النصر الاستراتيجي...

بقلم: هشام سالم

إن النصر الحقيقي الذي يحققه أي شعب من الشعوب في أي حرب تفرض عليه أو أمام أي عدوان ظالم يتعرض له إنما يكون من خلال إفشال مخططات العدو ومنعه من تحقيق أهدافه حتى لو بلغت حجم التضحيات مبلغاً عظيماً ، وحتى لو أن هذا العدو دمر كل شيء وسفك دماء النساء والأطفال، وقصف بطائراته كل بيت وشارع، فطالما أن إرادة العدو انكسرت أمام إرادة أصحاب الحق، ولم يستطع الوصول إلى ما كان يسعى إليه فإنه بذلك يكون قد انهزم شر هزيمة وتمرغ أنفه بالتراب.

إن ما حدث في اليمن من عدوان على الشعب اليمني كان له هدف واحد، وتقف خلفه مؤامرة واحدة، دبرتها أمريكا وإسرائيل، ونفذتها طائرات بعض الدول العربية، فهدف العدوان على اليمن كان استدراج المنطقة بكاملها إلى حرب سنية شيعية كانت ستأكل الأخضر واليابس، وإشعال حريق لن يستطيع أحد إطفاؤه، ولكن الصبر الاستراتيجي للشعب اليمني العظيم، وحكمة قيادته الاستثنائية، وعضه على جراحه على مدى أكثر من خمسة وعشرون يوماً من القصف المتواصل الذي طال كل شيء حال دون ذلك، وأفشل مخططات الأعداء، ومنعهم من تحقيق أهدافهم، وردهم بكيدهم خائبين مهزومين.

إن الحرب على اليمن لم تكن تستهدف اليمن وحده، وإنما تستهدف المنطقة كلها، لمصلحة الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين، وقد كان الهدف الأساسي والمركزي لهذه الحرب تحويل الصراع من صراع مع الكيان الصهيوني وحلفائه في المنطقة والعالم إلى صراع عربي إسلامي داخلي عنوانه الأساسي (الحرب الطائفية بين السنة والشيعة)، وجعل الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور المقاومة كله في مواجهة مفتوحة مع محور عربي إسلامي سني تشارك فيه السعودية ومصر وباكستان وتركيا ودول الخليج والمغرب والسودان وغيرها من الدول، وهذا ما كانت تسعى إليه أمريكا وإسرائيل من وراء الحرب على اليمن، حيث أنهم اعتقدوا بأن اليمن سيقوم بالرد على ضربات الطائرات السعودية بقصف مدن داخل المملكة، أو الدخول براً عبر الحدود إلى بعض مناطق المملكة، أو إغلاق مضيق باب المندب، وبالتالي فإن هذا الأمر سوف يستدعي تدخل الدول العربية والإسلامية السنية لحماية بلاد الحرمين التي تتعرض لعدوان من قبل (الحوثيين الشيعة) كما كانوا سيصورون الأمر حال حدوثه، ومن ناحية أخرى ستقوم قوى عالمية بالتدخل وفق قرار صادر عن مجلس الأمن لإنقاذ المنفذ البحري العالمي، وبالتالي فإن المنطقة كلها ستحترق، لأن إيران ومحور المقاومة حسب اعتقادهم لن يقفوا حينها مكتوفي الأيدي اتجاه ما يتعرض له الشعب اليمني من ظلم وعدوان. ولكن صبر شعب اليمن العظيم، وإدراكه منذ اللحظة الأولى لطبيعة المؤامرة التي تحاك ضده وضد شعوب المنطقة جعلته يتصرف بحكمة منقطعة النظير، ويصبر صبراً يعجز عنه أي شعب في هذا العالم، إذ أنه على مدى أيام الحرب كلها لم يقم بأي رد يذكر على قصف الطائرات المتواصل، وتصرف على أساس تحقيق هدف واحد، وهو أننا سنهزم أمريكا وإسرائيل بصبرنا وحكمتنا، وأننا لن نسمح لهم بتمرير مخططاتهم ومؤامراتهم بإشعال النيران في منطقتنا، وأن العدو المركزي لأمتنا سيبقى الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين، وأننا سنتحمل كل الأذى والقتل والقصف من أجل إنقاذ أمتنا.

نعم، فهذا هو النصر الاستراتيجي الذي حققه شعب اليمن العظيم حين لم يسمح لأعداء الأمة أن يجعلوه بوابة العبور لحرب (إسلامية إسلامية - وعربية عربية)، ولم يسمح بأن تستدرج مصر العروبة والتاريخ، وباكستان وتركيا وكل الدول العربية والإسلامية لمعركة هدفها الوحيد تدمير الأمة لصالح إسرائيل، فصبر شعب اليمن مهد الطريق أمام مصر لتحقق الإنتصار بعدم استدراجها للمشاركة في هذه الحرب الظالمة رغم كل الضغوط والإغراءات، وساعد باكستان لتنتصر بقرار برلمانها بعدم المشاركة في حرب المستفيد الوحيد فيها إسرائيل، وأعانت تركيا على اتخاذ الموقف الصحيح والشجاع ضد الحرب وضرورة الذهاب للحل السلمي، وجعل فلسطين تنتصر حين لم يستطيعوا حرف البوصلة عنها، وجعل إيران تنتصر حين غلبت منطق العقل والحكمة والدبلوماسية لإطفاء هذا الحريق بدل الذهاب إلى طريق المواجهة المفتوحة، وفي النهاية فإن الأمة كلها انتصرت، سنةً وشيعةً عرباً وعجماً، حين أصرت على البقاء تحت راية واحدة، راية الإسلام والقرآن، وهذا هو النصر العظيم الذي حققه شعب اليمن، والذي لم ولن يدرك حقيقته إلا من انفتح بعقله وقلبه وروحه ووجدانه على حقيقة ما يجري من أحداث في منطقتنا، ونظر بعين البصيرة لما يخطط لهذه الأمة من خلال أجهزة المخابرات العالمية، التي ليس لها إلا هدف واحد، وهو تمزيقنا وتقسيمنا وتفتيتنا وتجزئتنا، لتبقى إسرائيل قوة وحيدة في هذه المنطقة، وتبقى هيمنة أمريكا والغرب على كل مقدرات وثروات شعوبنا العربية والإسلامية.

إن أي صراع أو مواجهة في المنطقة يجب أن تزول وتنتهي، ويجب أن تبقى فلسطين هي العنوان الأوحد الذي تتوحد لأجله كل قوانا وجيوشنا وسلاحنا، فلا معنى لأي حرب بين بلد عربي إسلامي وبلد عربي إسلامي آخر، ولا معنى لأي مواجهة مسلحة إن لم تكن إسرائيل الطرف المقابل لنا فيها من أجل إزالتها واستئصالها، فأمة الإسلام أمة واحدة، وما يجمعنا أكثر بما لا يقاس مما يفرقنا، فالدين واحد، والرب واحد، والقرآن واحد، والقبلة واحدة، قال تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" وقال جل شأنه : "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين".

 

كتبه/ القيادي في حركة الصابرين نصراً لفلسطين - أ.هشام سالم