفا أن رئيس الحكومة الإسرائيلية وبوينر "هندسا الخطاب لاستخدامه أداة ضد إدارة أوباما". وكان أكثر من 20 برلمانياً أميركياً دعوا بوينر إلى إلغاء دعوته لنتنياهو لإلقاء خطاب أمام الكونغرس. ومن الجلي أن دعوة نتنياهو لإلقاء خطاب أمام الكونغرس خلقت أزمة شديدة في العلاقات بين الحكومتين الإسرائيلية والأميركية، وأدخلت إسرائيل إلى لجة الصدام بين الديموقراطيين والجمهوريين، وعلى رأسهم أوباما حول المفاوضات مع إيران.
من جهة ثانية، نفى ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية ما نشر في واشنطن عن أن كوهين، أعرب أمام مسؤولين أميركيين عن معارضته خطاب نتنياهو أمام الكونغرس. وقال الديوان إن كوهين يؤمن أن الخطاب حيوي في هذا الوقت بغرض توضيح مدى خطر الاتفاق المتبلور مع إيران على الأمن الإسرائيلي والعالمي.
وكان الصحافي المعروف بعلاقاته مع الإدارة الأميركية جيفري غولدبرغ، قد نشر في مجلة "اتلانتيك"، أن كوهين قال لرجلين التقاهما الأسبوع الماضي في واشنطن إنه يعارض خطاب نتنياهو وإنه "كان يفضل لو أن الخطاب لا يتم". وحسب غولدبرغ فإن كوهين عبَّر عن قلقه من توقيت الخطاب ومن اعتباره محاولة إسرائيلية للتدخل بشكل مباشر في اللعبة الداخلية الأميركية.
