"البئر".. أهم موقع عسكري إسرائيلي وأشدها تحصينا

تقرير صحفي لمراسل موقع صحيفة "يديعوت احرونوت" الالكتروني من داخل أهم موقع عسكري إسرائيلي وأشدها تحصينا على الاطلاق (موقع القيادة العسكرية الاسرائيلية)

نص التقرير (المترجم ) كما نشره موقع قناة " i24news" الاسرائيي

يعلو شعار لواء العمليات الكبير جدا واجهة مبنى رمادي معتم يتألف من طابق واحد يقع في قلب القاعدة العسكرية "هكرياه" وسط مدينة تل أبيب دون أي علامة تشير ولو من بعيد إلى مدى عمق الاسرار التي تتستر داخل هذا المبنى المتواضع.

لم تمر دقيقة واحد على تسليم هاتفي الخليوي عند نقطة الحراسة في الطابق الأرضي وبعد نزولي السلم الأول، حتى بدأت مشاعري تتبدل وبدأت احس بأن الأمر لا يتعلق بموقع عادي وكذلك لافتة وضعت على المدخل الرئيسي الثقيل تحذر من الأسلحة الجرثومية والنووية، وتؤكد هي الأخرى بأن الحديث لا يدور حول مجرد موقع عسكري سري آخر.Ynet/Eli Segal

هناك الكثير من لافتات الارشاد كتبت وصممت بحرفية عالية جدا علقت على معظم الجدران ويمكن ملاحظتها أثناء الهبوط إلى أسفل الموقع باتجاه قلب هذا المكان وفيه يعلق كل جندي وضابط في عنقه على الأقل بطاقة ممغنطة واحدة بعضها يفتح كافة الأبواب المغلقة دوما فيما يحتاج البعض عند دخول غرف معينة الى استخدام بصمة الإصبع إضافة للبطاقة الممغنطة فيما تقوم الكاميرات المثبتة بتمشيط الموقع وسقف هذه الغرف باستمرار.

ووصف الصحفي الموقع بقوله بان أهم وأكثر مكان سري يتبع للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية على الإطلاق وهو مخصص لحماية القيادة العسكرية والسياسية في أوقات الحرب حتى من خطر الصواريخ الموجهة ودقيقة الإصابة وتلك التي تحمل رؤوسا نووية.

واصلنا النزول عبر سلالم قديمة وتقدمنا عميقا إلى جوف الأرض وحظر علينا البوح بعدد الطوابق التي تغوص تحت الأرض ويبقى هذا الرقم سرا عسكريا. وفي ظل غياب أي نوع من المصاعد يمكن تصور الجنود والضباط وهم يتصببون عرقا نزولا وصعودا من والى مكاتبهم ومواقع خدمتهم.

هناك صف لا نهاية له من الرفوف الممتدة على جدران الممرات وهي تعج بالأجهزة والمعدات الكهربائية ووسائل الاتصال ما يعيدنا الى أيام اسحاق رابين وموشه ديان وغولدا مئير الذين تنقلوا بين هذه الممرات يصارعون المشاعر المتناقضة الواقعة بين الضياع واليأس والابتهاج والأمل خاصة خلال حرب أكتوبر 1973 حيث يروي بعض ضباط الأركان ومن خدم منهم في قاعدة "بئر الكرياه" بان وصول أي معلومة عن معركة دامية كانت تدور في سيناء أو الجولان كانت تحتاج إلى وقت طويل يمتد إلى ساعات فصلت بين المعلومات المفصلة عن المعركة وبين متخذي القرار القابعين داخل "البئر" لكن اليوم يمكن إدارة الحرب في غزة أو لبنان بالبث المباشر الصادر من عمق الأرض وسط تل أبيب لو أرادت القيادة العسكرية ذلك.

