فلسطينيون قاتلوا النازية وشاركوا في تحرير فرنسا

طالما سعت الحركة الصهيونية لوصم الحركة الوطنية الفلسطينية بالانحياز لجانب النازية ملوحة بصورة للقاء جمع مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني مع أدولف هتلر بدوافع دعائية. لكن الحقيقة التاريخية تؤكد مشاركة آلاف الفلسطينيين بالقتال ضد دول المحور في الحرب العالمية الثانية التي مر على انتهائها 70 عاما.
وهذا ما تقر به دراسات إسرائيلية منها دراسة للباحث يوآفد غيلبر الذي يتقاطع مع أقوال مؤرخين فلسطينيين حول دور المتطوعين الفلسطينيين في الحرب العالمية الثانية ومساهمتهم بتحرير فرنسا وبالمشاركة في معارك نورماندي الفاصلة.
ويكشف في دراسته «التطوع ومكانته في سياسات الصهيونية» أن نحو 10 آلاف متطوع فلسطيني شاركوا في الحرب العالمية الثانية ضد النازية والفاشية.
لكن المؤرخ الفلسطيني مصطفى كبها يرجح أن العدد أكبر ويتراوح بين 17-09 ألف متطوع فلسطيني ويتفق معه أن البطالة والبحث عن مصادر رزق دفعا الفلسطينيين واليهود أيضا لذلك إلى جانب أسباب مبدئية أخلاقية دفعتهم إلى ذلك. من هؤلاء الشيخ المعمر رضوان سعيد (95) من كفركنا داخل أراضي 1948 الذي تطوع للمجهود الحربي مع الجيش البريطاني عام 1942 سوية مع شقيقه الراحل أسعد. وروى سعيد لـ القدس العربي» أنه شارك في معارك الحرب العالمية الثانية التي شهدتها مصر وإيطاليا وأقنع شقيقه بالمبادرة لـ «مغامرة جديدة تتيح لنا مشاهدة العالم».
ويقول الشيخ رضوان إنه كان يرافق والده في سفره لحيفا لبيع البيض وإن ضابطا بريطانيا انتبه لصحة بدنه وقوته فأقنعه بالتجند لشرطة وجيش الانتداب. ويستذكر أن شقيقه انضم للقتال في الحرب العالمية الثانية قبله وأنه عاد بعد شهور للبلاد بالبزة العسكرية ما شجعه على الانضمام. ويتابع «في 1942 كنت في الثانية والعشرين فتوجهت لمقر شرطة في حيفا وطلبت الانضمام للقتال فأرسلوني لمعسكر صرفند قضاء الرملة حيث تدربنا واحترفت القنص وإطلاق النار من بندقية رشاشة من طراز «برن».

مصر وإيطاليا

وبعد تدريبات صرفند نقل رضوان سعيد لمصر سوية مع متجندين عرب ويهود ومن هناك إلى إيطاليا حيث نقلوا بالقطار من مدينة لأخرى، مشيرا إلى أن المعركة الشرسة الوحيدة التي قاتل فيها كانت في مدينة بولونيا وتحت إمرة ضابط هندي. ويقول إنه عاد بعد المعركة للإسكندرية وبجيبه 45 ليرة (جنيه فلسطيني) وبحوزته بدلة مدنية وخوذة وحذاء جديد ويضيف «في البداية ضحك أهالي بلدتي وسخروا مني لمشاركتي بالحرب وما لبثوا أن افتخروا بي».
كما يستذكر الجدل الفلسطيني الداخلي ويقول إن المفتي أمر بعدم التجند للجيش البريطاني لكن المعارضة بقيادة عائلة النشاشيبي دعمت ذلك ويتابع «بالنسبة لي كان الهدف الحقيقي أن أخرج وأشاهد العالم».
لكن شقيقه أسعد شاهد بلدانا أكثر خلال مشاركته في القتال في اليونان، بريطانيا وفرنسا وشمال إفريقيا. وينقل عنه نجله ناهي سعيد قوله إنه انتقل للقدس لاستكمال تعليمه وهو في السادسة عشر من عمره بعدما تيتم من والدته وهناك قرأ إعلانا للجيش البريطاني وما لبث أن التحق بتدريباته في معسكر صرفند حيث تدرب على قيادة شاحنات عسكرية وبعد أسابيع انتقل من ميناء حيفا إلى مارسي الفرنسية وهناك عمل بنقل دبابات في شاحنته.

