في بداية كل صباح ومع آخر ساعات المساء، يمسك الحاج الثمانيني (أبو ديب)، مكنسته واضعاً قبعته البيضاء على رأسه، ويبدأ في كنس الساحة المقابلة لمكان إقامته بالقرب من "ميدان فلسطين" أو "ميدان غزة"، فينظف ما خلفه المارة والباعة من قمامة ملأت جوانب الطرقات، لتغدو بعدها منطقة نظيفة.
وتستمر العملية في كل يوم، يأتوا المارة والباعة وتفتح المحلات التجارية أبوابها فتعود (الأوساخ) تملأ الطرقات، ويعود أبو ديب مجدداً إلى عملية التنظيف دون كللاً، يقول الرجل الطاعن في السن ذو الابتسامة العريضة، "اشعر بأني ما زلت شاباً فأنا اتخذ من تنظيف هذا المكان رياضه بالنسبة لي".
ويعد ميدان غزة ما يسمى "الساحة" من أكثر الأماكن المزدحمة في المدينة ومركزها التجاري الأول والأقدم، تحيط به المحلات التجارية، ويتزاحم الباعة في الشوارع التي تتفرع منه، كما يوجد محطة للحافلات ومحطة لسيارات الأجرة التي تعد نقاط انطلاق للركاب لمختلف وشتى مناطق قطاع غزة.
أبو ديب سكر (81) عاماً، يعشق هذا المكان فهو عايشه منذ ان كان طفلاً، يقول "لقد عاصرت هذا المكان في كل مراحل تطوره، قديماً كان عدد سكان غزة قليلون وكانت الحياة هادئة، لكن مع مرور الزمن تغير كل شيء".
لا يجد حرجاً أبو ديب، والذي لديه من الأبناء أربعة عشر، في تنظيف ميدان غزة دون مقابل، على الرغم ان عمال النظافة التابعون إلى بلدية غزة يقومون بتنظيفها باستمرار إلا انه يفضل مساعدتهم بهذه المهمة الذي تشعره بالنشاط والحيوية.
ويؤكد الحاج سكر في حديث لـ "وكالة قدس نت للأنباء"، ان النظافة ثقافة وفن وأدب، وان الحياة لا تكون جميلة بدونها، وان الشعوب تعرف من شوارعها، فكلما كانت شوارع المجتمعات نظيفة دل ذلك على تقدم هؤلاء الناس".
ويتفرع من ميدان غزة شارع جمال عبد الناصر و شارع عمر المختار، وشارع فهمي بيك الذي يشبه "الزقاق" ومليء بالمكاتب والمحلات، ومن الجهة الغربية سوق للفاكهة، ومن الجهة الشرقية المستشفى الأهلي أو ما يسمى (المعمداني)، والذي يعد أقدم مشفى بالمدينة، كما ويقع مقر بلدية غزة أيضا في الجانب الجنوبي الغربي للميدان، ومنه قليلاً إلى الشرق أيضاً سوق "القيسارية" و سوق "الزاوية ".
يستذكر أبو ديب، المكان قديماَ حيث يقول، انه كان تحيط به الأشجار والمزروعات مثل الشعير والخضار، وبساتين الزيتون واللوز والتي جميعها اندثرت وحل مكانها الأبنية والمحلات والأسواق.
أبو ديب ، يؤمن بالعمل التطوعي وهو في هذا السن، ويرى إن فلسطين تستحق إن يبذل أبنائها الكثير من اجلها وألا ينتظروا مقابل، لكنه يشعر بحزن بسبب حالة الانقسام "الدخيلة" على الفلسطينيين، بين حركتي (فتح وحماس).
ويقول "طول عمرنا شعب واحد، وتربينا على مقولة الجار للجار، وإحنا ما إلنا غير بعض شعب طيب بعشق بلده، ولابد انو ينتهي الانقسام إلى الأبد، بس نقاتل الاحتلال حتى نحرر الوطن".
ويختم أبو ديب حديثه وقد بدا أكثر تفاؤلاً "أقول إلى قادة الفصائل أن يكنسوا قلوبهم من الحزبية والتعصب مثل ما بكنس الشارع بهل مكنسة، ويخلوها صافية ويتوحدوا قبل ما يحاسبهم الشعب ويكنسهم".
