يؤكد النائب العربي في الكنيست عن التجمع الوطني الديموقراطي باسل غطاس أن فلسطينيي الداخل يتجهون نحو صدام مباشر مع إسرائيل ولا يستبعد استشهاد بعض شبابهم على خلفية استمرار هدم منازلهم وانتهاك حقوقهم.
ويكشف غطاس في حديث لصحيفة»القدس العربي» اللندنية أن التجمع الوطني الديمقراطي يتجه لتبني تسوية الدولة الواحدة معتبرا إياها أخطر مشروع على الصهيونية من الداخل. كما كشف أن القائمة العربية المشتركة ستتخذ قرارات حاسمة يوم الاثنين المقبل منها مغادرة قاعة البرلمان والاعتصام داخل خيمة احتجاج والإضراب عن الطعام.
ويحتفل التجمع الوطني الديموقراطي اليوم السبت بالذكرى العشرين لتأسيسه ببرنامج ثقافي وفني وسياسي واسع وبهذه المناسبة تحدثت الصحيفة اللندنية مع القيادي غطاس وهو حائز على دكتوراة بالإدارة وانضم للعمل البرلماني في عام 2013.
نص الحوار:
* ماذا حقق التجمع الوطني الديموقراطي منذ تأسيسه قبل عقدين؟.
- حمل التجمع مشروعا سياسيا ثقافيا وأنجز مكاسب تاريخية منها بناء سد أمام الأسرلة وفقدان الهوية والتهميش الذاتي داخل أراضي 48 تزامنا مع فترة الجزر الوطني نتيجة انهيار المعسكر الاشتراكي، وتوقيع إتفاق أوسلو وحرب الخليج الأولى، ووقتها سقطت الحركة التقدمية في انتخابات الكنيست عام 1992 وتراجعت قوة الجبهة الديقراطية للسلام والمساواة. سبح التجمع ضد تيار الأسرلة والانهزام الأخلاقي والقيمي الذاتي. وقدم التجمع مشروعا سياسيا جديدا وزان بين الوطن والمواطنة وبنى خطابا جديدا لفلسطينيي الداخل بوصفهم أصحاب البلاد الأصليين.. هو خطاب الانتماء والكبرياء لجانب دولة المواطنين. وشاع هذا الخطاب وأثّر حتى على بقية الحركات السياسية.
* ما المقصود بـ»دولة المواطنين»؟.
- هي قراءة ديمقراطية للدولة الحديثة بعكس الدولة القومية. وكان مؤسس التجمع عزمي بشارة قد أسهم في بلورة هذه الرؤية التي تتاح معها فقط المساواة المدنية والقومية الكاملة من خلال تأمين الحقوق الفردية والجماعية للسكان الأصليين. كما تعني هذه الدولة فصل الدين عن الدولة. موقف التجمع غير متطرف، لكنه وصم بالتطرف لأنه المشروع الوحيد الذي يطرح كنقيض لمشروع الدولة اليهودية. من جهتنا استمرأنا هذا الهجوم علينا فنحن حزب ثوري ويحب صورة التطرف الثوري أو الراديكالية لأن الصهيونية اعتبرتنا أكبر خطر عليها.
* وهل فعلا التجمع أكثر خطورة على الصهيونية من الداخل؟.
- نعمل على سحب البساط بذكاء من تحت أقدام المشروع الصهيوني. نحن نعيش اليوم مع الإسرائيليين ونقول لهم إننا نعترف بهم هنا في إطار مصالحة تاريخية تلغي قوانين ومؤسسات صهيونية كقانون العودة لليهود. في إطار مشروع التجمع تتاح عودة اللاجئين والمهجرين في نطاق الدولة المدنية. وتكمن أهمية هذا الخطاب بكونه ديمقراطيا مدنيا وهو وسيلة مريحة لنزع الطبيعة الصهيونية للدولة اليهودية. بخلاف الصراع القومي.. لا نقول لهم: إما نحن أو أنتم.. أو نعود للصراع على الرواية التاريخية وهذا طرح جديد. كبر التجمع وينبغي أن نكون التيار المركزي في الداخل حتى نتقدم من الهدف المراد.
مشروع دولة المواطنين كيف تقيمه اليوم هل نجح أم أخفق بتحقيق أي من أهدافه؟.
- لم يتفرغ التجمع لمشروعه الأساسي هذا، تماما بسبب انشغاله بالضغط السياسي ومحاولات شطبه وحياكة ملف أمني ضد مؤسسه عزمي بشارة. وخلال العقدين الأخيرين واجهنا صراعات وكنا بحالة من المحافظة على النفس وأن نتطور قليلا. لم نتفرغ كفاية لترويج وتطوير فكرة دولة المواطنين كسلاح لأننا نحتاج لحلفاء ومنهم يهود لنزع الطبيعة الاستعمارية عن الخطاب العام والعلاقات الإنسانية في إسرائيل وهناك جهات صهيونية أيضا يمكن التعاون معها في إطار دولة المواطنين في قضايا مهمة.