هذا بالضبط ما حدث على سبيل المثال يوم الأول من آب/اغسطس الماضي الذي بات يعرف باسم "الجمعة السوداء" في منطقة رفح حين تواجد رئيس الأركان في مقر القاعدة وعند الساعة 9:30 تقريبا أي بعد ساعة ونصف فقط من سريان وقف إطلاق النار، وصلت تقارير أولية من قيادة المنطقة الجنوبية حول معركة وقع فيها إصابات كثيرة ومخاوف باختطاف جندي حينها هبط رئيس الأركان غانتس إلى موقع القيادة العليا للجيش الإسرائيلي الى "البئر" وقدم قائد العمليات في الجنوب في قسم العمليات العقيد "ش" لرئيس الأركان صورة اولية عن المعركة التي قتل فيها قائد الوحدة الخاصة التابعة للواء "غفعاتي" الرائد بيني شرائيل وجندي اتصاله ليئيل غدعوني وتم خطف الجندي هدار غولدن.

شاهد غانتس من داخل "غرفة العمليات الحربية " الكائنة في قلب موقع القيادة العليا ما يجري في منطقة شرق رفح وذلك عبر شاشات ضخمة تنقل فورا وفي الوقت الصحيح ما يجري في كافة أرجاء المنطقة وجبهات القتال ويمكن من خلال ذات الغرفة الاتصال المباشر والفوري بالطائرات دون طيار وكاميرات المراقبة والأقمار الصناعية ورؤية من تلتقطه من صور ببث حي مباشر.

"بدأنا بالتنصت أيضا إلى الاتصالات التي يجريها اللواء وسمعنا أوامر إدارة المعركة وكيفية إدارة القوات وتوزيع المهام والأوامر على القادة والضباط وكذلك الاتصالات التي كان يجريها أيضا قائد لواء "غفعاتي" الجنرال عوفر فينتر وكان بإمكان رئيس الاركان من الناحية الفنية ان يرفع وفي اية لحظة يريدها جهاز الاتصال ويتدخل مباشرة بما يجري وان يتحدث مع قائد اللواء والقادة الميدانين لكنه لم يفعل ذلك لأنه سمع قائد اللواء وهو يدير المعركة بأعصاب باردة وهدوء لذلك سمح له ولبقية القادة أن يواصلوا عملهم دون تدخل وحافظ بذلك على التسلسل الهرمي القيادي ولم يكسر السلسلة القيادية وبالتوازي تحدث رئيس الأركان مع قائد المنطقة الجنوبية سامي تورجمان وتأكد من حصولهم على كل ما يريدونه ويحتاجونه قال قائد العمليات في الجنوب لدى القيادة العقيد "ش" مستعيدا لحظات المعركة القاسية.

فتحت أبواب "البئر" ومقر القيادة العسكرية العليا الصيف الماضي 81 يوما متواصلة وهي أطول فترة يفتح فيها هذا المقر السري على الإطلاق وامتدت هذه الفترة من صباح يوم اختطاف المستوطنين الثلاثة في منطقة "غوش عصيون" إلى أن وضعت الحرب على غزة أوزارها وكانت 30 نقطة سيطرة في غرفة العمليات مأهولة بكامل طاقمها الذي يتألف من ممثلين عن كافة الأذرع والفروع التابعة للجيش الإسرائيلي والاستخبارات العسكرية "امان" وسلاح الجو والبحرية وقيادات الألوية وجهاز "الشاباك" والشرطة وغيرها من فروع الامن فيما راقب رئيس الأركان غانتس غرفة العمليات من وراء لوح زجاج ابيض شفاف فيما كان يعقد في غرفة صغيرة اجتماعات طارئة وأخرى لتقييم الموقف وفقا "لسير الحرب" وهذا الأمر يساعد على وضع إطار يمثل روتين إدارة الحرب من قبل هيئة الأركان العامة.

Eli Segal/Ynet

تزين اقتباسات من أحاديث الأنبياء جدار هذه الغرفة الصغيرة ويمكن لرئيس الأركان أن يشرك عبر نظام الفيديو قادة المناطق وكبار القادة العسكريين المتواجدين في ميدان المعركة وكبار قادة المستوى السياسي في النقاش الدائر في الغرفة الصغيرة والمتواضعة المخصصة لرئيس الأركان.