خط ماجينو

ويقول الراحل أسعد سعيد في مذكراته إنه بعد سقوط خط ماجينو انتقل مع وحداته البريطانية من باريس للسواحل البريطانية على متن بوارج كانت تتعرض لقصف طائرات ألمانية. ويتابع «قبل نزوحنا شاركت في تفجير جسور ومستودعات وقود وأسلحة في فرنسا». وبعد شهرين نقل مع وحدته للقتال في جنوب إفريقيا ثم استقر في مصر وخاض تدريبات ضمن وحدة كوماندوز قبل نقلهم لإريتريا للحرب ضد الطليان. وبعد عودتهم لمصر مجددا شارك سعيد بحفر أنفاق عسكرية في مرسى مطروح بالأيدي وأحيانا تحت قصف طائرات إيطالية قتلت بعض زملائه.
وبعد الانتصار على الطليان في الشرق الأوسط نقل سعيد لليونان وشارك في القتال على جبهة سالونيك وبعد انهيار وحدته انسحب هاربا من الأسر مع رفيقه الفلسطيني فهمي عاشور نحو أثينا. ويتابع «بتنا عدة ليال في الكهوف حتى وصلنا إلى الشواطئ لكن الأسطول البريطاني منح الجنود الإنكليز أولوية نقلهم من اليونان فقررت القفز نحو إحدى السفن فكسرت ساقي ووجدت مخبأ فيها حتى بلغت الإسكندرية وهناك اكتشف أمري وحوكمت بتهمة التسرب من الجيش البريطاني الذي داواني خلال اعتقالي شهرين».

معركة العلمين

أسعد الذي احتفظ بنياشينه العسكرية استأنف خدمته العسكرية مدربا لقيادة الشاحنات ثم نقل لمعسكر بريطاني في سورية كمترجم من العربية للإنكليزية. وفي 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1944 حرر أسعد من الخدمة وعاد بالقطار لفلسطين من مصر. ويتابع «بفضل معرفتي ببعض الجنود والضباط اليهود ساعدت بعودة لاجئين للبلاد عام 1952 بعد طردهم في نكبة 1948».
ويروي المؤرخ كبها أنه التقى بالماضي بفلسطيني من الضفة الغربية روى له كيف قاتل وفلسطينيون آخرون في معركة العلمين عام 1942 ضمن الجيش الثامن بقيادة الجنرال مونتغومري.
ويؤكد كبها أن أوساطا من الفلسطينيين استجابوا لنداء جيش الانتداب بالمشاركة في الحرب العالمية رغم جرائم بريطانيا بحقهم منوها لاعتماده في موضوع الأرقام على دراسة للباحثة بيان نويهض – الحوت التي أكدت موت فلسطينيين كثر أو وقوعهم في الأسر خلال الحرب العالمية الثانية. موضحا أن قيادة الصف الأول الفلسطينية غادرت البلاد أو استشهدت وقتها واستغلت بريطانيا الفرصة لتجنيد المزيد من الجنود من أجل العمل والقتال.

الكتابة التاريخية

ويتفق كبها مع مؤرخين آخرين عرب ويهود حول أن المتطوعين الفلسطينيين ساهموا في المجهود الحربي وشاركوا في تحرير فرنسا من الاحتلال النازي. كبها الذي يتفق معها حول أن جنودا فلسطينيين كثر شاركوا في التشكيلات العسكرية البريطانية كافة وشاركوا في تحرير فرنسا ينوه أن الكتابة التاريخية الفلسطينية لم تخصص إلا القليل عن هذه المسألة، مرجحا أن الرواية الفلسطينية لم تستحسن مشاركة هؤلاء أما الرواية الإسرائيلية فهي الأخرى حاولت طمسها كي يتواصل التحريض على المفتي والفلسطينيين ووصمهم.
ويشير إلى أن هؤلاء الجنود اختلفت رواتبهم بحسب درجاتهم من ثمانية إلى إثني عشر جنيها استرلينيا منوها إلى أن الكثير من القرويين وجدوا بذلك مصدرا للرزق علاوة على دوافع تتعلق بتقديس العمل العسكري والتفاخر به والدوافع المبدئية.
وهذا ما يؤكده المؤرخ مصطفى عباسي الذي يقول إن الخدمة في الجيش البريطاني أثارت جدلا بين الفلسطينيين وقتها.

تجربة عسكرية

عباسي يكشف أن جده شارك في القتال. ويروي أنه هدد جدته بالمسدس قبل رحيله بألا يمسسها رجل بغيابه كما روت له هي بشهادتها التي أكدت فيها أن زوجها لم يتحدث إلا القليل عن الخدمة في الجيش البريطاني خجلا. ويشير عباسي إلى أن تأييد معسكر المعارضة للمفتي لهذه المشاركة شجعت على تجند عدد كبير للجيش البريطاني بالحرب.
كما يشير لدور المجهود الدعائي البريطاني في تجنيد هؤلاء وبالاستعانة ببعض المخاتير والوجهاء. ويستطرد أن اجتماعا واسعا عقد لهذا الهدف في ربيع 1941 شهدته منطقة الحولة القريبة من مدينة عائلته صفد، وبمشاركة زعيم بلدة الخالصة المجاورة كامل الحسين. ويتابع «لم ترد بالشكل الكافي حقيقة مشاركة فلسطينيين بالحرب ضد النازية كبقية الشعوب وبقيت صورة المفتي مع هتلر هي الأبرز».
ويتفق عباسي وكبها بأن تجربة الفلسطينيين القتالية ساهمت بتحسين أدائهم في مواجهة الصهيونية عام 48 لكنها لم تكن حاسمة.

تقرير: وديع عواودة

المصدر: الناصرة - وكالة قدس نت للأنباء -