* ما زال التجمع يتبنى مشروع دولة المواطنين؟.
- بالعكس. نحن بحاجة لتعميم مفهوم دولة المواطنين كنموذج للتفكير يصلح لتسوية الدولة الواحدة.. فعلينا أن نسأل أنفسنا أي دولة واحدة نريد؟. هذا النموذج صالح للعلاقات بين العرب واليهود اليوم وهو صالح أيضا للتسوية النهائية للصراع.
* وهل يمكن فعلا تبني «دولة المواطنين» في دولة استعمارية – استيطانية؟.
- نحن جزء من الحركة الوطنية الفلسطينية ونعمل في ظروف عرب الداخل الخاصة ولسنا جزءا من اليسار الإسرائيلي.. مشروعنا ليس للعرب فقط إنما لهم واليهود أيضا وقاعدة للحوار بين الطرفين وهو يقدم حلا لليهود الذين مروا هنا بعملية «بناء أمة» معينة ويمكن حل مشكلة تقرير المصير ويتيح فصل الدين عن الدولة ونزع الطابع الاستعماري عن الدولة.
* هل سينتقل مركز الصراع مع إسرائيل إلى الداخل؟.
« لا أعتقد. وجودنا هنا كتجمع سكاني فلسطيني قوي سياسيا واقتصاديا نسبيا يعول عليه بلعب دور في قضية الصراع بدلا من دور المتضامن أو الضاغط فحسب. سيتعاظم دورنا بإعادة خلط الأوراق بناء على قراءة الواقع. نحن اليوم إلى انتهاء فكرة الدولتين بالكامل ونحن أقرب أكثر مما يظن البعض لتسوية الدولة الواحدة، وهذا بسبب أفعال إسرائيل. ربما يقول قائل ان على الفلسطينيين التمسك بالدولتين حتى لو فرضت إسرائيل حقائق على الأرض تحول دونها. موازين القوى لا تسمح بالدولتين ونحتاج لرؤية جديدة تعدل موازين القوى وسنضطلع بدور بإعادة خلط الأوراق والدفع نحو التخلص من «الدولتين».
* أضاف التجمع الوطني الديمقراطي عمقا عربيا لفلسطينيي الداخل، فما أهمية ذلك؟ وألا تخشى من استغلال إسرائيل ذلك للتطبيع؟.
- ازداد الاهتمام العربي بفلسطينيي الداخل بعد طرح عزمي بشارة نفسه مرشحا لرئاسة الحكومة لمناكفة الدولة اليهودية وتحديها ومن وقتها استمر بشارة في المساهمة في إيصال قضايانا للعالم. بدأت عملية تواصل فعلي واستغلينا الحصانة البرلمانية لزيارة دول عربية ولقاء حكامها وشعوبها ولاحقا لقاءات الأهالي في سورية. نحن مع استمرار هذا النهج لكننا نعارض التطبيع وندعو الدول العربية أن تغربل بين الحٓب والزيوان على أساس المصلحة الوطنية والقومية، كي لا تستقبل من يساهمون بالتطبيع. هناك دول عربية كمصر والأردن لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، لكننا لا نستطيع مقاطعتها بسبب وجود شعب نريد التواصل معه.
* كيف حال القائمة «المشتركة» وهل بلورتم رؤية مشتركة وآليات تضمن إدارة الخلافات والاختلافات والأزمات؟.
- المشاكل الكبيرة ورؤانا وتوافقنا على تركيبتها وبرنامجها السياسي وألحظ تطورا في علاقات مركباتها من ناحية الشفافية وعلاقات العمل والصداقات. لا مجال للعودة للوراء فقد أصبح العمل الانفرادي محط انتقاد اليوم. بحوزتنا إمكانيات للمحافظة على المشتركة. انتهى عهد النجومية الفردية والبطولات الشخصية لأن العمل الجماعي هو الأهم والمطلوب، وعلينا تجذير (مفهوم) ثقافة العمل المشترك مع التخطيط وتقاسم الأدوار. انتهى عهد الأحزاب والقوائم حتى لو خفضّوا نسبة الحسم لأن الجمهور لم يعد يرضى بدون ذلك، وهو مدرك التحديات الكبيرة أمامنا وبدون عمل سياسي موحد لا إنجازات حقيقية.
* إلى أين تتجه علاقات فلسطينيي الداخل مع إسرائيل في ظل حكومة متطرفة؟.