وهناك ما يسمى بـ"غرفة المخرجين" حيث يتواجد المختصون بإعداد أفلام الفيديو وتنظيم عمليات المشاهدة من الساحات الأصلية والجبهات المختلفة ونقل هذه الصور إلى شاشات ضخمة.

ويدير القسم " البصري" التلفزيوني الخاص في هيئة الأركان غرفة عمليات ملاصقة لغرفة رئيس الأركان تتلقى كافة المعلومات والبيانات العملية القادمة من مختلف الجبهات سواء كان ذلك في أوقات الطوارئ أو الأوقات العادية.

ويعمل المقر في الأيام العادية طيلة ساعات اليوم لكن بتشكيل كادر مقلص يقوم بتركيز كافة التقارير الميدانية والعملياتية التي تجري بشكل دائم في مختلف الجبهات التي لا تأتي كل يوم بجديد وتتراوح هذه التقارير بين تلك المتعلقة بأعمال الإخلال بالنظام العنيفة التي تقع بمدينة الخليل مرورا بتسلل فلسطينيين عبر سياج غزة وصولا الى حوادث التدريب التي توقع إصابات وانتهاء بعمليات إطلاق الصواريخ المضادة للدروع باتجاه المواقع العسكرية في منقطة "هار دوف" أو مزارع شبعا.

لكن مقر القيادة العليا "البئر" لا يفتح إلا في حالة وقوع حوادث أمنية كبيرة حيث يعج بآلاف الجنود والضباط يتدفقون إليه خلال فترة زمنية قصيرة جدا من تلقي المعلومات حول هذا الحادث ويشكل عمليا قادة الجبهات الجنوبية والشمالية والوسطى رجال الاتصال بين "البئر" ورئيس الأركان وهم مسؤولون عن تمرير المعلومات المتعلقة بأي حادث امني يجري في منطقتهم بما في ذلك الحوادث المتعلقة بإمكانية طلب المدنيين مساعدة الجيش مثل انهيار مبان او حالة جوية غير عادية "عواصف".

"أديرت حرب" الاستقلال عام 1948 دون وجود مقر محصن للقيادة العليا وحتى غرفة عمليات منظمة لم تكن موجودة وجرى إدارة هذه الحرب من " البيت الأحمر" الواقع على شاطئ تل ابيب ومن قرر إقامة مقر محصن للقيادة العليا هو رئيس الأركان الثاني يغال يادين الذي قرر أيضا إخفاء هذا المقرر وتمويهه خشية تعرضه لغارات جوية مصرية، وفق ما قال الباحث نير مان، المختص بشؤون تاريخ انشاء هيئة الأركان العامة والذي يوصف "بمؤرخ الكرياه".

اقيم في البداية هذا المقر في "قبو" المدرسة الزراعية "مكفيه يسرائيل" وبعد ذلك اقترح 30 موقعا مختلفا لإقامة المقر القيادي وفقط قبيل الشروع بحرب سيناء عام 1956 اقيم هذا المقر في معسكر "داني" الملاصق لقيادة سلاح الجو القديمة في مدينة الرملة وكان اسحاق رابين بصفته رئيس قسم العمليات المسؤول الأول عمليا عن تشغيل مقر القيادة العليا الجديدة الذي جرى تدشينه عام 1958 في معسكر "الكرياه" بمدينة تل ابيب والمعروف حاليا باسم "البئر".

لم يستخدم رابين خلال حرب 67 حين كان رئيسا للأركان، مقر القيادة العليا "البئر" الذي كان احد مؤسسيه حيث اكتفى في هذه الحرب القصيرة بالتنقل بين الجبهات والمحاور المختلفة وعمليا فإن تشغيل أو استخدام هذا الموقع بعد 6 سنوات من حرب 67 حين وقعت حرب "أكتوبر 1973" والتي تقرر بعدها توسيع "البئر" وربطة مع "آبار" القيادة التابعة لسلاح الجو وسلاح البحرية القريبة منه إضافة لتطوير وتحسين البنية التحتية الخاصة بالاتصالات.

نشر هذا التقرير أولا في موقع Ynet

المصدر: القدس المحتلة – وكالة قدس نت للأنباء -