- إذا لم نغير كقائمة مشتركة قواعد اللعبة البرلمانية بنسبة 180 درجة، واستمر هدم المنازل العربية وقتل الشرطة للمواطنين العرب وتواصل صدور أحكام ظالمة عن محكمة العدل العليا ستفقد «المشتركة» مصداقيتنا كنواب عرب. وجودنا في الكنيست نضال وليس لكسب قانون هنا أو هناك، بل لإسماع صوتنا للعالم علاوة على مكافحة الدولة اليهودية. نحن نتجه لاتخاذ قرارات حاسمة بعد أيام منها مقاطعة قاعة الخطابات في الكنيست ونصب خيمة قبالتها نعتصم فيها ونجعلها مقرا إعلاميا لفضح سياسات وانتهاكات إسرائيل وإصدار مذكرات دولية والإضراب عن الطعام. نحن باتجاه تصعيد برلماني وشعبي مع إسرائيل. سنعود لإغلاق الشوارع وربما يستشهد مواطنون في مواجهات بدونها لن نكون شعبا. هل يعقل أن يهدموا بيوتنا ونبقى نتفرج عليهم.
تشدد على حيوية «العمل المشترك» اليوم فكيف تنظر لحالة الاحتراب بين الأحزاب العربية المتناحرة في الماضي؟.
- أنظر لهذه الخلافات في الماضي بسياقها. كانت هناك مبالغة شديدة بمناكفاتنا الحزبية وبالإساءة لبعضنا البعض، وأحيانا لتحقيق مكاسب داخل كل حزب وحزب من أجل التحشيد.
* هناك جدل حول الخطاب المدني الناعم لرئيس المشتركة النائب أيمن عودة؟.
- صحيح هذا الأداء موضع خلاف وهو يحظى باهتمام واسع لكونه بالمكان الأول في «المشتركة» ويدرك زميلنا أيمن عودة أن خطابه يسترعي انتباه الإعلام العبري فهو يتودد بمخاطبة الإسرائيليين. أسلوبنا مختلف عن هذا الأسلوب في التعبير والمصطلحات والمساواة بين القامع والمقموع. تحدثنا وتحاورنا معه والمهم أن هناك مرجعية سياسية مشتركة وإن اختلفت الموسيقى وأحيانا بالمصطلحات. سيكتشف زميلنا أيمن والجميع أن أسلوبه لن يغني ولن يسمن من جوع. حتى هذا المجتمع الاستيطاني لن يقبل أسلوب أيمن، وهو الأكثر توددا وحلاوة ورقة.. وبالأمس فقط قال عضو الكنيست عن « يسرائيل بيتنا « شارون غال إن أيمن عودة سياسي خطير» وأخذ عليه زيارة المناضل مروان البرغوثي.
ولكن التجمع تبنى دولة المواطنين وخطابه مدني؟.
- لا، خطابنا المدني ينبع من انتمائنا لمجموعة قومية أصلية خطابها يقوم على العنفوان والكرامة والانتماء وهي جزء من الحركة الوطنية الفلسطينية ولا ترى بنفسها جزءا من اليسار الإسرائيلي كالحزب الشيوعي الإسرائيلي. على كل نحن داخل المشتركة متفقون على رفع سقف الخطاب السياسي وحتى لو أحب البعض أن تكون صورته جميلة بعيون اليهود لن نسمح بانزلاقات سياسية ونحن نقدر أن أيمن يعدل خطابه مع اكتسابه التجربة.
* ولكن بالمقابل هناك تحفظ شعبي واسع لدى فلسطينيي الداخل من تورط بعض النواب العرب بالصراخ والصدام الجبهي مع النواب اليهود في الكنيست؟.
- صحيح. هناك فرصة لإيصال رسالتك بهدوء وبقوة بدلا من الصراخ وتفرض احترامك على النواب اليهود، فعندما تصرخ يسمعونك ولكن لا يصغون لك ونحن بحاجة لمخاطبة الأوساط الشعبية من فوق رؤوس النواب اليهود. بيد أن الأهم هو ماذا تقول وليس كيف تقول، ولا تنسى أن المشهدية الإعلامية والمشادات الاستعراضية وسيلة للظهور فالنائب الوديع الناعم لا يحظى بعناوين الصحف وهناك من يبالغ بذلك ويعيش على هذا الأسلوب».
يؤخذ على التجمع إهماله للخطاب المدني لصالح القومي أو الانجرار له لدرجة أن بعض المراقبين اليهود قالوا إن الإسرائيليين كانوا يصغون لعزمي بشارة مثلما كان يصغي لهم أكثر من قادة التجمع اليوم؟.
- في السنوات الأخيرة وتحت تأثير مقاومة حكومات اليمين المتطرف المتعاقبة وحروبها العدوانية المتواصلة على غزة واستمرار توغل الدولة اليهودية وممارساتها توارى نوعا ما خطاب التجمع الوطني المدني لصالح البعد القومي، ولم يكن هذا دائما نتيجة حتمية بمعنى أنه كان هناك أيضا أسباب وقصورات ذاتية أيضا.
* ومع ذلك هل هناك نواب يهود ترتبط معهم بعلاقات عمل أو علاقات إنسانية؟.
- نعم، هناك بعض نواب الأحزاب الإسرائيلية لهم مواقف ديمقراطية وغير موبوئين بكراهية العرب ونتعاون معهم ونجد معهم لغة مشتركة أمثال أورلي ليفي وجيلا جاملئيل. هناك تمايزات تتيح علاقات عمل ودية أحيانا.
